
أخـدت طـفل رضيـع عـنده 6 شهـور كان متساب جنب زرع الورد بتاعي — بس تسجيل الكاميرات اللي شوفته بعدها بيوم د-مّر عيلتي بالكامل.
زرع الورد عندي هو أغلى حاجة في حياتي. بقضي ساعات برا، بقصّه وأهتم بيه كأنه جزء مني. من يومين، خرجت البلكونة الصبح، ولاقيت حاجة ملفوفة في بطاطين زرقا باهتة مرمية وسط التراب جنب الشوك.
قلبي وقف لما الحاجة اتحركت.
جريت عليها بسرعة، وفكّيت البطاطين… لقيت طفل صغير، وشه مورّد وجميل، شكله مايكملش 6 شهور. كان بيرتعش وباصص لي بعينين مليانين خوف. كان في ورقة متدبسة في البطانية، مكتوب فيها بخط مستعجل:
“من فضلك ادّيه حياة كويسة… أنا مقدرتش.”
شِلته فورًا ودخلت بيه البيت، وغريزة الأمومة عندي اشتغلت من غير تفكير. جوزي، محمود، نزل من على السلم وهو مستغرب من الصوت. أول ما شاف الطفل في إيدي… وشه اصفر فجأة.
ابتدى يلف حوالين نفسه بتوتر، ويقول لازم نبلغ فورًا ونسلّم الطفل للشؤون الاجتماعية حالًا. حتى ماكانش قادر يبصله.
أنا اعترضت، وقلت الأول لازم نطمن عليه، نأكله، وندفّيه.
لكن محمود كان متوتر بشكل غريب… تقريبًا مرعوب… وده مش طبعه خالص.
قضيت اليوم كله حاضنة الطفل، وحاسة برابطة غريبة بتتكوّن بيني وبينه.
تاني يوم الصبح، افتكرت إن ممكن أساعد الشرطة تعرف مين اللي سابه.
إحنا كنا مركبين كاميرا مراقبة على باب البيت من شهر.
محمود كان نزل الشغل، فقعدت على اللابتوب وفتحت التطبيق، وبدأت أرجّع التسجيلات لحد نص الليل. الوقت قرب على 3 الفجر… وفجأة، ظهر ظل بيتحرك في الجنينة.
نفَسي اتقطع وأنا بقرب وشي من الشاشة.
الشخص دخل تحت نور عمود النور، وكان شايل نفس البطانية الزرقا.
في اللحظة دي… عرفت المشية.
ودمي تلّج في عروقي…. لايـك وسيبلـي كوم
نـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد@أبرز المعجبين
كملت أقرّب من الشاشة كأني لو قربت أكتر هقدر أغيّر اللي شايفاه… لكن الحقيقة كانت أوضح من أي محاولة إنكار. نفس المشية… نفس طريقة إمالة الكتف… نفس البطء المتوتر وكأنه شايل حمل تقيل مش بس في إيده، لكن في قلبه كمان. الشخص ده… كان محمود.
إيدي بدأت ترتعش، وقلبي بيدق بعنف لدرجة حسّيت إنه ممكن يسمعه لو كان واقف جنبي. رجّعت الفيديو تاني… وثالث… ورابع… كل مرة بدوّر على تفصيلة تقول لي إني غلطانة. يمكن شبهه بس. يمكن حد تاني. يمكن الإضاءة خادعة.
لكن لأ.
هو.
محمود دخل الجنينة حوالي 2:47 الفجر.
بص حواليه كذا مرة، كأنه خايف حد يشوفه. بعدين انحنى، وحط البطانية وسط الورد… بنفس المكان اللي لقيت فيه الطفل. فضل واقف ثواني، مش بيتحرك… كأنه بيحارب نفسه… كأنه عايز يرجع ياخده… بس في الآخر لف وخرج بسرعة.
وقفت الفيديو.
مش قادرة أتنفس.
إزاي؟ ليه؟ الطفل ده إيه علاقته بمحمود؟
دماغي بدأ يشتغل بسرعة جنونية… أسئلة بتخبط في بعض… هل ده ابنه؟ هل كان مخبي عني؟ هل خانني؟ ولا في حاجة تانية أنا مش فاهماها؟
بصيت للطفل اللي نايم جنبي على الكنبة، كان هادي جدًا، كأنه مالوش دعوة بكل العاصفة اللي فجأة قلبت حياتي.
ملامحه كانت بريئة بشكل يوجع القلب… لكن فجأة بقيت أبص له بنظرة مختلفة. بقيت بدوّر في وشه على ملامح محمود.
وكان في شبه.
شبه بسيط… بس كفاية يخوّف.
قعدت على الأرض، وظهري مسنود للحيطة، وبحاول أستوعب. محمود كان مرعوب لما شاف الطفل… مش علشان طفل غريب… لكن علشان عارفه.
علشان هو اللي سابه.
طب ليه؟
ليه يعمل كده؟ ولو ده ابنه… ليه يسيبه بالطريقة دي؟ وليه عندي أنا بالذات؟
حسّيت بموجة غضب فجأة… ممزوجة بوجع وخيانة. كل سنين الجواز، كل اللحظات، كل الثقة… فجأة بقت تحت سؤال واحد كبير:
“مين أنت يا محمود؟”
لكن وسط كل ده… كان في حاجة تانية.
الطفل.
مهما كان السبب، الطفل ملوش ذنب.
قمت بهدوء، شلته في حضني، وهو بدأ يتحرك ويفتح عينيه ببطء. أول ما حسّ بدفا حضني، سكن تاني، وحط إيده الصغيرة على صدري.
الحركة دي كسرتني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت لنفسي: مهما حصل… أنا مش هسيبه.
