
الفصل الثالث
الصمت خيم على الصالة بالكامل.
نور كانت قاعدة قدام سلمى وعينيها ثابتة عليها.
كأنها مستنية تسمع إن كل اللي سمعته مجرد كابوس.
مجرد سوء تفاهم.
لكن ملامح سلمى كانت بتقول العكس.
وشها شاحب.
إيديها بترتعش.
وعينيها مليانة وجع قديم واضح إنه عمره ما راح.
وجع عاش معاها سنين طويلة.
وجع اتدفــ,,ـــــن تحت طبقات من المسئولية والشغل والتعب وتربية بنت.
بنت كانت فاكرة إنها أختها.
نور بلعت ريقها بصعوبة.
وقالت بصوت واطي:
“اعتــ,,ـــــدا؟”
سلمى أومأت ببطء.
ونور حسّت إن قلبها بيتعصر.
لأنها أول مرة تشوف سلمى ضعيفة بالشكل ده.
طول عمرها كانت شايفاها قوية.
شايفاها الجبل اللي عمره ما بيقع.
الست اللي تعرف تحل أي مشكلة.
اللي بتواجه الدنيا كلها لوحدها.
لكن النهارده كانت قدامها إنسانة مكسورة.
إنسانة شايلة سر أكبر من قدرتها بكتير.
سلمى أخدت نفس طويل.
وقالت:
“بعد ما عمرو عرف إني حامل واختفى… كنت منهارة.”
نور فضلت ساكتة.
“كنت بخاف أخرج من البيت.”
“بخاف أبص في وش الناس.”
“كنت حاسة إن حياتي انتهت.”
دموعها نزلت.
“وفي يوم خرجت لوحدي.”
“كنت عايزة أمشي وخلاص.”
“أهرب من التفكير.”
سكتت لحظة.
وكملت:
“في الليلة دي حصل اللي غير حياتي كلها.”
نور حسّت برعشة.
لكن سلمى ما دخلتش في تفاصيل أكتر.
وكملت وهي باصة للأرض:
“أنا عمري ما حكيت لأبويا وأمي كل اللي حصل.”
“ليه؟”
“لأني كنت مرعوبة.”
“وخايفة.”
“ومش فاهمة أصلاً أنا كنت حامل من مين.”
نور اتجمدت.
الجملة دي كانت كفيلة إنها تعيد كل الأسئلة من أول وجديد.
“يعني إنتِ مش متأكدة؟”
سلمى هزت رأسها.
“لأ.”
“عمري ما كنت متأكدة.”
“بس كنت فاكرة بنسبة كبيرة إن عمرو هو الأب.”
نور سندت رأسها بإيديها.
حست إن عقلها مش قادر يلحق كمية الصدمات.
في يوم واحد اكتشفت إن أمها هي أختها.
وأبوها اللي كانت فاكرة إنه مات طلع عايش.
ودلوقتي حتى الأب الحقيقي نفسه مش مؤكد.
كأن حياتها كلها كانت مبنية على رمل.
في الليلة دي نور ما نامتش.
فضلت قاعدة في أوضتها.
تبص للصور.
وتفتكر.
وتعيد كل كلمة سمعتها.
كل لحظة في عمرها بقت محتاجة تفسير جديد.
افتكرت مرة وهي عندها ست سنين.
لما رجعت من المدرسة وهي معيطة.
علشان بنت قالت لها:
“إنتِ شبه أختك أوي.”
وقتها كانت فرحانة.
جريت على سلمى وقالتلها.
فاكرة إن التشابه ده حاجة حلوة.
لكن دلوقتي فهمت.
ماهو طبيعي تكون شبهها.
دي أمها.
افتكرت حاجات أكتر.
كتير.
حاجات كانت صغيرة.
لكن دلوقتي بقت واضحة.
واضحة بشكل مرعب.
تاني يوم الصبح.
نور كانت رايحة الشغل.
لكنها ما قدرتش تركز.
الملفات قدامها.
والناس بتتكلم.
لكن عقلها كان في حتة تانية.
في الماضي.
في الحقيقة.
في السؤال الوحيد اللي بقى مسيطر عليها:
مين أبوها؟
وليه رجع دلوقتي؟
بعد عشرين سنة؟
إيه اللي اتغير؟
في آخر اليوم.
موبايلها رن.
رقم غريب.
بصت له ثواني.
وبعدين ردت.
“ألو؟”
الصوت اللي جه من الناحية التانية كان صوت راجل كبير.
هادئ.
ومتوتر.
“نور؟”
اتجمدت.
قلبها دق بعنــ,,ـــــف.
“مين؟”
الصوت سكت لحظة.
وبعدين قال:
“أنا عمرو.”
نور حست إن الدنيا لفت حواليها.
مسكت المكتب بإيديها.
“إنت؟”
“آه.”
“جبت رقمي منين؟”
“سلمى.”
سكتت.
“أنا محتاج أقابلك.”
نور ضحكت بسخرية.
