
الفصل الخامس
نور فضلت طول الليل قاعدة على طرف السر,,ـــــير.
مفيش دموع.
مفيش صريخ.
مفيش حتى كلام.
أحيانًا الصدمات الكبيرة بتعدي على الإنسان بشكل غريب.
بتخليه يهدى زيادة عن اللزوم.
كأن العقل بيرفض يستوعب.
بيرفض يصدق.
وبيركن الحقيقة على جنب مؤقتًا لحد ما يقدر يتعامل معاها.
لكن الحقيقة كانت قاعدة قدامها.
واضحة.
مرعبة.
وسودا.
سامي الدهبي هو أبوها.
الراجل اللي دمّر حياة أمها.
والسبب في كل اللي حصل.
هو نفسه الشخص اللي بيجري في عروقها دمه.
كانت حاسة بالقرف من الفكرة.
لدرجة إنها دخلت الحمام وغسلت وشها أكتر من مرة.
وكأن المية ممكن تمسح الحقيقة.
لكنها ما قدرتش.
كل ما تبص في المراية كانت تشوف ملامحها.
وبعدين تفتكر صورته.
وتشوف الشبه.
الشبه اللي كانت رافضة تعترف بيه.
في الصبح.
صحيت على صوت جرس الباب.
خرجت وهي مرهقة.
ولقت سلمى واقفة عند الباب.
وشها متوتر.
“فيه إيه؟”
سلمى بلعت ريقها.
“في حد تحت.”
نور قلبها انقبــ,,ـــــض.
“مين؟”
“سامي.”
الصمت.
ثواني طويلة.
وبعدين نور ضحكت.
ضحكة قصيرة.
مليانة سخرية.
“جاي بالسرعة دي؟”
سلمى قالت بخوف:
“مش لازم تنزلي.”
لكن نور كانت حاسة بحاجة مختلفة.
غضب.
نــ,,ـــــار.
أسئلة.
وجع متراكم عشرين سنة.
“لأ.”
لبست جاكيتها.
ونزلت.
كان واقف جنب عربية فخمة.
لابس بدلة غالية.
وشعره الشايب مرتب بعناية.
أي حد يشوفه يقول رجل ناجح.
رجل محترم.
رجل أعمال كبير.
لكن نور ما شافتش غير حاجة واحدة.
شافت الشخص اللي خرب حياة أمها.
أول ما شافها.
اتجمد.
حرفيًا.
كأنه شاف شبح.
أو حد رجع من الماضي.
عينه دمعت.
رغم إنه حاول يخبي.
لكن نور لاحظت.
وما اهتمتش.
وقفوا قدام بعض.
ثواني طويلة.
من غير كلام.
لحد ما سامي قال:
“كبرتي.”
نور ضحكت بسخرية.
“طبيعي.”
سكت.
ثم قال:
“شبه أمك.”
ردت بسرعة:
“وشبهك كمان.”
الجملة نزلت عليه زي الرصاصة.
بانت الصدمة في عينيه.
واضح إنه ما توقعش تسمعها بالطريقة دي.
“ممكن نتكلم؟”
سألها بهدوء.
“لأ.”
“خمس دقايق بس.”
“بعد عشرين سنة؟”
سكت.
“عايز خمس دقايق بعد عشرين سنة؟”
نزل رأسه.
“أستاهل أكتر من كده.”
“أنت ما تستاهلش أصلًا.”
الوجع ظهر على وشه.
لكنها ما خففتش.
ما كانتش قادرة.
كل ما تبص له تفتكر سلمى وهي بتعيط.
تفتكر طفولتها.
تفتكر اللي ضاع.
سامي أخد نفس طويل.
وقال:
“أنا عمري ما عرفت بوجودك.”
نور اتجمدت.
“إيه؟”
“والله.”
ضحكت.
“بتكدب.”
“لأ.”
“يعني فجأة هصدقك؟”
“أنا ما عرفتش غير من سنتين.”
نور سكتت.
رغم غضبها.
في جزء صغير جواها كان عايز يسمع.
مش علشان تسامحه.
لكن علشان يفهم.
بس يفهم.
سامي بص للأرض.
ثم قال:
“في الليلة دي…”
وصوته اتكسر.
“أنا كنت سكران.”
نور حسّت بالقرف.
لكنها سكتت.
“وأكتر حاجة ندمت عليها في حياتي.”
سكت لحظة.
“ولما صحيت تاني يوم…”
“كنت فاكر إن كل حاجة انتهت.”
“لكن ماكنتش أعرف إن حياتي كلها هتتدمر بعدها.”
نور بصت له ببرود.
“وأنت فاكر حياتك هي اللي اتدمرت؟”
سكت.
لأنه ما عندوش رد.
“أبويا عرف.”
قالها فجأة.
“مين؟”
“أبوك.”
ثم صحح.
“جدك.”
نور سكتت.
وسامي كمل.
“عرف كل حاجة.”
“وجالي.”
“وكان ناوي يبلغ عني.”
“وأقسم إنه هيوديني السجــ,,ـــــن.”
نور قالت بحدة:
“وكان عنده حق.”
“آه.”
ردها بسرعة.
ومن غير اعتراض.
وده فاجأها.
“كان عنده حق.”
“وأقل كمان.”
سكت.