عدّى اليوم ببطء تقيل… وكل دقيقة كنت مستنية محمود يرجع. كنت عايزة أشوفه… وأواجهه… وأفهم.
رجع حوالي الساعة 7 بالليل. أول ما دخل، بص حواليه بسرعة… كأنه بيدوّر على حاجة.
أو حد.
عينه وقعت عليّا، وبعدين على الطفل اللي في حضني.
وقف مكانه.
“لسه عندك؟”
صوته كان متوتر… بس مش زي امبارح. النهارده كان فيه خوف أعمق.
بصيت له من غير ما أتكلم.
“لازم… لازم نبلّغ النهارده. الموضوع ده خطر.”
ابتسمت بسخرية خفيفة، وقلت: “آه… خطر فعلًا.”
سكت لحظة، وبعدين قلت بهدوء مرعب: “زي ما كان خطر الساعة 3 الفجر وإنت بتحطه في الجنينة؟”
وشه اتجمّد.
كأن الزمن وقف.
“إنتي… شوفتي؟”
“كل حاجة.”
قعد على الكرسي فجأة، كأنه فقد قوته. حط إيده على وشه، وسكت.
أنا سيبته شوية…
كنت عايزة أشوف هيقول إيه.
لكن لما طول، قلت: “اتكلم يا محمود. الطفل ده مين؟”
رفع عينيه ليا… وكان فيهم دموع.
“مش زي ما إنتي فاكرة.”
“أمال إيه؟”
سكت تاني… وبعدين قال بصوت مكسور: “ده… أخويا.”
ضحكت.
غصب عني.
“أخوك؟ عنده 6 شهور؟ محمود… إنت فاكرني غبية؟”
“مش أخويا بالمعنى اللي إنتي فاهماه… هو ابن أبويا.”
الكلام نزل عليّا زي صاعقة.
“إيه؟”
بدأ يحكي… وكل كلمة كانت بتكسّر جزء جوايا.
قال إن أبوه كان متجوز زمان قبل أمه، وإن في ست رجعت في حياته من حوالي سنة.
الست دي كانت مريضة… وعندها ظروف صعبة… وأبوه كان بيحاول يساعدها.
لكن العلاقة بينهم رجعت.
والست دي حملت.
محمود عرف بالموضوع بالصدفة… وكان رافض بشدة. حصلت مشاكل كبيرة بينه وبين أبوه. لكن قبل ما المشكلة تتحل… أبوه مات فجأة.
وساب وراه السر ده.
الست ولدت الطفل… وماكانش عندها فلوس ولا حد يساعدها. فضلت تحاول تتواصل مع محمود… لكنه كان رافض يتدخل.
“كنت شايف إن الموضوع مش مسؤوليتي… كنت غاضب… من أبويا… منها… من كل حاجة.”
صوته كان بيترعش.
“بس من يومين… جت لي البيت.”
بصيت له بتركيز.
“كانت تعبانة جدًا… وشكلها…
مكنش كويس. قالت إنها مش قادرة تكمل… وإنها مش هتقدر تربيه. وطلبت مني آخده.”
“وإنت؟”
“رفضت.”
سكت… وبعدين كمل: “لكن لما مشيت… فضلت أفكر… مقدرتش أنام. حسّيت إن الطفل ملوش ذنب… بس في نفس الوقت… مش عايز أتحمل المسؤولية… ولا أفتح باب للماضي ده.”
“فقررت…”
بص لي… ودموعه نزلت.
“أسيبه عندك.”
الكلمة دي وجعت أكتر من أي حاجة.
“عندي؟ ليه؟”
“علشان إنتي… طيبة. وكنت عارف إنك مش هتسيبيه. وكنت ناوي… أسيبه يوم… وبعدين نبلّغ… ويبقى في أمان.”
قمت من مكاني.
الغضب رجع أقوى.
“إنت استخدمتني يا محمود.”
“أنا كنت تايه!”
“لا… إنت اخترت أسهل حل. رميت المشكلة… على قلبي أنا.”
سكت.
ماكانش عنده رد.
بصيت للطفل… وبعدين له.
“هو فين أمه؟”
“مش عارف… بعد ما سابته لي ومشيت… حاولت أتصل بيها… مفيش رد.”
“يعني ممكن تكون…”
هز راسه… مش قادر يكمل.
السكوت بينا كان تقيل.
لكن في اللحظة دي… كنت عارفة حاجة واحدة.
“الطفل ده… مش هيمشي.”
محمود رفع عينه ليا.
“إيه؟”
“أنا مش هسيبه. لا شؤون اجتماعية… ولا غيره. لو ملوش حد…
أنا هبقى حدّه.”
“إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟ ده هيغير حياتنا بالكامل.”
“هيغيرها فعلًا… بس يمكن للأحسن.”
بص لي بذهول.
“بعد كل اللي حصل؟”
“آه… بعد كل اللي حصل.”
قربت من الطفل، وعدّلت البطانية عليه.
“هو مش ذنبه إن الكبار قرروا يهربوا من مسؤولياتهم.”
بصيت لمحمود.
“السؤال بقى… إنت هتهرب تاني؟ ولا هتواجه؟”
محمود سكت… وبعدين قام ببطء… وقرب.
بص للطفل… للمرة الأولى… من غير خوف.
مد إيده… ولمسه.
والطفل… مسك صباعه.
في اللحظة دي… حاجة اتغيرت.
مش كل الجروح اتلمّت… ولا كل الأسئلة اتجاوبت…
لكن كان في بداية.
بداية صعبة… معقدة… مليانة ماضي تقيل.
لكن فيها أمل.
وأنا… لأول مرة من ساعة ما شفت الفيديو… حسّيت إني قادرة أتنفس تاني.
تمت