
حكـايات أسمـا السيـد
الليلة دي ما خلصتش بسهولة… بالعكس… كانت البداية الحقيقية لكل حاجة اتأجلت عشرين سنة… بعد ما حضنت نادين، وبعد ما البنات التفوا حوالينا كأننا بنحاول نلمّ شتات عمر كامل في لحظة واحدة، ساد صمت غريب… صمت مش مريح… صمت مليان أسئلة لسه ما اتقالتش… وأنا واقف قدامها، بحاول أستوعب إنها رجعت… وإنها كانت عايشة طول الوقت… وإن كل ليلة كنت بنام فيها وأنا فاكر إني فقدتها للأبد، كانت هي فيها بتتنفس في مكان تاني… بعيدة… بإرادتها…
قعدنا كلنا على السفرة اللي كنت محضرها وأنا فاكر إنها هتكون ليلة ذكرى… طلعت ليلة حساب… ليلة اعترافات…
الأكل كان قدامنا، بس محدش فينا كان قادر ياكل… نادين كانت قاعدة قدامي… عينيها بتلف في المكان… بتبص لكل ركن في البيت كأنها بتتعرف عليه من جديد… أو يمكن بتقارن بينه وبين البيت القديم اللي كانت فيه مع البنات قبل ما تختفي…
قلت لها وأنا بصوت هادي بس جواه نار: “كنتي فين طول السنين دي؟”
بصتلي… واتنهدت… وقالت: “ماكنتش بعيدة زي ما انت فاكر… كنت قريبة… بس مش قريبة كفاية إني أظهر”
ضحكت بسخرية خفيفة: “قريبة؟ قريبة وإنتي سايباني أدفنك بإيدي؟ قريبة وأنا كل يوم بفتكر وشك؟”
البنات بصوا لبعض بتوتر… الكبيرة قالت:
“يا بابا لو سمحت…”
رفعت إيدي بهدوء: “لا… سيبيني أسمع منها… أنا استنيت عشرين سنة عشان اللحظة دي”
نادين دموعها نزلت… بس كملت: “أنا لما الدكتور قال لي إني هموت… حسيت إن الدنيا بتنهار… ماكنتش خايفة على نفسي… كنت خايفة عليكم… عليك انت وعلى البنات… ماكنتش عايزة أبقى حمل تقيل… ولا ذكرى وجع بتفضل كل يوم”
قلت بمرارة: “فقررتي تموتي من غير ما تموتي؟”
سكتت… وبعدين قالت: “أنا غلطت… عارفة… بس ساعتها كنت شايفة إن ده الحل الوحيد… سبت البنات عند دار الرعاية فترة… وكنت بروح أشوفهم من بعيد… لحد ما سمعت إن في راجل أخدهم كلهم…
راجل باع كل حاجة عشانهم… عرفت إنك انت”
سكتت لحظة… وبصتلي بنظرة فيها امتنان وحب وندم: “ساعتها ارتحت… قلت خلاص… هما في أمان”
حسيت بشيء بيتكسر جوايا… مش كره… بس حاجة شبه الخذلان… قلت: “يعني سلمتيني المهمة… ومشيتي؟”
قالت بسرعة: “لا… ماكنتش مهمة… كانت أمانة… وأنا كنت واثقة فيك”
واحدة من البنات قالت وهي بتعيط: “يا بابا… ماما كانت بتتابعنا… كل نجاح… كل خطوة… كانت عارفة”
بصيت لها بصدمة: “عارفة؟ إزاي؟”
الكبيرة قالت: “كان في ست بتيجي تزورنا كل فترة… تقول إنها قريبة لينا… كانت بتساعدنا من غير ما تقول اسمها… بعد سنين عرفنا الحقيقة…
إنها ماما”
بصيت لنادين: “كنتي بتشوفيني؟”
هزت راسها: “أيوه… شفتك وانت بتتعلم تضفر شعرهم… شفتك وانت بتجري بيهم على المستشفى… شفتك وانت بتتخانق مع المدرسة عشان واحدة فيهم اتظلمت… شفتك وانت بتعيط لوحدك… وأنا مش قادرة أقرب”
