
كنـت قاعـدة بتعشـى فـي مطعـم شيـك جـدًا أنا وبنتي جنى وجوزها كريم. وبعد ما مشيوا، الجرسون قـرب مـني وهمـس فـي ودنـي بكلمتين خلـوني أتجمد في مكاني… وبعدها بثواني، أنوار عربية شرطة بدأت تلمع قدام الشبابيك… أنا عندي 65 سنة، ولسه بايعة سلسلة الفنادق بتاعتي بـ 47 مليون دولار. وعلشان أحتفل بتعب عمر كامل، عزمت بنتي الوحيدة على عشا. كانت مبتسمة ورايقة، ورفعت الكوباية وقالتلي: “في صحتك يا ماما… 47 مليون! إنتِ عظيمة!” ابتسمت وخبطت كوباية العصير بتاعتي في كوبايتها. الدكتور كان مانعني من أي كحول… الضغط عندي مش مستقر، وأنا باخد بالي من صحتي كويس.
قلت لها: “في مستقبلنا يا حبيبتي.” جنى كانت جميلة جدًا الليلة دي… لابسة فستان أسود شيك أنا اللي جايباهولها، وشعرها مرفوع بطريقة هادية. جنبها، كريم، جوزها بقاله 5 سنين، بيبتسم ابتسامة مصطنعة شوية… دايمًا كان في حاجة فيه مريحانيش، بس عمري ما عرفت أحددها. قال وهو بيرفع كوباية: “أنا مبسوط إنك بعتي أخيرًا يا طنط هالة… كده بقى تعيشي حياتك، تسافري وتريحي. كفاية تعب.” هزّيت راسي… بس نبرته ضايقتني. حسّيته مرتاح زيادة عن اللزوم… كأن الفلوس دي ليه معنى تاني خالص.
قلت بهدوء: “عندي خطط… مؤسسة روبرت لسه البداية.” جنى وشها اتشدّ لحظة: “مؤسسة؟” قلت: “آه… هعمل مؤسسة باسم أبوكي لمساعدة الأيتام… جزء كبير من الفلوس هيروح لها.” كريم كحّ فجأة وكأنه اتخنق: “رائع… طبعًا… بس قد إيه؟ يعني ناوية تتبرعي بكام؟” قبل ما أرد، موبايلي رن. كانت نادية، محاميتي وصاحبتي من سنين طويلة. قلت: “ثانية بس… المكالمة دي مهمة.” قمت وروحت ناحية مدخل المطعم علشان الإشارة. المكالمة كانت سريعة… شوية تفاصيل أخيرة على الورق اللي هيتوقّع تاني يوم.
رجعت لقيتهم بيتكلموا بصوت واطي جدًا… أول ما قربت سكتوا فجأة. قلت: “في حاجة؟” جنى ابتسمت ابتسامة باهتة: “لا يا ماما… كنت بقول لكريم قد إيه أنا فخورة بيكي.” قعدت ومسكت كوباية عصير التوت… كنت لسه هشرب، بس لاحظت حاجة غريبة… رواسب خفيفة في قاع الكوباية، كأن حاجة دوبت بسرعة. قلبي اتقبض فجأة. حطّيت الكوباية من غير ما أشرب. قلت عادي جدًا: “مين عايز ديسرت؟” كملنا العشا نص ساعة كمان… طلبت عصير جديد وقلت القديم مسكّر زيادة.
بس من ساعتها… وأنا مركزة معاهم. نظراتهم… حركتهم… التوتر اللي بيحاولوا يخفوه… كان واضح… في حاجة غلط. ولما مشيوا وسابوني لوحدي… الجرسون قرّب مني، بص حواليه بسرعة، وبعدين قال بصوت واطي جدًا: “مدام… متشربيش أي حاجة هم لمسوها… أنا شفت الراجل حط حاجة في الكوباية بتاعتك.” الدم جرى في عروقي بسرعة مرعبة. قلت: “إنت متأكد؟!” هز راسه: “100%… وأنا كلمت الإدارة… والشرطة جاية في الطريق.” وفي اللحظة دي بالظبط… أنوار الشرطة كانت بتلمع برا. وساعتها… فهمت.
