
تبنيـت بنـات السـت الوحيـده اللي حبيـتها بعـد مـا مـاتت وفـي الـذكرى العشـرين لوفـاة أمـهم، قالـولي: يا بابا… جه الوقت تعرف الحقيقة اللي خبيناها طول عمرنا.
أنا اسمي عمرو. قلبي عمره ما حب غير واحدة بس… اسمها نادين… من أيام الثانوية، حتى لما الدنيا فرقتنا…
نادين ماتت وهي عندها ٣٥ سنة، وسابت وراها ٩ بنات من غير أم.
ماقدرتش أسيبهم… ماقدرتش أتخيل إنهم يعيشوا لوحدهم.
الموظفة الاجتماعية اتصدمت يوم ما أصريت آخدهم كلهم معايا البيت.
الناس قالت إني اتجننت… وأهلي تقريبًا قطعوا علاقتهم بيا.
كانوا دايمًا يهمسوا: “دهو ليه يربي عيال مش من دمه؟
بس أنا ماكنتش شايف غير البنات… كنت عايز أنقذهم… عشان خاطر نادين… وعشان الحب اللي كان بينا…الحياة كانت صعبة جدًا…
في الأول، البنات كانوا خايفين مني… بعيدين… مش واثقين.
وحتى الموظفين كانوا شاكين في نواياي.
بس كل يوم… كنت بثبت لهم إني أبوهم بجد.
بعت كل حاجة أملكها… اشتغلت شغل مرهق من غير راحة… وساعات كنت بقعد بالليل أتعلم أبسط الحاجات… زي إزاي أضفر شعرهم…واحدة واحدة… الثقة بدأت تكبر…لحد ما بقوا عيلتي… مش محتاجين دم يجمعنا.
بقوا كل دنيتي… سعادتهم كانت هدفي الوحيد.
علاقتنا فضلت قوية في كل مراحل حياتنا.
وفي الذكرى العشرين لوفاة نادين… البنات جولي البيت فجأة.
فرحت جدًا… إحنا عادة ما بنتجمعش غير في الأعياد زي العيد الكبير أو الفطر.
حضـرت عشـا… وكنت عايز نفتكـر نادين سوا..
بس الغريب إن وشوشهم كانت متوترة… وكلامهم قليل.
كان في حاجة غلط… إحساس تقيل في الجو.
وفي الآخر… الكبيرة فيهم بدأت تتكلم.
قالت: يا بابا… في حاجة لازم تعرفها. إحنا خبيناها عنك سنين… بس خلاص، جه الوقت.
قلت بقلق: “في إيه؟”
سكتتوا شوية… وبصتلهم كويس…
وبعدين قالوا حاجه مكنتش اتخيلها طول عمري…
لايك وسيبلي خمس تعليقات بالصلاه على محمد وتابع معي _ حكايات اسما السيد
@أبرز المعجبين
حكـايات أسمـا السيـد
أنا اسمي عمرو… وعمري ما تخيلت إن اللحظة اللي قضيت سنين ببني فيها عيلة بإيدي… ممكن تتحول في ثانية واحدة لسؤال كبير… أنا مين في حياتهم؟
لما الكبيرة فيهم قالت: “يا بابا… في حاجة لازم تعرفها”، حسيت قلبي وقع في رجلي… مش خوف بس… لا… كان إحساس غريب كده… زي اللي بيحس إن الأرض اللي واقف عليها مش ثابتة… بصيت في وشوشهم واحده واحده… التسعة اللي ربيتهم من وهما أطفال… اللي كنت بصحي الفجر عشان أعمل لهم ساندوتشات المدرسة… واللي كنت بسهر بالليل جنبهم وهم عيانين… واللي ضحكتهم كانت بتخليني أنسى تعبي… كانوا قاعدين قدامي…
بس لأول مرة حسيت إن في مسافة بيني وبينهم… مسافة أنا مش فاهمها
قلت تاني بصوت أوطى: “في إيه؟ خضتوني كده ليه؟”