دموعي نزلت غصب عني… مش قادر أكرهها… ومش قادر أسامح بسهولة… حاجة في النص…
قلت: “طب ليه دلوقتي؟ ليه قررتي ترجعي بعد كل ده؟”
بصت للبنات… وبعدين قالت: “عشان الوقت خلص… مش هقدر أفضل مستخبية أكتر من كده… وعشان في حاجة لازم تتقال”
قلبي دق تاني بسرعة… نفس الإحساس اللي جالي لما البنات قالوا في سر… قلت:
“إيه تاني؟”
البنات بصوا لبعض… وبعدين الصغيرة قالت: “إحنا مش تسعة بس يا بابا”
سكت… دماغي مش مستوعب… قلت: “يعني إيه؟”
نادين قالت بصوت واطي: “في واحدة تانية… بنتي… وبنتك”
الدنيا سكتت تاني… بس المرة دي أقوى… أقسى…
بصيت لها كأني مش سامع: “إيه؟”
قالت وهي بتبكي: “أنا كنت حامل… قبل ما أختفي… بس ماقولتش لحد… لا ليك ولا للبنات… خفت… خفت تربط نفسك بيا أكتر… وخفت عليك من الوجع”
رجلي ما بقتش شايلاني… قعدت بالعافية… قلت: “يعني… عندي بنت؟”
هزت راسها: “أيوه… اسمها ليلى… عندها دلوقتي تسعتاشر سنة”
البنات كانوا بيعيطوا…
واضح إنهم عارفين… إلا أنا… أنا الوحيد اللي كنت عايش في نص الحقيقة…
قلت بصوت متقطع: “هي فين؟”
الباب اتفتح تاني… بس المرة دي… دخلت بنت… شابة… ملامحها… خليط مني ومن نادين… نفس العيون… نفس النظرة
وقفت قدامي… مترددة… وقالت: “بابا…”
الكلمة خبطت في قلبي… كأني بسمعها لأول مرة في حياتي
قمت وقفت ببطء… قربت منها… ببص في وشها… بحاول أحفظ ملامحها… السنين اللي فاتت كلها عدت قدامي… كل لحظة ماكنتش فيها موجود
مديت إيدي ألمس وشها… وهي دموعها بتنزل… قلت: “أنا… أنا بابا؟”
هزت راسها وهي بتبكي: “أيوه…
وأنا كنت مستنية اللحظة دي طول عمري”
حضنتها… حضن مش عارف أوصفه… حضن فيه فرحة… وفيه وجع سنين ضاعت… حضن أب بيشوف بنته لأول مرة بعد عمر كامل
نادين كانت واقفة بتبكي… والبنات حوالينا… العيلة كبرت… بس الحقيقة كبرت معاها
بعد شوية… لما هدينا شوية… قعدنا كلنا تاني… بس المرة دي… مافيش أسرار… كل حاجة بقت مكشوفة
قلت وأنا بص للكل: “أنا مش هقدر أرجع الزمن… بس أقدر أقرر أعمل إيه من النهارده”
بصيت لنادين: “أنا مش ناسي اللي حصل… ومش سهل عليا أسامح… بس برضه مش قادر أكرهك… لأن كل اللي عملتيه… حتى لو غلط…
كان من خوف… ومن حب”
بصيت لليلى: “وأنتي… أنا ضيعت سنين منك… بس الباقي كله ليكي… لو تقبلي”
ابتسمت وسط دموعها: “أنا مستنياك من زمان”
بصيت للبنات التسعة: “وانتوا… انتوا اللي علمتوني يعني إيه أب… ومش مهم انتوا منين… المهم إنكم هنا”
الليلة دي… البيت اتغير… بقى أوسع… بقى فيه حكايات أكتر… وجروح أكتر… بس كمان حب أكتر
وفهمت أخيرًا… إن الحقيقة ممكن تتأخر… ممكن توجع… بس لو في حب حقيقي… بيلاقي طريقه مهما طال الزمن
ومن يومها… بدأت أحاول أكون أب لعشرة… مش تسعة… وأحاول أتعلم من جديد… إزاي أعيش مع ماضي رجع…