بنتي… وجوزها… كانوا مستعدين يقتلوني… علشان الفلوس. بس اللي ما كانوش يعرفوه… إني من ساعة ما شفت الرواسب… بدأت أعدّ… مش خوف… لكن علشان أبدأ انتقامي. 🔥 — لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
ثواني وشرطة دخلت المطعم بهدوء منظم… مفيش صريخ ولا دوشة، بس كل حاجة اتقفلت حواليّ كأن المكان بقى مسرح وأنا قاعده في نصه، واحد من الضباط قرّب وسألني باسمي، هزّيت راسي، قال “ممكن دقيقة لو سمحتي؟”، قمت معاه وأنا حاسة إن رجلي تقيلة بس عقلي شغال بسرعة غريبة، مش مصدومة زي ما كنت متخيلة، يمكن لأن الشك دخل قلبي قبلها بدقايق، يمكن لأن الأم ساعات بتحس حتى بالخيانة قبل ما تتأكد، قعدوني في ركن هادي، والجرسون كان واقف بعيد بيبصلي بقلق، الضابط قال “وصلنا بلاغ من إدارة المكان… وفي تسجيلات كاميرات… وفي موظف شاف حاجة مريبة… حضرتك لمستي الكوباية؟”، قلت “آه…
بس ما شربتش”، بص في عيني وقال “كويس جدًا”، ساعتها بس صدري ارتاح شوية، بس الوجع الحقيقي لسه ما بدأش.
طلبوا الكوباية، وخدوها، وبدأوا يسألوني عن بنتي وجوزها، وأنا برد بهدوء كأني بحكي عن ناس غريبة، بس جوايا في حاجة بتتكسر، كل لحظة كنت فاكرة فيها جنى وهي صغيرة، وهي بتجري عليّ وتقول “ماما”، كل عيد ميلاد، كل تعب، كل تضحية، كل ده كان بيتحط على كفة، والكفة التانية فيها صورة واحدة بس… بنتي بتحاول تقتلني.
واحد من الضباط قال “ممكن نتواصل معاهم دلوقتي؟”، قلت “أكيد… لازم”، طلع تليفونه واتصل، وبعد شوية سمعته بيقول “أيوه يا فندم…
إحنا من الشرطة… محتاجين حضرتك ترجعي المطعم فورًا… في حاجة بسيطة عايزين نسأل فيها”، الصوت من الناحية التانية كان متوتر، بس حاول يبان عادي، جنى قالت “في حاجة حصلت؟”، الضابط قال “إجراء روتيني بس”، قفلت، وأنا قلبي بيخبط بعنف، مش خوف… انتظار.
عدّت دقايق طويلة… وأنا قاعدة في نفس المكان… كل تفصيلة حواليا بقت واضحة بشكل مؤلم، صوت الملاعق، ضحك الناس، النور الخافت، كأن العالم كله مكمل عادي، وأنا حياتي بتتقلب، بعد حوالي ربع ساعة… باب المطعم اتفتح، دخلت جنى وكريم، وشهم كان طبيعي زيادة عن اللزوم، بس أول ما شافوا الشرطة… كل حاجة اتفضحت.
جنى بصّتلي بصدمة مصطنعة “ماما؟! في إيه؟!”، وأنا كنت بصالها بس، من غير كلمة، كريم حاول يتكلم “في مشكلة؟”، الضابط قال بهدوء “محتاجين نتكلم معاكم شوية”، خدّوهم على جنب، وأنا قاعدة… بسمع من بعيد، نبرة الصوت بتعلى وتنزل، في إنكار… في توتر… في خوف.
وبعدين… جنى صرخت فجأة “أنا ما عملتش حاجة!”، الصوت ده قطع قلبي، لأنه نفس الصوت اللي كانت بتصرخ بيه وهي صغيرة لما كانت بتخاف، بس المرة دي… الخوف مش بريء.
الضابط رجعلي وقال “في أدلة مبدئية… بس محتاجين نتحقق أكتر… حضرتك تحبي تمشي ولا تفضلي؟”، قلت “هفضل”، لأني كنت عايزة أشوف النهاية بعيني.
بعد شوية، كريم اتعصب وبدأ يتكلم بسرعة، يحاول يلف ويدور، بس الضغط كان كبير، الكاميرات، شهادة الجرسون، التحليل اللي هيطلع… كل حاجة كانت بتقفل عليه، وفي لحظة ضعف… قال جملة واحدة كسرت كل حاجة “ما كانش قصدي أموتها… كنا عايزين بس… نهدّيها شوية”، ساعتها الصمت نزل زي سكينة، والضابط قال “بأي حق؟”، كريم سكت، جنى بدأت تعيط “هو اللي قاللي… هو اللي قالي إن ده عادي… إننا هناخد الفلوس ونعيش مرتاحين”، وأنا قاعدة… بسمع بنتي بترمي نفسها في حضن جريمة، وبترمي جوزها في نفس الوقت.