الكبيرة بلعت ريقها… وبصت لأخواتها كأنها بتستأذنهم… وبعدين رجعت تبصلي وقالت: “إحنا مش بنات نادين كلنا يا بابا…”
الجملة وقعت عليا زي الصدمة… حسيت وداني بتزن… وكأن الصوت اتقطع فجأة… قلت بارتباك: “يعني إيه؟ إزاي يعني؟”
قالت: “نادين كانت بتجمعنا… مش كلنا أخوات من نفس الأم… هي كانت بتربي بنات مالهمش حد… زيك بالظبط… بس انت ماكنتش تعرف”
ساعتها حسيت إني مش قادر أتنفس… نادين… اللي كنت فاكرها أم لتسع بنات… طلعت… زيي؟
كانت بتعمل نفس اللي أنا عملته؟
واحدة تانية من البنات اتكلمت وقالت: “ماما نادين كانت دايمًا تقول إن العيلة مش دم… العيلة اختيار… وإن ربنا بيبعت لنا ناس نكمل بيهم حياتنا… مش شرط نكون جايين من نفس الرحم”
دموعي نزلت من غير ما أحس… مش حزن… ولا فرح… حاجة بينهم… حاجة أكبر من كده…
قلت بصوت مكسور: “طيب ليه خبيتوا عليا؟”
الكبيرة قالت: “عشان كنا خايفين… خايفين تحس إنك مش مسؤول عننا… أو إننا مش زي ما كنت فاكر… بس الحقيقة… إنك كنت بتعمل معانا اللي محدش عمله قبل كده”
سكتوا كلهم… وبصوا لي… نظرة واحدة…
نفس النظرة اللي كنت بشوفها وهما صغيرين… لما كانوا بيستأذنوا مني في حاجة…
بس المرة دي… كانوا بيستأذنوا في الحقيقة
قعدت ساكت شوية… بحاول أستوعب… كل السنين دي… كل التعب… كل اللحظات… هل كانت مبنية على وهم؟
لا…
فجأة لقيت نفسي بضحك… ضحكة غريبة كده… فيها دموع… فيها راحة… فيها وجع قديم بيتفك
قلت: “يعني نادين كانت زيي؟ كانت بتجمعكم؟”
هزوا راسهم
قلت وأنا بصص في الأرض: “يبقى أنا مكمل طريقها…”
واحدة منهم قربت مني ومسكت إيدي وقالت: “أنت كملت الطريق يا بابا… وكملته أحسن كمان”
رفعت عيني وبصيت لهم… التسعة…
اللي مش من دم واحد… بس كانوا قاعدين حواليا كأنهم قلبي نفسه متقسم لتسع حتت
قلت بهدوء: “أنا عمري ما سألتكم انتوا منين… ولا مين أبوكم… ولا حتى كنت عايز أعرف… أنا اخترتكم… وانتوا اخترتوني… وده كفاية عندي”
فجأة الصغيرة فيهم… اللي كانت دايمًا أهدى واحدة… قالت جملة خلتني أتجمد مكاني
قالت: “وفي حاجة تانية يا بابا…”
بصيت لها وقلبي دق بسرعة
قالت: “ماما نادين… ما ماتتش زي ما انت فاكر”
الدنيا لفت بيا
قمت واقف مرة واحدة… والكرسي وقع ورايا… قلت بصوت عالي: “إيه؟!”
قالت الكبيرة بسرعة: “استنى بس…
اسمعنا للآخر”
قلبي كان بيدق بعنف… حسيت إني هرجع عشرين سنة لورا… للحظة اللي قالوا لي فيها إن نادين ماتت… للحظة اللي حسيت فيها إن الدنيا خلصت
قلت بصوت مرتعش: “يعني إيه ما ماتتش؟!”
واحدة منهم قالت: “هي اختفت… اختارت تختفي”
ساعتها الغضب مسكني… لأول مرة من سنين… حسيت بنار جوايا
قلت: “اختفت؟! وسابتكم؟ وسابتني؟!”