ومستقبل لسه بيتبني
تابع معايا _ حكـايات أسمـا السيـد
حكـايات أسمـا السيـد
الصبح جالي وأنا صاحي… مش نايم… قاعد في نفس مكاني على الكنبة، باصص قدامي ومش شايف حاجة… الليلة اللي فاتت كانت أكبر من إني أستوعبها في ساعات… بنت ظهرت من العدم… حب رجع من بعد موت… وأسرار اتكسرت مرة واحدة… حسيت إني محتاج أبدأ من أول وجديد… بس منين؟
قمت دخلت المطبخ… لقيت ليلى واقفة بتحاول تعمل قهوة… بإيد مرتعشة شوية… نفس طريقتي زمان لما كنت بتعلم أعمل حاجات لأول مرة للبنات… وقفت على الباب شوية من غير ما أحس… بتأملها…
بتأمل السنين اللي راحت مني معاها… كل مرة كانت محتاجة فيها حد يسندها… وأنا ماكنتش موجود…
قالت من غير ما تبص: “أنا بحط سكر زيادة… صح؟”
ابتسمت غصب عني: “أيوه… باين عليا من شكلي”
بصتلي وضحكت بخفة… ضحكة صغيرة بس دافية… وقالت: “أنا كنت بتخيل اللحظة دي كتير… بس ماكنتش عارفة هقول إيه”
قربت منها بهدوء: “ولا أنا… بس أهو بنتعلم سوا”
سكتنا شوية… وبعدين قالت بصوت واطي: “كنت بزعل منك… من غير ما أعرفك… كنت حاسة إنك سبتني”
الكلمة وجعتني… بس كانت حقها… قلت: “وأنا كنت بزعل منك…
من غير ما أعرف إنك موجودة أصلاً”
بصتلي… وعينيها دمعت: “نبدأ منين؟”
قلت وأنا بحاول أثبت صوتي: “من النهارده… من القهوة دي… من أي حاجة بسيطة… المهم نبدأ”
في اللحظة دي حسيت إن في حاجة جوايا بتتصلح… مش كاملة… بس بتتحرك
خرجنا لقينا البنات نايمين في الصالة… واضح إنهم فضلوا سهرانين لحد الفجر… كأنهم كانوا خايفين يسيبوا بعض… أو يمكن خايفين نصحى ونلاقي اللي حصل كله حلم
نادين كانت قاعدة في البلكونة… لابسة شال خفيف… وباصّة للشارع… زي زمان… نفس القعدة… نفس السكون… بس الفرق إن بينا دلوقتي عمر كامل
وقفت وراها شوية… وبعدين قلت:
“مش هتنامي؟”
قالت من غير ما تبص: “مش قادرة… حاسة إني ضيفة… في بيتي”
الجملة كانت تقيلة… بس حقيقية
قلت: “البيت عمره ما كان ملكي لوحدي… هو اتبنى على اسمك… وعلى ذكراك”
لفت تبصلي… وقالت: “بس أنا اللي سيبته”
قلت بهدوء: “وأنا اللي كملته… يبقى إحنا الاتنين لينا فيه نصيب”
سكتت… وبعدين قالت: “عمرو… أنا مش جاية أرجع زي زمان… أنا جاية أصلّح اللي ينفع يتصلح… ولو مفيش مكان ليا… همشي”
الكلام كان واضح… وصريح… ويمكن ده اللي خلاني أرد بنفس الصراحة: “أنا مش عايزك تمشي… بس كمان مش قادر أرجع زي الأول…
محتاج وقت”
هزت راسها: “وأنا مستعدة أستناه”
الأيام اللي بعدها كانت غريبة… البيت بقى زحمة أكتر… صوت البنات عالي… ضحك… خناقات صغيرة… بس في وسط كل ده… كان في توتر خفيف… زي خيط مشدود…
ليلى كانت بتحاول تقرب مني… تقعد معايا… تسألني عن شغلي… عن حياتي… وأنا بحاول أرد… بس ساعات كنت بحس إني غريب… أب جديد على بنت كبيرة
