
بعـد مـا بـابـا مـات وأنـا عـندي 6 سنـين… مـرات أبـويا هـي اللـي ربتنـي وبعـد سنيـن طـويلة… اكتـشفت جـواب كـان كاتبـه فـي اللـيلة اللـي قبـل ما يـموت.
أمي الحقيقية ماتت وهي بتولدني… ودي كانت الحقيقة الوحيدة اللي أعرفها طول عمري.
أول 4 سنين من حياتي… كنا أنا وبابا بس
مش فاكرة تفاصيل كتير… غير إنه كان بيشيلني ويحطني على رخامة المطبخ… ويقولي “إنتي كل دنيتي”
لما كان عندي 4 سنين… قابل واحدة اسمها مريم
وبعد 6 شهور بس… اتجوزوا
وبعدها بفترة… بقيت أناديها “ماما”
عدى سنتين…
وفي يوم… رجعت من بره…
وشها شاحب بطريقة مرعبة
كأن الروح اتسحبت منها
نزلت لمستوايا… وبصتلي وقالت: حبيبتي… بابا مش هيرجع تاني…فاكرة الجنازة…
كنت عندي 6 سنين
كبرت… وكانت دايمًا بتقولي إنه حادثة عربية
حاجة محدش كان يقدر يمنعها
وصدقتها…بعد 4 سنين من وفاته… اتجوزت تاني
وخلفت طفلين…بس عمري ما حسيت إني غريبة
كانت بتعاملني كإني بنتها بجد
لحد ما وصلت 20 سنة… كنت فاكرة إني عارفة حكايتي كلها
لكن في الفترة الأخيرة… بقيت أبص في المراية كتير
وأفكر… أنا شبه مين فيهم؟
الفضول ده خلاني أطلع على السطوح…
أدور على ألبوم صور قديم لبابا وماما قبل ما أتولد
كان متخزن في كرتونة مليانة تراب
فاكرة وأنا صغيرة… كل ما أمسك الألبوم ده… ماما كانت بتتوتر
وبعدين اختفى من الصالة… وبقى محطوط فوق
كانت دايمًا تقول إنه مكانه هناك أحسن
قعدت أقلب في الصفحات القديمة… لحد ما وقفت عند صورة
بابا شايلني قدام المستشفى… وأنا لسه مولودة
ملفوفة في بطانية فاتحة..طلعت الصورة من الكيس البلاستيك..كنت عايزة أحتفظ بيها..وأنا بسحبها…
حاجة خفيفة وقعت في حضني
ورقة متنية…بصيت عليها…كان مكتوب عليها اسمي..قلبي دق بسرعة
فتحتها…كانت رسالة من بابا ومتكتوبة بتاريخ…
قبل ما يموت بيوم واحد
إيدي بدأت تترعش… وأنا بقرأ أول سطر…
#رب_اوزعني_ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي اني تبت إليك واني من المسلمين
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
@أبرز المعجبين
إيدي كانت بتترعش وأنا بقرأ أول سطر… والكلمات كانت باينة كأنها مكتوبة بدم قلبه مش بحبر عادي… “لو الرسالة دي وصلتلك يا بنتي… يبقى أنا ماقدرتش أفضل معاكي… بس لازم تعرفي الحقيقة اللي حاولت أحميكي منها لآخر لحظة”… وقفت هنا لحظة… نفسي اتسد… حسيت إني واقفة على حافة حاجة كبيرة… حاجة ممكن تغيّر كل اللي أنا عارفاه عن حياتي… بلعت ريقي وكملت… “أنا عارف إن مريم عمرها ما قصّرت معاكي… وعارف إنها هتكون أم ليكي زي ما كنت أتمنى… بس في حاجة واحدة ماقدرتش أقولها ليها… ولا ليكي… الحقيقة إن موت أمك ماكانش مجرد قضاء وقدر زي ما الناس قالت”…
