Advertisements
Advertisements
منوعات

قائدة الكتيبه حكايات أسما

Advertisements

لليلة نزلت على القاعدة الجوية رقم سبعة تقيلة بشكل غريب، مش ظلام عادي بتاع صحرا، لكن ظلام فيه انتظار…

زي ما يكون المكان نفسه عارف إن في حاجة لسه ما خلصتش، والهواء بقى أبرد شوية بعد ما كانت الشمس حارقة كل حاجة من ساعات، ومع أول دورية ليلية بدأت تتحرك، كان اسم لارا الصبّاغ بيتردد في اللاسلكي بشكل غير مباشر، مش مذكور صراحة، لكن في نبرة الكلام، في الحرص الزايد، في الأسئلة اللي بتتسأل من غير ما حد يقول ليه، وكأن وجودها فتح باب محدش كان ناوي يفتحه تاني، الرقيب سامي كان واقف في مكتبه الصغير جوه الحظيرة، قدامه التقارير القديمة، مش التقارير الرسمية اللي بتتسلم كل يوم، لكن ملفات كان المفروض تتقفل من سنين، إيده بتتقلب في الأوراق وهو

مش مرتاح، لأنه أول مرة يحس إن في حاجة أكبر من خبرته كلها، حاجة مش بس عطل في طيارة ولا خطأ فني، حاجة ليها علاقة بناس… وبأوامر ما بتتكتبش، وفي نفس الوقت، لارا ما كانتش في السكن المخصص للمتعاقدين، ولا في الاستراحة، ولا حتى في أي مكان متوقع، كانت ماشية لوحدها في طرف القاعدة، ناحية المدرج القديم اللي اتلغى استخدامه من سنين، المكان ده تحديدًا كان دايمًا متساب، لا دوريات كتير تعدي عليه ولا حد يسأل فيه، لأن ببساطة…

مفيش حاجة مفروض تكون هناك، لكن لارا كانت ماشية بخطوات ثابتة كأنها عارفة الطريق كويس، كأنها مش أول مرة تيجي، وقفت عند نهاية المدرج، بصت للسماء شوية، وبعدين نزلت نظرها على الأرض، على علامة قديمة بالكاد باينة، خط باهت مرسوم على الخرسانة، حد عادي ممكن يعدي عليه من غير ما ياخد باله، لكنها ركعت، مسحت بإيدها التراب، والملامح ظهرت أكتر، رمز…

نفس النمط اللي على ضهرها، نفس الترتيب، نفس الصمت اللي وراه، لحظة واحدة بس، وإيدها وقفت في الهواء، كأن ذكرى ضـ,ـربتها فجأة، صوت بعيد جاي من الماضي، صوت طيارات، صراخ، أوامر بتتقال بسرعة، أسماء بتتنده وما بتتردش، عينها ما رمشتش، لكنها قامت ببطء، كأنها رجعت لنفسها تاني، وفي اللحظة دي تحديدًا، نور كشاف اتسلط عليها فجأة، صوت جندي قال بحذر مين هناك، لارا ما اتحركتش، بس رفعت إيدها بشكل بسيط، إشارة مش مفهومة للي شايفها، لكنها كافية إن الجندي يقف مكانه لحظة، يتردد، وبعدين يقرّب بحذر أكتر، لحد ما شاف وشها، وهنا حصل نفس الشيء اللي حصل في الحظيرة، التوتر اتحول

لصمت، قال بصوت واطي حضرتك… متعاقدة الصيانة، لارا ردت بهدوء أيوه، الجندي بلع ريقه وقال المنطقة دي مقفولة يا فندم، لارا بصت للمدرج تاني وقالت أنا عارفة، الجندي حس إنه لازم يبلغ، لكن في نفس اللحظة اللاسلكي بتاعه فرقع بصوت العميد الرفاعي شخصيًا، قال سيبها،

الجندي وقف مكانه مصدوم، لأنه عمره ما سمع العميد يتدخل بالشكل المباشر ده، رد حاضر يا فندم، وبعدها رجع خطوة لورا، وسابها من غير ما يسأل تاني، لأن واضح إن في أوامر أكبر من فهمه، وفي مكان تاني، جوه مكتب مغلق بعيد عن الأنظار، العميد الرفاعي كان قاعد لوحده، قدامه شاشة صغيرة بتعرض كاميرات القاعدة، عينه مركزة على صورة واحدة بس، صورة لارا وهي واقفة على المدرج القديم، إيده كانت على ملف مفتوح، نفس الملف اللي اتفتح لأول مرة من سنين، فيه صور قديمة، تقارير باهتة، أسماء متشطبة بخط أحمر، وفي وسطهم صورة لارا، أصغر بكتير، شعرها أسود بالكامل، ووشها خالي