الكبيرة قالت بسرعة: “لا… هي كانت فاكرة إنها بتموت… وكانت عايزة تحميكم… وتحميك”
قعدت تاني بالعافية… جسمي كله بقى تقيل
قالت: “ماما نادين كان عندها مرض خطير… الدكتور قالها إنها مش هتعيش… فقررت تختفي…
عشان ما نشوفهاش وهي بتتعب… وعشان ما تربطش حد بيها وهو هيفقدها”
دموعي نزلت تاني… بس المرة دي وجع… وجع كبير
قلت: “طب وبعدين؟”
قالت: “اللي ماكنتش تعرفه… إنها ما ماتتش… خفت… وعاشت… بس كانت بعيدة… بتراقبنا من بعيد”
ساعتها حسيت إن قلبي هيقف
قلت بصوت واطي: “يعني… هي عايشة؟”
سكتوا… وبعدين الكبيرة طلعت ظرف من شنطتها… وحطته قدامي
قالت: “دي رسالة منها… كانت موصية إنها تتفتح في اليوم ده… الذكرى العشرين”
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف… كأن الزمن كله واقف… كأن كل حاجة وصلت للحظة دي
فتحت الرسالة… والخط… خطها…
نادين… نفس الخط اللي كنت بحفظه… نفس الخط اللي كنت بشوفه في ورق المدرسة زمان
بدأت أقرأ
“عمرو… لو بتقرأ الرسالة دي… يبقى أنا نجحت… أو فشلت… معرفش… بس أنا عارفة إنك أكيد زعلت مني… ويمكن كرهتني… بس صدقني… أنا ماكنتش قادرة أستحمل فكرة إنك تشوفني بضعف… ولا إن البنات يشوفوني وأنا بموت قدامهم… اخترت أبعد… يمكن غلطت… بس كنت فاكرة إني بحميكم… لو ربنا كتب لي عمر تاني… كنت هارجع… بس خوفي كان أكبر مني… وأنا كنت واثقة إنك هتكون الأب اللي أنا عمري ما قدرت أكونه لوحدي… سامحني يا عمرو… أنا كنت بحبك…
ولسه بحبك”
وقفت عند الكلمة دي… “لسه بحبك”… كأنها خرجت من قلبها دلوقتي… مش من عشرين سنة
دموعي كانت بتنزل على الورق… ومش شايف كويس
رفعت عيني للبنات… قلت بصوت مكسور: “هي فين؟”
سكتوا… وبعدين الكبيرة قالت: “موجودة… بره”
اتجمدت
قلبي وقف
بصيت على الباب… وكل حاجة حواليا سكتت
وفجأة… الباب اتفتح ببطء
ودخلت… نادين
واقفـة… زي ما هي… يمكن أكبر شوية… يمكن ملامحها فيها تعب سنين… بس هي… هي
مشيت خطوة ناحيتها… ومش مصدق… قلت: “نادين؟”
دموعها نزلت وهي بتبتسم: “أنا… أنا يا عمرو”
وقتها… كل الغضب…
كل الوجع… كل السنين… اختفوا في لحظة
جريت عليها… حضنتها… حضن كأني برجع أتنفس بعد غرق طويل
كنت ببكي… وهي بتبكي… والبنات حوالينا بيعيطوا
بعد شوية… بعد ما الدنيا هديت شوية… بصيت لها وقلت: “ليه؟ ليه عملتي فينا كده؟”
قالت وهي بتمسح دموعها: “كنت جبانة… وخفت… بس عمري ما نسيتكم… ولا يوم”
قلت وأنا بصص للبنات: “وأنا كنت بكمل حلمك… من غير ما أعرف”
ابتسمت وقالت: “وأحسن ما كنت أنا هعمل”
بصيت حوالي… البيت اللي اتبنى من تعب… من حب… من اختيار
وقتها فهمت حاجة… إن الحقيقة ممكن تهزك… بس الحب…
لو كان حقيقي… بيثبتك
قربت من البنات… وحضنتهم كلهم… قلت: “انتوا بناتي… سواء من نادين… أو من الدنيا… انتوا اختياري… وأنا عمري ما هتخلى عن اختياري”
والليلة دي… ما كانتش نهاية… كانت بداية
بداية عيلة… اتبنت مرتين… مرة بالحب… ومرة بالحقيقة
ولو سألتني النهارده أنا مين… هقولك ببساطة… أنا عمرو… أبو تسع بنات… وراجل اتعلم إن العيلة مش بتتخلق… العيلة بتتختار
تابع معايا _ حكـايات أسمـا السيـد
يتبغ