هنا قلبي وقع… حرفيًا حسيت الأرض بتميد بيا… كملت وأنا مش مصدقة… “اللي حصل يوم ولادتك ماكانش طبيعي… كان في إهمال… وكان في شخص لازم يتحاسب… بس أنا اخترت أسكت… علشانك… علشان ما تكبريش وسط كراهية ووجع”… دموعي نزلت من غير ما أحس… أنا طول عمري فاكرة إن الحكاية بسيطة… أم ماتت… وأب حاول يعوض… وبعدين اختفى هو كمان… لكن الحقيقة كانت أعمق بكتير… “أنا دورت ورا الموضوع… وكنت قريب أوصل للي حصل بجد… بس كل ما أقرب… كنت بحس إن في حد بيبعدني… في حد مش عايز الحقيقة تظهر… ولو حصل لي حاجة… أوفي بوعدك لنفسك يا بنتي…
ما تعيشيش عمرك كله في سؤال… دوري”… إيدي كانت بترتعش أكتر… حسيت إن الرسالة تقيلة… تقيلة لدرجة إني مش قادرة أكمل… بس كملت… “أنا آسف إني سبتك بدري… وآسف إني ماقدرتش أحميكي أكتر… بس أوعديني تفضلي قوية… وتفضلي فاكرة إني كنت بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا”… آخر السطر كان مائل… كأن إيده ضعفت وهو بيكتب… وقفت… الورقة وقعت من إيدي… وأنا قعدت على الأرض… بصيت حواليّا… السطوح ساكت… الهوا بيعدي خفيف… بس جوايا كان في عاصفة… كل حاجة اتكسرت في لحظة… كل الذكريات… كل الحكايات اللي اتقالتلي… بقيت مش واثقة فيها… فضلت قاعدة فترة مش عارفة أعمل إيه…
لحد ما أخدت الورقة تاني… وبدأت أفكر… بابا كان بيدور على حقيقة… ومات قبل ما يوصلها… وأنا؟ هسيب الموضوع كده؟ ولا أكمل؟ نزلت من على السطوح وأنا شايلة الألبوم والرسالة… قلبي بيدق بسرعة… دخلت البيت… ماما كانت قاعدة في الصالة… بتتفرج على التلفزيون… أول ما شافتني قالتلي بابتسامة عادية “كنتي فين؟”… بصتلها… لأول مرة في حياتي حسيت إني مش شايفاها زي زمان… في حاجة مستخبية… في حاجة أنا ماعرفهاش… قلتلها وأنا بحاول أثبت صوتي “كنت بطلع الألبوم القديم”… ملامحها اتشدت فجأة… نفس التوتر اللي كنت بشوفه وأنا صغيرة رجع تاني… قالت بسرعة “ليه؟”… طلعت الرسالة من جيبي… وحطيتها قدامها… سكتت… وبصتلي…
وبعدين للورقة… وشها شحب… نفس الشحوب اللي شوفته يوم ما قالتلي إن بابا مات… قالت بصوت واطي “لقيتيها فين؟”… قلت “في الألبوم… تحت الصورة”… سكتت شوية… وبعدين قالت “ماكنتش عايزة اليوم ده ييجي”… قعدت قدامها… وقلبي بيدق… “يعني إيه؟”… مسحت وشها بإيدها… وبصتلي بعيون مليانة تعب… “باباكي ما ماتش في حادثة عادية”… حسيت إن الكلام بيدخل في قلبي زي السكينة… كملت وهي بتبص بعيد “هو كان بيدور في موضوع وفاة والدتك… وكان مقتنع إن في حد غلط… أو تسبب في اللي حصل”… قلت بسرعة “مين؟”… هزت راسها “ماعرفش… هو ماكانش بيحكيلي كل حاجة… بس كنت شايفة الخوف في عينه”…
