
بدأت أخرج من البيت لأول مرة بعد اللي حصل، الشمس كانت غريبة عليا كأني بشوفها لأول مرة، الناس ماشية عادي وكأن مفيش حاجة حصلت في حياتي، وده كان غريب جدًا، إزاي الدنيا بتكمل كده؟ بس يمكن ده الطبيعي، وأنا اللي كنت واقفة، دخلت صيدلية أجيب العلاج، الصيدلي بص على دراعي وسألني “حصل إيه؟” وقفت لحظة، كنت هقول “وقعت” زي كل مرة، لكن لساني سبقني وقال “اتحرقت… حد آذاني”، الكلمة خرجت بصعوبة بس أول ما خرجت حسيت بحمل خفيف اتشال من على صدري، لأول مرة ما بخبيش.
رجعت البيت لقيت بابا بيتكلم في التليفون بصوت عالي شوية، كان واضح إنه بيتخانق مع حد، أول ما شافني سكت، قفلت الباب ووقفت أسمع من بعيد، “هي مش هترجع هنا… الموضوع انتهى”، عرفت إنه بيكلمها، قلبي دق بسرعة، مش خوف منها، لكن من اللي ممكن يحصل، من رد فعلها، من المشاكل اللي ممكن تكبر، دخلت عليه وقلت “خلاص يا بابا سيب الموضوع يعدي”، بصلي بحدة وقال “لا… المرة دي مش هعدي… أنا ضيعتك سنين وأنا ساكت”، الكلمة دي كسرت حاجة جوايا، ضيعتك، آه هو فعلاً ضيعني بس برضه كان بيحاول يصلح، وده خلى جوايا صراع مش سهل.
بعد كام يوم، اتحدد معاد في القسم علشان أقوالي، وأنا قاعدة هناك حسيت إني صغيرة جدًا قدام كل ده، الضابط كان بيكتب وأنا بحكي، كل كلمة كنت بقولها كانت بترجعلي المشهد تاني، إيدي كانت بتترعش وصوتي بيتهز، بس كملت، كنت بحكي مش بس عن اللي حصل في المطبخ، لكن عن كل مرة اتأذيت فيها، عن كل مرة اتقاللي كلام وجعني، عن كل مرة حسيت إني ولا حاجة، ولما خلصت حسيت إني خرجت جزء كبير من الوجع اللي جوايا.
في الطريق وإحنا راجعين، بابا قاللي “أنا عارف إن الكلام مش هيرجعلك حقك كله… بس على الأقل هيرجعلك كرامتك”، بصيتله وسألته “وإنت…
هتفضل معايا؟” سكت لحظة وقال “لحد ما آخد نفسي الأخير”، الكلمة دي كانت بسيطة بس معناها كبير، يمكن لأول مرة أحس إنه فعلاً شايفني، مش مجرد حد موجود في البيت.
الأيام بدأت تتغير ببطء، بقيت أروح جلسات علاج علشان الحروق، والدكتورة كانت كل مرة تشجعني وتقوللي إن الجروح هتخف، وأنا كنت بسأل نفسي “طب والجروح اللي جوايا؟”
بس مع الوقت بدأت أحس إنها هي كمان بتخف، مش بسرعة، بس بتتحسن، بقيت أتكلم أكتر، أضحك حتى لو ضحكتي مش كاملة، أخرج أتمشى، وأرجع أكتب، آه بدأت أكتب كل حاجة حصلتلي، كل إحساس، كل وجع، كأن الورق بيسمعني من غير ما يحكم عليا.
وفي يوم، وأنا قاعدة بكتب، لقيت نفسي بكتب جملة غريبة “أنا نجيت”، وقفت عندها، نجيت فعلًا؟ يمكن لسه في طريق النجاة، بس أكيد مش نفس البنت اللي كانت واقفة في المطبخ مرعوبة، البنت دي بدأت تختفي، وواحدة تانية بتظهر، واحدة أقوى، بتتكلم، بترفض، ومش بتقبل الإهانة.
بس رغم كل ده، كنت عارفة إن في مواجهة لسه جاية، مواجهة معاها، لأن الحكايات اللي زي دي مش بتنتهي بسهولة، وفي يوم بالليل، وإحنا قاعدين، الباب خبط، بصينا لبعض أنا وبابا، وقبل ما يقوم يفتح، قلبي قاللي إن اللي واقف برا مش غريب، وإن اللي جاي ممكن يغيّر كل حاجة تاني.
بابا بصلي نظرة سريعة فيها تحذير واطمئنان في نفس الوقت، وقام ناحية الباب بخطوات ثابتة، وأنا واقفة مكاني قلبي بيدق بعنف كأني عارفة مين برا حتى قبل ما يتفتح، أول ما الباب اتفتح… صوتها دخل قبل ما تدخل هي “أنا مش جاية أتصالح… أنا جاية آخد حقي”، الكلمة دي خلت الجو يتشد فجأة، وقفت عند باب الشقة، لبسها شيك زي كل مرة، وشها متماسك بس عينيها فيها حاجة سودا مش طبيعية، حاجة مليانة كره.