مرة قالت لي: “أنا بعرف أضفر شعري لوحدي… بس كنت بتخيل إنك بتعملها لي”
ضحكت: “طب جربي بقى… أنا اتعلمت”
قعدت قدامي… وأنا بدأت أضفر شعرها… بإيد مش ثابتة… بس بحب حقيقي…
نفس اللحظة اللي عشتها مع أخواتها زمان… بس المرة دي كان فيها وجع التأخير
قالت وهي ساكتة: “كان نفسي أعيش ده وأنا صغيرة”
وقفت لحظة… وبعدين كملت: “وأنا كمان”
نادين كانت بتحاول تندمج… تساعد في البيت… تطبخ… تتكلم مع البنات… بس كان واضح إن في حاجز… البنات بيحبوها… بس برضه في زعل قديم… زعل من الغياب
في يوم، سمعت واحدة منهم بتقول للتانية: “هي رجعت دلوقتي ليه؟ بعد ما إحنا كبرنا؟”
الكلمة وصلت لها… شفتها ساعتها واقفة في المطبخ… وساكتة… بس عينيها مليانة دموع
قربت منها وقلت: “دي نتيجة اختيارك… لازم تتحمليه”
قالت بهدوء:
“عارفة… ومش طالبة غير فرصة”
قلت: “الفرص بتتخد… مش بتتطلب”
وفي وسط كل ده… بدأت أحس بحاجة غريبة… إحساس إني تايه… مش عارف مكاني في كل التغييرات دي…
أنا اللي كنت ثابت… بقيت متحرك…
أنا اللي كنت واضح… بقيت متردد…
وفي ليلة، قعدت لوحدي… زي زمان… بس المرة دي مش عشان تعبان… عشان بفكر
هل أنا فعلاً سامحت؟
هل أنا قادر أكمل؟
ولا أنا بس بحاول أمسك في اللي باقي؟
ليلى دخلت عليا فجأة… وقالت: “سرحت في إيه؟”
قلت: “في حياتي… اللي اتقلبت فجأة”
قعدت جنبي وقالت:
“ممكن أسألك حاجة؟”
هزيت راسي
قالت: “لو كنت عرفت بيا من زمان… كنت هتعمل إيه؟”
سؤال صعب… بس جاوبت من قلبي: “كنت هتجنن من الفرحة… وكنت هتخانق مع أمك أكتر من دلوقتي”
ضحكت… وقالت: “أنا شايفة إنك لسه متخانق معاها”
ابتسمت: “مش خناقة… دي حساب قديم”
قالت: “طب وأنا؟ أنا فين من الحساب ده؟”
بصيت لها… وقلت: “إنتي مش جزء من الحساب… إنتي البداية الجديدة”
سكتت… وبعدين حطت راسها على كتفي… لأول مرة… وقالت: “أنا محتاجة أب… مش حد بيحسب الماضي”
الكلمة دخلت قلبي…
زي مفتاح فتح باب مقفول
حطيت إيدي على كتفها… وقلت: “وأنا محتاج أكونه”
في اللحظة دي… فهمت حاجة
إن الماضي مهما كان تقيل… ماينفعش يعيش معانا طول العمر
وإن اللي جاي… محتاج شجاعة أكبر من اللي فات
وقررت… إني مش هفضل واقف في النص
يا أكمل… يا أسيب
وأنا اخترت أكمل
تاني يوم… جمعتهم كلهم
وقفت قدامهم… وقلت: “إحنا عيلة… غريبة… معقدة… بس حقيقية… واللي حصل حصل… بس اللي جاي… بإيدينا”
بصيت لنادين: “لو هتفضلي… هتفضلي على أساس جديد… مش على الماضي”
بصيت لليلى: “وإنتي… هنبدأ من أول وجديد…
بس بجد”
بصيت للبنات: “وانتوا… مافيش حاجة هتغير إني أبوكم”
البيت سكت لحظة… وبعدين واحدة واحدة… الابتسامة رجعت…
مش كاملة… مش سهلة…
بس حقيقية
ومن ساعتها… بدأنا نكتب فصل جديد
فصل مش خالي من الوجع…
بس مليان اختيار
تابع معايا _ حكـايات أسمـا السيـد