
الفصل السابع
نور ما نمتش.
وسلمى ما نامتش.
والبيت كله كان غرقان في صدمة جديدة.
توأم.
مش مجرد أخت.
توأم.
يعني في نسخة تانية منها عايشة في مكان ما.
بتضحك.
بتعيط.
بتصحى كل يوم.
يمكن عندها نفس الضحكة.
نفس الملامح.
نفس طريقة الكلام.
ويمكن عمرها ما عرفت إنها مش لوحدها.
نور فضلت طول الليل تبص في السقف.
وتفتكر كل كلمة سمعتها في التسجيل.
لكن أكتر حاجة كانت شاغلاها…
ليه؟
ليه طفلة تتاخد من أمها بعد الولادة؟
وليه فؤاد الدهبي بالتحديد؟
وإيه مصلحته؟
الصبح.
سامي وصل البيت.
أول ما دخل وشاف الشريط والكلام اللي اتسجل عليه.
اتجمد.
وقعد على الكنبة كأنه فقد القدرة على الوقوف.
سلمى بصت له.
“إنت كنت تعرف؟”
هز رأسه بسرعة.
“والله لأ.”
“ولا حتى شكيت؟”
“أبدًا.”
نور كانت بتراقبه.
ولأول مرة بدأت تحس إنه بيقول الحقيقة.
لأن الصدمة على وشه كانت حقيقية.
مش مصطنعة.
سامي مرر إيده في شعره.
وقال:
“لو فؤاد فعلًا خد الطفلة…”
سكت.
ثم أكمل:
“يبقى إحنا مش بنتكلم عن تستر على جريمة.”
“إحنا بنتكلم عن خطف.”
الكلمة وقعت كالحجر.
خطف.
نور شهقت.
لأنها ما فكرتش فيها بالشكل ده.
لكنها الحقيقة.
طفلة خرجت من المستشفى.
واختفت.
من غير أوراق.
من غير قبــ,,ـــــر.
من غير شهادة وفــ,,ـــــاه.
يعني في حد أخدها.
سلمى بدأت تبكي.
“يعني بنتي كانت عايشة طول السنين دي؟”
ماحدش رد.
لأن مفيش حد يقدر يجزم.
لكن في أمل.
وأحيانًا الأمل بيكون أخطر من اليأس.
بعد ساعات.
وصلت مفاجأة جديدة.
اتصال.
من رقم خاص.
نور ردت بحذر.
“ألو؟”
صوت ست كبيرة.
واضح إنها مرعوبة.
“إنتِ نور؟”
“آه.”
“أنا لازم أقابلك.”
“مين حضرتك؟”
الست سكتت لحظة.
ثم قالت:
“كنت ممرضة في المستشفى يوم ما اتولدتي.”
نور وقفت فجأة.
وسلمى بصت لها بقلق.
“إيه؟”
لكن نور كانت مركزة مع المكالمة.
الست قالت بسرعة:
“ماينفعش أتكلم في التليفون.”
“ليه؟”
“لأنهم لسه بيراقبوا.”
قلب نور دق بعنــ,,ـــــف.
“مين؟”
“عيلة الدهبي.”
ثم أغلقت الخط.
بعد ساعتين.
نور وسلمى وسامي كانوا قاعدين في كافيه صغير على أطراف المدينة.
مكان هادي.
بعيد.
وشبه فاضي.
وبعد دقائق دخلت ست عجوز.
يمكن عندها سبعين سنة.
وشها مليان تجاعيد.
لكن عينيها كانت شايلة خوف عمر كامل.
أول ما شافت نور.
اتجمدت.
ثم دموعها نزلت.
“يا رب.”
همست بيها.
“نفس الوش.”
قعدت قدامهم.
وإيديها بترتعش.
ثم قالت:
“أنا اسمي فاطمة.”
“وكنت ممرضة في قسم الولادة.”
نور بلعت ريقها.
“إيه اللي حصل يومها؟”
فاطمة أغمضت عينيها.
كأنها راجعة عشرين سنة لورا.
“سلمى ولدت بنتين.”
“وده أكيد.”
بصت لسلمى.
“أنا اللي استلمتهم بإيدي.”
دموع سلمى نزلت فورًا.
أما نور فكانت مركزة في كل حرف.
“بعد الولادة بساعات…”
“دخل راجل المستشفى.”
“راجل مهم.”
“والكل كان خايف منه.”
سامي قال بهدوء:
“فؤاد.”
فاطمة هزت رأسها.
“آه.”
الصمت.
“دخل غرفة الأطفال.”
“وطلب يشوف التوأم.”
“وبعدها بنص ساعة…”
“واحدة اختفت.”
نور شهقت.
“إنتِ شفتيه؟”
“آه.”
“وليه ما بلغتيش؟”
دموع الست نزلت.
“بلغت.”
“وبعدين؟”
“اتهددت.”
الصمت خيم على الطاولة.
وفاطمة أكملت:
“في نفس الأسبوع مات مدير المستشفى.”
“واتنقل دكتورين.”
“واختفت ملفات.”
“والكل سكت.”
نور حست بقشعريرة.
لأن الصورة بدأت تكتمل.
في حد كان بيمسح كل أثر للحقيقة.