بابا وقف في نص الباب وقال بحدة “إنتي مالكيش مكان هنا”، هي ضحكت ضحكة قصيرة وقالت “مش بمزاجك…
البيت ده أنا شاركت فيه”، قالها وهو ثابت “القانون هو اللي هيحدد… مش إنتي”، حاولت تزقه وتدخل بس هو منعها، وأنا واقفة ورا شايفة كل حاجة، إيدي بتعرق وقلبي بيرتعش، بس المرة دي ما كنتش مستخبية، ما كنتش بستخبى وراه، أنا كنت واقفة.
بصتلي فجأة، نظرة مليانة احتقار وقالت “لسه عايشة؟
أنا كنت فاكرة الحروق هتربيكي شوية”، الكلمة دي ولعت حاجة جوايا، نفس الكلمة القديمة بنفس الأسلوب، بس أنا مش نفس البنت، خطوت خطوة لقدام، صوتي كان بيترعش بس خرج “إنتي مش هتلمسيني تاني”، هي اتفاجئت لحظة، يمكن أول مرة تلاقيني برد، بس سرعان ما رجعت ابتسامتها الباردة وقالت “إنتي فاكرة نفسك بقيتي إيه؟”
قبل ما أجاوب، بابا قال بصوت عالي “كفاية!” وبص لها وقال “أنا قدمت بلاغ… وكل حاجة اتسجلت… وانتي عارفة ده معناه إيه”، المرة دي وشها اتغير فعلًا، ملامحها اتشدت، حاولت تضحك بس الضحكة كانت مكسورة “بلاغ؟ ضدي أنا؟ علشان دي؟”
وأشارت ناحيتي، الكلمة دي كانت زمان بتكسرني، لكن دلوقتي حسيت إنها بتصغرها هي مش أنا.
قالها بهدوء حاسم “أيوه… علشان بنتي”، الكلمة دي رجعت تتقال تاني… بس المرة دي كانت أقوى، أثقل، كأنها بتتثبت في الأرض، أنا بنتي، مش حد زيادة، مش حد بيتحمل ويتسكت، أنا بنتي.
فضلت واقفة لحظة تبص لنا، واضح إنها بتحسبها، وبعدها قالت ببرود “ماشي… نشوف آخرتها إيه”، ولفت ومشيت، الباب اتقفل وراها بصوت تقيل كأنه بيقفل فصل كامل من حياتي.
سكتنا شوية، أنا وبابا، الجو كان مليان توتر، بس في نفس الوقت في راحة غريبة، أول مرة أحس إن الخوف اللي كان جوايا بيتكسر فعلاً، قعدت على الكرسي وأنا حاسة إني مرهقة جدًا، مش من النهارده بس، من سنين.
بابا قرب وقعد قصادي وقال “أنا عارف إن ده مش هيصلح كل حاجة… بس أنا مش هسيبك تاني”، بصيتله، كانت في عينيه دموع لأول مرة أشوفها بوضوح، وده خلاني أهدى شوية، مش سامحته بالكامل، بس يمكن بدأت أول خطوة.
الأيام اللي بعد كده كانت مليانة إجراءات وكلام ومحاكم، كل مرة كنت بروح كنت بحس إني برجع لنقطة البداية، بس كل مرة كنت بخرج أقوى شوية، بقيت أعرف أتكلم، أعرف أقول “لأ”، أعرف أحكي من غير ما صوتي يختفي، والناس اللي حواليّ بدأت تشوفني بشكل مختلف، مش البنت الهادية اللي بتستحمل، لكن واحدة بتواجه.
الحروق بدأت تخف تدريجيًا، بس أثرها فضل، خطوط على دراعي بتفكرني بكل حاجة، زمان كنت هخبيها، دلوقتي بقيت ببص لها وأقول “دي دليل إني عدّيت”، مش ضعف… قوة.
وفي يوم، بعد شهور، رجعنا من المحكمة ومعانا حكم نهائي بإبعادها، ومنعها تقرب مني بأي شكل، الورقة كانت في إيد بابا، بس حسيتها في إيدي أنا، حقي اللي رجعلي، كرامتي اللي اتسرقت واترجعت.
رجعنا البيت، نفس البيت اللي شهد كل حاجة، بس أنا مش نفس البنت، دخلت أوضتي، وقفت قدام المراية، بصيت لنفسي كويس، للوش اللي تعب بس ما اتكسرش، للدراع اللي اتحرق بس ما ضعفش، وابتسمت ابتسامة خفيفة، يمكن مش كاملة، بس حقيقية.
قعدت أكتب… زي ما بقيت بعمل دايمًا، وكتبت أول جملة “في ناس بتكسرنا علشان يفضلوا أقوى…
بس الحقيقة إنهم بيخلقوا نسخة مننا عمرها ما هتتكسّر تاني”، وقفت لحظة وبعدين كملت، كتبت حكايتي، من غير خوف، من غير تجميل، زي ما هي.
يمكن اللي حصل ما يتمسحش، ويمكن في ليالي لسه هعيط فيها، بس أنا بقيت عارفة حاجة واحدة… إن السكوت هو اللي كان بيقتلني، وإن صوتي هو اللي أنقذني.
والليلة اللي بدأت بوجع… انتهت ببداية جديدة… بداية لواحدة مش هتخاف، ومش هتسكت، ومش هتسمح لحد يكسّرها تاني.
حكايات أسما السيد. تمت
