
ماكانش فيه وقت للراحة حتى بعد ما خرجنا من المستشفى لأن الحقيقة لما بتنكشف مش بتهدى… بالعكس… بتبدأ تاخد شكلها الحقيقي، وأنا كنت كل يوم بصحى على إحساس واحد بس… إن اللي حصل ده مش النهاية… ده مجرد أول طبقة من حاجة أعمق بكتير، نادية كانت بترجع واحدة واحدة، جسمها بيتحسن، لكن عينيها… عينيها ما رجعتش زي الأول، كان فيهم خوف جديد…
خوف من أقرب الناس، وأنا كنت فاهم ده كويس لأن نفس الخوف كان جوايا أنا كمان، كنا قاعدين في الصالة أول يوم رجعنا فيه البيت، المكان نفسه، نفس الكنبة اللي كان كريم قاعد عليها وهو بيستنى النهاية، نفس الحيطة اللي كانت شاهدة على كل حاجة، نادية بصت حواليها وقالت بهدوء “البيت ده بقى تقيل”، ماعرفتش أرد، لأن كل ركن فيه بقى فيه ذكرى مرعبة، ساعتها قررت من غير تفكير “هنمشي من هنا”، بصتلي باستغراب، بس ما اعترضتش، وكأنها مستعدة تسيب أي حاجة وراها مقابل إحساس بالأمان، الأيام اللي بعدها بدأت أرتب حياتنا من جديد، نقل، علاج، شغل، محامي، لكن وسط كل
ده كان في تفصيلة صغيرة مش مريحة… حاجة مش راكبة، كل حاجة كانت بتقول إن كريم وسلمى كانوا بيخططوا لوحدهم… بس أنا عارف ابني، عارف إنه عمره ما كان جريء كفاية يعمل ده لوحده، في حد وراهم… في حد كان بيوجه، الفكرة دي فضلت تاكل في دماغي لحد ما في يوم كنت براجع ورق القضية مع المحامي، لقيت حاجة غريبة، تحويلات مالية صغيرة… متكررة… من حساب كريم لحساب تاني، سألت المحامي “ده حساب مين؟” قال “غالبًا حد بيديهم استشارة أو مساعدة… التحويلات دي مش عشوائية”، ساعتها قلبي دق، طلبت منه يجيبلي تفاصيل أكتر، وبعد يومين رجعلي باسم…
الاسم ده كان كفيل إنه يخليني أقف مكاني مش مصدق… “الدكتور فادي”، الاسم كان مألوف، مألوف زيادة عن اللزوم، قعدت أفكر لحد ما افتكرت… ده كان دكتور نادية القديم، اللي كانت بتروح له من سنين، قبل ما تغير دكاترتها، فجأة كل حاجة بدأت تركب… الأدوية… الوصفات… الجرعات الغلط… مش صدفة، ده تخطيط، وأنا حسيت إن الدم بيغلي في عروقي، رحت لنادية وسألتها عنه، أول ما سمعِت اسمه وشها اتغير، وقالت “ده كان بيحاول يقرب مني زمان… وأنا رفضته”، هنا الصورة وضحت أكتر، الموضوع مش فلوس بس…
في انتقام، في حساب قديم، في كره، وأنا حسيت إني كنت أعمى طول الوقت، بدأت أتحرك بسرعة، بلغنا الشرطة بالاسم الجديد، والتحقيق اتفتح من تاني، وخلال أيام قدروا يجيبوه، وأنا كنت حاضر أول مواجهة، دخل وهو هادي بشكل غريب، بصلي وقال بابتسامة باردة “متأخرتش كتير يا عمرو”، الكلمة دي لوحدها كانت كفيلة تولع الدنيا جوايا، لكن مسكت نفسي، قلت “ليه؟” ضحك وقال “علشان كل واحد لازم يدفع تمن اختياراته”، ماكنتش فاهم قصده، لكنه كمل “نادية اختارتك… ورفضتني…