“عشرين سنة وافتكرت دلوقتي؟”
الصوت اتكسر.
“عارف إني ما استحقش.”
“لا فعلًا ما تستحقش.”
سكت.
ثم قال:
“بس فيه حاجات لازم تعرفيها.”
“مفيش حاجة محتاجة أعرفها.”
“فيه.”
“لأ.”
“نور…”
“أنا مش بنتك.”
الصمت وقع.
نور نفسها اتفاجئت من الجملة.
لكنها قالتها.
وقالتها بوجع سنين.
“الأب مش اللي يخلف.”
“الأب اللي يربي.”
“وإنت ما عملتش ولا واحد منهم.”
وقبل ما يرد.
قفلت الخط.
لكن الليلة ما خلصتش هنا.
لأن بعد ساعة تقريبًا.
نور كانت راجعة البيت.
ولما وصلت العمارة.
شافت عربية سودا واقفة تحت.
راجل نازل جنبها.
في أوائل الخمسينات.
شعره بدأ يشيب.
ولابس بدلة بسيطة.
كان واقف يبص ناحية العمارة.
كأنه مستني حد.
أول ما شافها.
اتجمد.
وهي كمان اتجمدت.
لأنها عرفت فورًا.
من غير ما حد يقول.
عينيه.
نفس لون عينيها.
نفس النظرة.
نفس الملامح.
الراجل قرب خطوة.
“نور؟”
هي ما ردتش.
فضلت واقفة.
قلبها بيدق.
وعقلها بيرفض يستوعب.
الراجل بلع ريقه.
واضح إنه متوتر.
يمكن أكتر منها.
“أنا عارف إنك مش عايزة تشوفيني.”
نور ردت ببرود:
“صح.”
اتوجع.
واضح جدًا.
لكنها ما اهتمتش.
عشرين سنة من الغياب ما ينفعش يتعالجوا بنظرة حزينة.
عمرو مد إيده بظرف.
“خدي.”
“إيه ده؟”
“صور.”
“مش عايزاها.”
“لو سمحتي.”
نور أخدته بعصبية.
كان نفسها ترميه.
لكن فضولها غلبها.
فتحت الظرف.
ولقت صور قديمة.
كتير.
صور لسلمى وهي صغيرة.
صور لبيت قديم.
صور لأمها وجدتها.
لكن اللي شدها أكتر…
صورة ليها هي.
رضيعة.
اتجمدت.
رفعتها قدام وشها.
“إيه ده؟”
عمرو قال بصوت مخنوق:
“دي أول صورة شوفتها ليكي.”
نور رفعت رأسها بسرعة.
“شوفتها؟”
“آه.”
“إزاي؟”
“لأني كنت موجود.”
سكتت.
مش فاهمة.
“إيه؟”
“كنت موجود يوم ما اتولدتي.”
نور حست بقلبها يقف.
“سلمى قالت إنك اختفيت.”
“اختفيت بعدين.”
“يعني إيه؟”
عمرو أخد نفس طويل.
وبعدين قال:
“لأن اللي اتحكالك مش الحقيقة كلها.”
في نفس اللحظة.
كان في شخص تاني بيراقبهم.
من الناحية التانية من الشارع.
قاعد جوه عربية.
وبيتابع كل حاجة.
وأول ما شاف نور واقفة مع عمرو.
مسك موبايله بسرعة.
واتصل بحد.
“أيوة.”
صوت جه من الناحية التانية:
“ها؟”
الراجل رد بقلق:
“اتقابلوا.”
الصوت سكت لحظة.
وبعدين قال بحدة:
“ماتخليهمش يتكلموا.”
“بس…”
“نفذ اللي اتقالك.”
الخط اتقفل.
والراجل بص ناحية نور.
ثم قال لنفسه:
“سامحيني يا بنتي… بس الحقيقة دي لو طلعت هتدمر ناس كتير.”
نور ما كانتش تعرف إن في حد بيراقبها.
ولا تعرف إن السر اللي بتدور عليه أكبر بكتير من مجرد قصة حب قديمة.
ولا تعرف إن وفــ,,ـــــاه جدها وجدتها من عشرين سنة…
ممكن ما تكونش دــ,,ـــــادثة عادية أصلًا.
لأن في نفس الليلة…
لما رجعت البيت وفتحت الظرف كاملًا…
وقعت منها ورقة صغيرة كانت مستخبية بين الصور.
ورقة صفراء قديمة.
مكتوب عليها بخط يد جدها:
“لو نور عرفت الحقيقة يومًا… ابحثوا عن سامي الدهبي.”
نور قرأت الاسم مرة.
واتنين.
وتلاتة.
ثم رفعت رأسها ببطء.
لأنها عمرها ما سمعت الاسم ده قبل كده.
لكن إحساس غريب جدًا جواها قال:
إن الشخص ده…
هو مفتاح كل الأسرار.
وإن اللي جاي…
هيكون أخطر بكتير من أي حاجة عرفتها لحد دلوقتي.
يتبع…