
مكنتش فاكرة إن بعد كل اللي عديت بيه… في لسه إحساس ممكن يفاجئني… بس الحياة عندها طريقه غريبة جدًا إنها تفاجئنا في الوقت اللي نظن فيه إننا فهمنا كل حاجة… بعد جوازي من كريم بسنة… وبعد ما بقى بيتنا مليان ضحك من جديد… وبنتي الصغيرة اللي كنت بسميها “نور” بقت تمشي وتقول أول كلماتها… حسيت لأول مرة إني عايشة مش بس موجودة… بس الهدوء اللي كنت فيه ده… كان هادي لدرجة خلتني ألاحظ تفاصيل صغيرة… تفاصيل كنت زمان هعديها… لكن دلوقتي بقيت بسمعها… بحسها… يمكن علشان بقيت أهدى… أو يمكن علشان قلبي بقى واعي أكتر…
في يوم عادي جدًا…
كنت قاعدة في المكتب… وبراجع شغل… دخلت عليا سكرتيرتي وقالتلي إن في واحدة عايزة تقابلني… مافيش معاد مسبق… بس بتقول الموضوع مهم… في الأول رفضت… أنا بقيت منظمة جدًا… مش أي حد يدخل حياتي بسهولة… بس في حاجة جوايا قالتلي “اقابليها”… وافقت…
دخلت واحدة شكلها مرهق… عيونها فيها تعب سنين… بس الغريب إني حسيت إني شوفتها قبل كده… قعدت قدامي وسكتت شوية… كأنها مش عارفة تبدأ منين… لحد ما قالت جملة واحدة خلت الدنيا كلها تسكت حواليا… “أنا مها”…
اسمها وقع عليا تقيل… مش لأنها مرات عصام… لا… لأنها جزء من فصل كنت فاكرة إنه انتهى… بصيتلها بهدوء…
وقلت “اتفضلي”
ابتدت تحكي… من غير لف… ولا تزيين… قالتلي إن حياتها مع عصام مش زي ما الناس شايفة… وإن الضغط اللي اتبنى عليه الجواز ده… فضل مكمل معاهم… وإنه عمره ما اتغير… لا معاها ولا مع البنات… نفس العقلية… نفس النظرة… نفس التمييز… بس المرة دي… هي اللي كانت مكاني…
كانت بتتكلم وأنا سامعة… بس من غير شماتة… من غير فرحة… كنت سامعة كأني بشوف نفسي زمان… نفس الوجع… نفس الحيرة… نفس السؤال “أنا غلطت في ايه؟”
وفجأة… قالتلي حاجة ماكنتش متوقعاها… قالت “أنا جاية أطلب منك تساعديني”
رفعت عيني عليها… واستغربت… تساعدها إزاي؟
قالتلي إنها عايزة تسيبه… بس خايفة… خايفة على بناتها… خايفة من المجتمع… خايفة من كل حاجة أنا كنت خايفة منها زمان…
وفي اللحظة دي… حصل جوايا صراع غريب… جزء مني قال “سيبيها… دي كانت السبب”… وجزء تاني قال “هي مش السبب… نفس الدوامة”…
سكت شوية… وبعدين سألت نفسي سؤال بسيط… “أنا عايزة أكون مين؟”
والإجابة كانت واضحة… أنا مش عايزة أبقى نسخة من الوجع… أنا عايزة أبقى نهاية ليه…
بصيتلها وقلت “هساعدك”
الدموع نزلت من عينيها… كأنها كانت مستنية الجملة دي من زمان…
ومن اليوم ده… بدأت مرحلة جديدة… مرحلة عمري ما تخيلت إني هعيشها…
بقيت أنا اللي بمد إيدي لواحدة كانت في يوم مكاني… بقيت أنا اللي بدي القوة… بدل ما أستناها…
ساعدتها في كل حاجة… قانونيًا… نفسيًا… حتى عمليًا… وكنت شايفة التحول قدامي… نفس التحول اللي عديت بيه…
وفي وسط كل ده… كريم كان جنبي… بيدعمني… من غير ما يتدخل… من غير ما يحكم… بس كان دايمًا يقوللي “إنتِ بتعملي الصح… علشانك قبل أي حد”
ومع الوقت… مها خرجت من حياتها القديمة… وبدأت من جديد…
والغريب… إن البنات… بناتها… بقوا قريبين من بناتي… كأن الحياة بتصلح اللي اتكسر… بطريقتها…
أما عصام… فلما عرف… كانت أول مرة أشوفه منهار بجد…
مش ندمان… لا… ضايع… فقد السيطرة… فقد الصورة اللي كان عايش بيها… صورة الراجل اللي “لازم يكون عنده ولد”…
وفي مواجهة أخيرة… قابلني… بس المرة دي… ماكانش عنده كلام كبير… ولا مبررات… بس كان في عينيه سؤال… سؤال متأخر…
“ليه ساعدتيها؟”
ابتسمت… وقلتله “علشان أنا كنت مكانها… ومحدش ساعدني”
سكت… ودي كانت أقسى إجابة ممكن يسمعها…
رجعت بيتي… لقيت بناتي قاعدين مع بعض… بيضحكوا… نور بتجري وراهم… كريم بيبصلي ويبتسم…
وقفت لحظة… بصيت لكل حاجة حواليا… وسألت نفسي… “لو رجع بيا الزمن… كنت هغير حاجة؟”
والإجابة كانت صادمة…
“لا”
لأن كل وجع…
كل خذلان… كل لحظة انكسار… كانت طريق للحظة دي… للحياة دي…
أنا لمياء… مش الست اللي اتكسرت… أنا الست اللي عرفت تقوم… وتقوم غيرها كمان…
ومش بس كده… أنا الست اللي فهمت إن القوة مش إنك تنتقم… القوة إنك تختار تكون أحسن… حتى لو اتأذيت…
وفي النهاية… الحكاية مش عن عصام… ولا عن مها… ولا حتى عن البنات…
الحكاية عني أنا… عن لحظة قررت فيها ما أبقاش ضحية…
ومن ساعتها… وأنا بكتب باقي حكايتي… بإيدي… وبقلب قوي… عمره ما هينكسر تاني…
لأن اللي مر بكل ده…
ما بقاش بيتكسر…
بقى بيخلق حياة.