من التعب اللي باين عليها دلوقتي، لكن نفس النظرة… نفس الثبات، العميد حط إيده على الصورة وقال بصوت منخفض كنت عارف إنك مش هتنسي، وفي اللحظة دي، باب المكتب خبط خبطتين خفيفين، دخل الرقيب سامي بعد إذن يا فندم، العميد قفل الملف بسرعة، وقال اتفضل، سامي دخل وهو واضح عليه التوتر، قال في حاجة غريبة يا فندم، العميد رد من غير ما يبصله زي إيه، سامي قال التقارير القديمة بتاعة الحظيرة سبعة…

في أجزاء مش متسجلة رسمي، كأن في حد كان بيشتغل عليها من غير ما يكتب، العميد سكت لحظة، وبعدين قال كمل، سامي قال في رقم طيارة مكرر في أكتر من تقرير، نفس الرقم، بس بتاريخين مختلفين، وبأضرار مختلفة، كأن الطيارة دي… اتدمرت واتصلحت واتدمرت تاني، العميد رفع عينه ببطء، وقال اسم الطيارة، سامي قال الرقم بصوت واضح، وفي اللحظة دي، العميد ما ردش، بس عينه اتحركت بسرعة ناحية الشاشة اللي فيها لارا،

لأن الرقم ده… هو نفس المكان اللي هي واقفة عليه دلوقتي، سامي كمل وقال وفي ملاحظة صغيرة مكتوبة بإيد… بس مش موقعة، العميد قال مكتوب فيها إيه، سامي بلع ريقه وقال “لا تُسجل المهمة”… الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان أطول من أي كلام، لأن المعنى واضح، مش مجرد إهمال…

ده إخفاء متعمد، العميد قام من مكانه، مشي ناحية الباب، وقال جهز عربية، سامي قال حالًا يا فندم، وفي نفس الوقت، لارا كانت لسه واقفة على المدرج، لكن المرة دي، سمعت صوت عربية جاية من بعيد، ما اتحركتش، كأنها كانت مستنية، العربية وقفت على مسافة، والعميد نزل منها، مشي ناحيتها بخطوات ثابتة، وقف قدامها، وقال بصوت منخفض كنتي هتفضلي تدوري لوحدك لحد إمتى، لارا بصتله

وقالت لحد ما ألاقي الحقيقة، العميد هز راسه وقال الحقيقة دي اتدفـ,ـنت من سنين، لارا ردت وهي شايفة الرمز تحت رجليها بعض الحاجات ما بتمـ,ـوتش، بس بتستخبى، العميد سكت، وبعدين قال الطيارة دي وقعت هنا، صح، لارا قالت من غير ما تبصله مش وقعت…

اتسقطت، العميد غمض عينه لحظة، لأنه عارف إن الفرق كبير، لارا كملت وقالت وإنت كنت عارف، العميد فتح عينه، وقال كنت بنفذ أوامر، لارا ضحكت ضحكة خفيفة بس فيها وجع وقالت كلنا كنا بننفذ، بس مش كلنا سكتنا، العميد قال وأنا ما سكتش، لارا بصتله لأول مرة بحدة وقالت بس كملت، الجملة دي وقفت بينهم زي جدار، مفيش حد رد عليها، لأن الحقيقة تقيلة، وفي اللحظة دي، صوت طيارة عدى فوقهم فجأة، منخفض زيادة عن الطبيعي، الاتنين رفعوا راسهم في نفس الوقت، النظرة اتغيرت، لأن في حاجة مش طبيعية، الطيارة دي مش على جدول الإقلاع، وصوتها…

مش صوت عادي، لارا همست وقالت رجعوا، العميد قال مين، لكنها ما ردتش، عينيها كانت على السما، مركزة، كأنها بتقرأ حاجة محدش غيرها شايفها، وقالت بصوت أخف من الهوا اللعبة بدأت تاني.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!