سكتت شوية وبعدين كملت “قبل ما يموت بيوم… كان متوتر جدًا… خرج بالليل وقال إنه لازم يقابل حد”… قلبي اتقبض “مين؟”… قالت “ماقالش… بس بعدها… حصلت الحادثة”… سكتنا… أنا وهي… وكل واحدة فينا بتفكر في نفس الحاجة… هل كانت فعلاً حادثة؟ ولا… حاجة تانية؟ قلت وأنا بحاول أستوعب “ليه ماقلتيش؟”… ردت بسرعة “علشانك… علشان تعيشي طبيعية… من غير خوف… من غير كراهية”… بصتلها… دموعي نازلة… “بس أنا دلوقتي مش طبيعية… أنا مش فاهمة أنا مين… ولا إيه اللي حصل لعيلتي”… سكتت… وبعدين قالت بهدوء “لو هتدوري… خلي بالك من نفسك”… الكلمة دي خلت جسمي يقشعر… “يعني إيه؟”…
قالت “يعني اللي حصل زمان… ممكن يكون لسه له أثر”… الليلة دي ما نمتش… فضلت باصة في السقف… والرسالة في إيدي… كل كلمة فيها بتلف في دماغي… “دوري”… الكلمة دي كانت بتتكرر… ومعها قرار بيتكون جوايا… الصبح… قومت بدري… وفتحت اللابتوب… بدأت أدور على اسم المستشفى اللي اتولدت فيها… وبعد شوية لقيته… نفس الاسم اللي كان مكتوب في الصورة… بدأت أقرأ… لحد ما لقيت خبر قديم… من سنين طويلة… “تحقيق في إهمال طبي أدى لوفاة سيدة أثناء الولادة”… قلبي وقف… فتحت الخبر… قريت الاسم… كان اسم أمي… دموعي نزلت… كملت… “تم إغلاق القضية لعدم كفاية الأدلة”… قفلت اللابتوب…
وأنا حاسة إن الدم بيغلي في عروقي… بابا كان عنده حق… في حاجة غلط… لبست هدومي… وقررت أروح المستشفى… أول ما دخلت… حسيت إني بدخل مكان غريب… رغم إنه المكان اللي بدأت فيه حياتي… سألت على الأرشيف… وبعد شوية… واحدة من الموظفات وافقت تساعدني… بعد ما قلتلها إني بنت الحالة… جابت ملف قديم… لونه أصفر من الزمن… إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه… قريت التقارير… مصطلحات طبية… توقيعات… بس في حاجة شدت انتباهي… اسم دكتور متكرر… نفس الاسم في كل الورق… سألت الموظفة “الدكتور ده لسه هنا؟”… بصت في النظام وقالت “لا… ساب المستشفى من سنين”… “راح فين؟”… هزت كتفها “ماعرفش”…
خرجت من المستشفى… وأنا حاسة إني قربت خطوة… بس لسه الطريق طويل… رجعت البيت… وبدأت أدور على اسم الدكتور… على السوشيال ميديا… على أي حاجة… وبعد وقت… لقيت حساب قديم… عليه صور قليلة… وآخر بوست من سنين… بس كان في تعليق من حد… فيه عنوان عيادة… قلبي دق بسرعة… كتبت العنوان… وقررت أروح… المكان كان بعيد شوية… عيادة صغيرة… في شارع هادي… وقفت قدام الباب… وأنا مترددة… بس خبطت… فتح راجل كبير… شعره أبيض… عينه فيها تعب… قلتله “حضرتك الدكتور…؟”… قال “أيوه”… بصيت في عينه… وقلت “أنا بنت الست اللي ماتت عندك من عشرين سنة”… سكت… وبصلي… كأن الزمن رجع بيه…
قال بصوت واطي “ادخلي”… دخلت… وقعدت… وأنا حاسة إن الحقيقة قربت… قربت جدًا… وقلبي بيقوللي إن اللي جاي… هيغير كل حاجة للأبد… يتبع..