مكنتش متخيلة إن في يوم هقف وأبص ورايا لكل اللي عديت بيه… وأحس بالسلام… مش بالوجع… ولا حتى بالحنين… سلام حقيقي… زي نسمة باردة بعد سنين حر… بعد ما مها بدأت حياتها الجديدة… وبعد ما أنا استقريت أكتر مع كريم… وبناتي بقوا مش بس سندي… لا… بقوا مصدر فخر ليا في كل لحظة… حسيت إن ربنا بيكتبلي فصل مختلف خالص… فصل فيه عوض… بس مش العوض اللي الناس فاكراه… مش فلوس… ولا جواز وخلاص… العوض كان أعمق… كان في الإحساس…
في يوم من الأيام… كنا قاعدين كلنا على سفرة واحدة… أنا… كريم… بناتي الأربعة… حتى بنات مها كانوا موجودين…
الجو كان مليان ضحك… هزار… تفاصيل صغيرة بس دافية… بصيت حواليّا… وشوفت حاجة عمري ما شوفتها قبل كده… عيلة… بس مش بالشكل التقليدي… عيلة اتبنت على وجع… واتصلحت على حب…
نور كانت بتجري بين الكراسي… وبنتي الكبيرة “سلمى” بتضحك وهي بتحاول تمسكها… والتانية بتساعد في الأكل… والتالتة بتحكي موقف من الجامعة… وكل صوت فيهم كان بيطبطب على قلبي… كل لحظة كانت بتقوللي “انتي نجحتي”… مش في إنك تثبتي لحد حاجة… لا… نجحتي في إنك تحميهم… تربيهم… تخليهم يكبروا وهما شايفين أمهم قوية… مش مكسورة…
كريم بصلي وقال بهدوء “أنا فخور بيكي”
الجملة دي… كانت عوض سنين…
لأن الفخر ده… ماجاش من شكلي… ولا من اللي بعمله… لا… جه من أنا مين…
وفي نفس اللحظة… التليفون رن… رقم غريب… رديت… وكان صوت مألوف… عصام…
سكت شوية قبل ما يتكلم… وبعدين قال “كنت عايز أقولك حاجة… بس يمكن متأخر”
قلت بهدوء “قول”
قال “أنا فهمت كل حاجة… بس بعد ما خسرت كل حاجة… البنات محتاجين أم زيك… وأنا كنت أعمى”
سكت… وأنا كمان سكت… مش علشان مش عارفة أرد… لا… علشان ماكانش في حاجة تتقال…
قال تاني “أنا مش مستني تسامحيني… بس كنت لازم أقول”
قلتله بهدوء “خلي بالك من بناتك…
ده أهم حاجة”
وقلتها بصدق… من غير أي مشاعر تانية… لا شماتة… ولا ألم… ولا حتى رضا… بس راحة… راحة إن الصفحة دي اتقفلت بجد…
قفلت التليفون… وبصيت حواليّا… لنور اللي بتضحك… لسلمى اللي بتنادي عليا… لكريم اللي عيونه فيها أمان…
وقفت لحظة… حسيت فيها إن ربنا عوضني… مش لأنه اداني أكتر… لكن لأنه اداني الصح… اداني حياة أنا اخترتها… وناس شايفاني زي ما أنا…
عدت الأيام… وكبرت البنات… واحدة اتخرجت وبقت دكتورة ناجحة… التانية مهندسة شاطرة… التالتة بدأت تحقق حلمها… وحتى بنات مها بقوا بيكبروا في بيئة مختلفة… بيشوفوا نموذج ست قوية… مش ساكتة على ظلم…
وفي يوم مهم… يوم فرح بنتي الكبيرة… كانت واقفة جنبي… لابسة فستانها الأبيض… جميلة… قوية… وعيونها مليانة ثقة… بصتلي وقالت “أنا بقيت زيك يا ماما”
ابتسمت… ودموعي نزلت… مش حزن… لا… فخر…
حضنتها وقلت “لا… انتي بقيتي أحسن”
وفي اللحظة دي… وأنا واقفة وسط الفرح… وسط الناس… وسط النور… افتكرت كل حاجة… الكارت… الجملة… “تسع شهور وأبقى أبو الولاد”…
ضحكت… ضحكة هادية… لأن الحياة ردت… بس بطريقتها… مش بس إنها أثبتت إن البنات نعمة… لا… أثبتت إن الست اللي بتقوم… بتقوم أقوى بكتير من أي حد حاول يكسرها…
أنا لمياء… الست اللي اترفضت علشان خلفت بنات…
وبقت مثال إن البنات هما القوة… هما العوض… هما الحياة…
ودي النهاية… مش علشان الحكاية خلصت…
لكن علشان أنا أخيرًا وصلت…
وصلت لنفسي… لنقطة السلام…
واللي بعدها… مفيش غير حياة أهدى… وأجمل…
لأن ربنا… لما بيعوض…
بيعوض بكرامة.