ثم أكمل:
“لكن بعدها بأيام حصل الدــ,,ـــــادث.”
الصمت.
نور قلبها انقبــ,,ـــــض.
“الدــ,,ـــــادثة.”
“آه.”
“إنت اللي عملتها؟”
رفع رأسه بسرعة.
وعينيه اتوسعت.
“لأ.”
ردها كان حاد لدرجة إنها صدقته للحظة.
“أقسم بالله لأ.”
فضلت باصة له.
تحاول تعرف إذا كان بيكدب.
لكن لأول مرة شافت خوف حقيقي.
خوف مش تمثيل.
“طب مين؟”
سألت.
وسامي سكت.
ثم قال:
“أخويا.”
نور شهقت.
“عمرو؟”
“لأ.”
“أمال؟”
“فؤاد.”
“فؤاد مين؟”
“أخويا التاني.”
نور اتجمدت.
“في أخ تاني؟”
“آه.”
بدأت الحكاية تتفتح أكتر.
وأكتر.
وأكتر.
لحد ما نور اكتشفت إن العيلة اللي كانت فاكرة إنها بسيطة…
كانت مليانة أسرار.
فؤاد الدهبي كان الأخ الأوسط.
رجل عنيف.
طماع.
وكان طول عمره شايف إن أبوه مفضل سامي عليه.
وكان بيكره أي حد يقرب من العيلة.
خصوصًا الفضائح.
ولما عرف اللي حصل بين سامي وسلمى…
خاف.
خاف الفضيحة تطلع.
وخاف الشركات تتأثر.
وخاف على سمعته.
وكان مستعد يعمل أي حاجة علشان يدفــ,,ـــــن الموضوع.
أي حاجة.
نور بدأت تربط الأحداث.
“إنت بتقول إن فؤاد…”
“أنا مش معايا دليل.”
قاطَعها سامي.
“لكن عندي شك.”
“شك؟”
“ومن عشرين سنة وأنا بدور.”
نور حست إنها في دوامة.
كل ما تمسك طرف خيط.
تلاقي عشرين خيط تاني.
في المساء.
رجعت البيت.
وكان عقلها بينفجر.
لكن أول ما دخلت.
لقيت سلمى قاعدة في الصالة.
وشها أبيض.
وعينيها مرعوبة.
“فيه إيه؟”
سلمى رفعت رأسها.
وكان واضح إنها كانت بتعيط.
“حد دخل البيت.”
نور اتجمدت.
“إيه؟”
“وأنا في الشغل.”
“إنتِ متأكدة؟”
هزت رأسها.
“الدولاب مفتوح.”
“والورق متبهدل.”
نور قلبها وقع.
“أي ورق؟”
سلمى بصت لها.
وقالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقها:
“ملف التحليل.”
اتحركت نور بسرعة ناحية أوضة سلمى.
وفتحت الدولاب.
الرف اللي كان فيه الملف فعلاً مفتوح.
والأوراق مبعثرة.
لكن الملف نفسه…
مختفي.
اختفى بالكامل.
كأن حد دخل مخصوص علشانه.
بس علشانه.
“بلغتي الشرطة؟”
سألت نور.
سلمى هزت رأسها.
“بلغت.”
“وقالوا إيه؟”
“مفيش كسر.”
“ولا أي دليل.”
نور عضت على شفايفها.
حد يعرف.
حد بيراقب.
حد عارف قيمة الملف.
وده معناه إن فيه شخص مرعوب من الحقيقة.
مرعوب لدرجة إنه اقتحم بيتهم.
في منتصف الليل.
نور كانت قاعدة في أوضتها.
وفجأة وصلتها رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
“ابعدي عن الملف.”
اتجمدت.
ثم نزلت الرسالة التانية مباشرة:
“لو بتحبي أمك… اقفلي الموضوع.”
قلبها دق بعنــ,,ـــــف.
ثم وصلت صورة.
ولما فتحتها شهقت.
الصورة كانت لسلمى.
متصورة من بعيد.
من قدام الشغل.
يعني حد بيراقبها.
دلوقتي.
في اللحظة دي.
نور قامت واقفة.
والخوف بدأ يتحول لغضب.
غضب مرعب.
لأن أي حاجة تخصها ممكن تتحملها.
لكن سلمى؟
لأ.
مش سلمى.
مش الست اللي ضحت بعمرها كله علشانها.
وفي نفس الوقت…
في مكان تاني من المدينة.
كان رجل كبير قاعد في مكتب مظلــ,,ـــــم.
أمامه الملف المسروق.
فتح أول صفحة.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
“كنت فاكرين السر هيفضل مدفون.”
ثم قلب الصفحة الأخيرة.
ولما شاف المحتوى…
اختفت الابتسامة من على وشه.
وحل مكانها ذهول كامل.
لأنه اكتشف حاجة ماكانش يعرفها.
حاجة أخطر من كل الأسرار السابقة.
شيء واحد فقط مكتوب بخط جد نور:
“إذا وصلت هذه الأوراق لأحد… فاعلموا أن نور ليست الابنة الوحيدة.”
الرجل وقف فجأة.
وعينيه اتوسعت.
لأن معنى الجملة كان واحدًا فقط…
نور عندها شقيق أو شقيقة…
ولا أحد يعرف أين هو الآن.
يتبع…