ثم أخرجت فاطمة ظرفًا صغيرًا من حقيبتها.
ووضعته أمام نور.
“خبيت ده عشرين سنة.”
نور فتحته.
وكانت الصدمة.
صورة.
صورة قديمة جدًا.
للتوأم.
لكن مش وهما رضع.
وهما عندهم حوالي سنة.
نور اتجمدت.
“إيه ده؟”
فاطمة قالت:
“الصورة اتبعتت للمستشفى بالغلط.”
“من دار رعاية.”
“بعد سنة من الولادة.”
نور قلبها وقف.
“يعني البنت كانت عايشة.”
“آه.”
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الصورة نفسها.
لأن خلف الطفلتين كان فيه لوجو واضح.
اسم دار الرعاية.
نور قرأته.
ثم بصت لسامي.
وسامي اتغير وشه فورًا.
“إيه؟”
سألته.
فقال بصوت مخنوق:
“دار الأمل.”
“مالها؟”
سامي بلع ريقه.
“كانت ملك فؤاد.”
الصمت.
الصمت الكامل.
لأن ده معناه حاجة واحدة.
فؤاد أخد الطفلة.
وحطها في دار تخصه.
يعني كل حاجة كانت مخططة.
من البداية.
بعد المقابلة.
خرجوا بسرعة.
كل واحد غرقان في أفكاره.
لكن قبل ما يركبوا العربية.
نور لاحظت عربية سودا واقفة بعيد.
نفس العربية اللي شافتها قبل كده.
ولما بصت ناحيتها.
العربية اتحركت فورًا.
“في حد بيراقبنا.”
قالتها.
سامي لف بسرعة.
لكن العربية كانت اختفت.
في نفس الليلة.
بدأوا يدوروا في سجلات دار الأمل.
لكن المفاجأة كانت إن الدار اتقفلت من ١٨ سنة.
والأرشيف اختفى.
والملفات اتحــ,,ـــــرقت.
كأن حد مسح وجودها بالكامل.
لكن وسط البحث.
نور لقت خبر قديم جدًا.
مدفون بين المقالات.
خبر صغير.
منسي.
لكن خطير.
عنوانه كان:
“تبني طفلة مجهولة النسب بواسطة رجل أعمال شهير.”
نور فتحت الخبر.
وقلبها بدأ يدق بعنــ,,ـــــف.
الخبر كان عن فؤاد الدهبي.
قبل عشرين سنة.
تقريبًا في نفس توقيت اختفاء الطفلة.
والخبر بيقول إنه تبنى طفلة رضيعة.
من دار الأمل.
ثم سافر بها للخارج.
نور شهقت.
وسلمى حطت إيدها على بقها.
أما سامي فكان بيبص للشاشة كأنه شاف شبح.
لأن اسم الطفلة كان مكتوبًا في الخبر.
اسم واحد فقط.
ليان الدهبي.
وفجأة.
سامي افتكر حاجة.
حاجة نسيها سنين.
قعد بسرعة.
وفتح موبايله.
وبدأ يقلب في الصور.
ثم أخرج صورة قديمة.
صورة لحفل عائلي من عشر سنوات.
وأشار لبنت واقفة بعيد.
“دي.”
نور قربت.
وبصت.
ثم شهقت.
لأن البنت كانت…
نسختها.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
وكأنها بتبص في مراية.
سلمى بدأت تبكي بعنــ,,ـــــف.
“بنتي.”
همست بيها.
“بنتي.”
أما نور فكانت باصة للصورة ومش قادرة تستوعب.
بعد عشرين سنة من الضياع…
لقوا أثرها.
أخيرًا.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن ليان نفسها…
في اللحظة دي بالذات…
كانت قاعدة في دولة تانية.
وأمامها ظرف وصلها صباحًا.
ظرف مجهول.
بداخله صورة واحدة فقط.
صورة نور.
وتحتها جملة قصيرة.
“إذا أردتِ معرفة من أنتِ حقًا… عودي فورًا إلى مصر.”
يتبع…
الفصل الأخير
ليان فضلت باصة للصورة لدقايق طويلة.
في البداية افتكرت إنها صورة ليها.
نفس الملامح.
نفس العينين.
حتى الشامة الصغيرة جنب الحاجب الشمال.
لكن لما قربت الصورة أكتر اكتشفت الحقيقة.
البنت اللي في الصورة مش هي.
في حد تاني.
حد شبهها لدرجة مرعبة.
وقتها فقط بدأت كل الأسئلة اللي عاشت تهرب منها طول عمرها ترجع تاني.
أسئلة عن أصلها.
عن طفولتها.
عن سبب إن فؤاد الدهبي كان بيعاملها أحيانًا كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
وأحيانًا كأنها عبء لازم يخلص منه.
أسئلة عن سبب منعها من رؤية أي أوراق تخص تبنيها.
وعن سبب غضبه كل مرة كانت تسأل عن أمها الحقيقية.
بعد يومين فقط كانت ليان على أول طائرة لمصر.
ومن اللحظة اللي نزلت فيها المطار بدأت النهاية تقترب.
في نفس الوقت كانت نور وسلمى وسامي بيجهزوا لمواجهة فؤاد.
لكن فؤاد سبقهم.