بصيت لها لأول مرة واتكلمت “إنتي كنتي هتقتليني يا جنى؟”، صوتي كان هادي بشكل مخيف، هي بصتلي بدموع وقالت “لا يا ماما… والله ما كنت عايزة كده… أنا كنت… كنت عايزة حقي بس”، ضحكت ضحكة مكسورة “حقك؟! حقي أنا فين؟ عمري اللي ضاع عشانك؟ أبوكي اللي مات وسابلي مسئوليتك؟ ده كله ما كانش كفاية؟”، سكتت… وبعدين قلت “ولا الفلوس عمت عينك؟”.
كريم حاول يتكلم “مدام هالة… الموضوع مش كده… إحنا كنا—”، قاطعته وأنا ببصله ببرود “إنت… ما تتكلمش… أنا عمري ما ارتحتلك… وكنت فاكرة نفسي بظلمك… بس طلع إحساسي صح”.
الشرطة أخدتهم، وجنى وهي ماشية كانت بتبصلي…
نظرة عمرها ما هتتنسي، خليط من ندم وخوف وكره، وأنا ما جريتش وراها… ما حضنتهاش… ما قلتش “استني”… لأني في اللحظة دي فهمت إن الأمومة مش معناها إنك تبرري القتل.
رجعت البيت لوحدي… البيت كان كبير وهادي زيادة عن اللزوم، قعدت على الكرسي اللي كنت بقعد عليه مع جنى زمان، وبصيت حواليا… كل حاجة فيها ذكريات، بس الذكريات بقت تقيلة، وجعتني أكتر من أي خبر.
نادية كلمتني تاني يوم “إنتي كويسة؟”، قلت “أنا عايشة”، قالت “لازم تبقي قوية… القضية مش سهلة”، قلت “أنا أقوى مما تتخيلي”، وسكت شوية وبعدين قلت “أنا مش هسامح…
بس مش هنتقم بالطريقة اللي هما فاكرينها”.
القضية خدت شهور، وكل يوم كان اختبار، الإعلام اتكلم، الناس حكمت، في اللي شافني ضحية، وفي اللي قال “أكيد في سبب يخلي بنتها تعمل كده”، بس أنا ما كنتش بهتم، لأني عرفت الحقيقة، وده كان كفاية.
وفي المحكمة… يوم الحكم، جنى كانت واقفة قدامي، وشها شاحب، كريم جنبيها، القاضي قرأ الحكم… سجن، سنين طويلة، العدالة خدت مجراها، بس قلبي ما حسش بالانتصار… حسيت بفراغ، لأن مفيش حكم يرجع بنتك زي ما كانت.
بعد الحكم… جنى طلبت تشوفني، قعدت قدامها في الزيارة، بينا إزاز، بصتلي وقالت “ماما…
أنا آسفة”، سكتت، وبعدين قالت “أنا ضيعت كل حاجة… ضيعتك”، دموعها نزلت، وأنا بصيت لها طويلاً… وبعدين قلت “إنتي ما ضيعتنيش… إنتي ضيعتي نفسك”، سكتت، وبعدين كملت “أنا ربيتك على الصح… اللي اخترتيه كان بإيدك”، قامت تبكي، وأنا قومت ومشيت… لأني عرفت إن التسامح مش معناه إنك ترجّع اللي انكسر.
رجعت لحياتي… بس بشكل مختلف، الفلوس اللي كنت فاكرة إنها هتديني راحة… ما كانتش كفاية، الراحة الحقيقية جت لما بدأت أنفذ حلمي، مؤسسة روبرت اتفتحت، واستقبلت أول دفعة أطفال، كل طفل فيهم كان بيبصلي بعين مليانة احتياج، وأنا كنت بحاول أديهم اللي الدنيا حرمتهم منه… أمان.
في يوم، وأنا قاعدة وسط الأطفال، واحد فيهم مسك إيدي وقال “إنتي طيبة”، ابتسمت… وساعتها حسيت إن كل اللي حصل… رغم قسوته… خلاني أوصل للحظة دي.
مشيت في حياتي خطوة خطوة… مش ناسية… بس مش واقفة، عرفت إن أقسى حاجة ممكن تحصل… مش إن حد يحاول يقتلك… لكن إن اللي يحاول يكون أقرب حد ليك، بس برضه عرفت إن أقوى رد… مش الانتقام… لكن إنك تعيش… وتكمل… وتعمل خير أكتر.
وفي آخر اليوم… وأنا ببص في المراية، قلت لنفسي “أنا نجيت… مش منهم بس… من وجع أكبر”، وابتسمت ابتسامة هادية… لأن النهاية ما كانتش موت… كانت بداية.
حكايات أسما السيد.