وأنا عمري ما بنسى”، اللحظة دي فهمت إن اللي حصل كله بدأ من حاجة قديمة جدًا، حاجة أنا حتى ماكنتش جزء منها، بس دفعت تمنها، قال بكل برود إنه بدأ يقرب من كريم من باب “النصيحة الطبية”، وإنه زرع الفكرة واحدة واحدة… لحد ما بقى الموضوع طبيعي بالنسبة لهم، وأنا واقف قدامه حسيت إن الشر أحيانًا بيبقى صبور… بيستنى سنين علشان يضــ,,ـــــرب، بعد المواجهة دي، اتقبــ,,ـــــض عليه، والقضية بقت أكبر بكتير من مجرد محاولة تسميم، لكن الغريب إن بعد كل ده… أنا ما حسيتش براحة، بالعكس، حسيت بتعب تقيل…
كأن الحرب خلصت بس آثارها لسه جوايا، رجعت البيت الجديد، لقيت نادية قاعدة في البلكونة، بتبص للشارع، قعدت جنبها، سكتنا شوية، وبعدين قالت “إنت شايف إننا نقدر نبدأ من جديد؟” السؤال كان بسيط… بس إجابته تقيلة، فكرت شوية وبعدين قلت “مش هنرجع زي الأول… بس نقدر نبني حاجة جديدة”، ابتسمت ابتسامة خفيفة، لأول مرة من شهور، اللحظة دي كانت بداية حقيقية… مش نهاية، الأيام عدت، العلاج كمل، والقضية وصلت للمحكمة، وأنا كل مرة كنت بحضر الجلسات، كنت بشوف كريم… ابني… قاعد ورا القضبان، بيبصلي بنظرة ما بين الندم والخوف، وأنا كنت واقف بين إحساسين… أب مكسور…
ورجل اتخان، وفي يوم من الأيام، بعد جلسة طويلة، خرجت من المحكمة، حسيت إن في حد بيناديني، بصيت لقيت كريم، الحارس كان واقف جنبه، قال “ممكن كلمة؟” اترددت… بس وقفت، بصلي وقال بصوت واطي “أنا غلطت… بس كنت فاكر إني بعمل الصح”، الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة، قلتله “الصح عمره ما بيبدأ بأذى أمك”، سكت، وعينه دمعت، وأنا مشيت، لأن في لحظات… الكلام بيبقى مالوش لازمة، رجعت البيت، لقيت نادية مستنياني، سألتني “عمل إيه؟”
قلت “لسه الطريق طويل”، مسكت إيدي وقالت “المهم إحنا مع بعض”، بصيت لها، ولأول مرة من وقت طويل حسيت إن في حاجة اتصلحت جوايا، يمكن مش كل حاجة… بس كفاية علشان نكمل، وفي الليلة دي، وأنا نايم جنبها، فهمت حاجة واحدة بس… إن الحياة ممكن تتكسر في لحظة… بس برضه ممكن تتبني من تاني… لو لسه فيك نفس تحارب…
ما نمتش الليلة دي غير ساعات قليلة… مش علشان القلق بس… لكن علشان إحساس غريب إن لسه في حاجة مستخبية، حاجة مش شايفها كاملة، صحيت قبل الفجر، لقيت نادية نايمة بهدوء لأول مرة من شهور، وشها كان أهدى…
كأنها أخيرًا بدأت ترتاح، قعدت أبصلها شوية وبعدين خرجت للبلكونة، الهوا كان بارد خفيف، والشارع شبه فاضي، بس جوايا كان زحمة أفكار، كل حاجة اتحلت نظريًا… كريم وسلمى اتحبسوا، والدكتور فادي اتقبــ,,ـــــض عليه، القضية ماشية… لكن الإحساس ده ما راحش، الإحساس إن في تفصيلة ناقصة، رجعت جوه وفتحت اللابتوب، دخلت على إيميلات كريم القديمة اللي كنت قافلها، المرة دي مش بدور على حاجة معينة… بس بدور على أي خيط، فضلت أقلب في الرسائل، معاملات، تحويلات، لحد ما وقفت عند إيميل غريب… عنوانه بسيط جدًا: “متنساش الجرعة”، فتحته، لقيت جواه جملة واحدة بس “خليها تفضل ضعيفة… لحد ما نخلص كل حاجة”، المرسل؟
حساب مش معروف… لكن اللي لفت نظري إن الإيميل متبعت قبل ما كريم حتى يتعرف على الدكتور فادي، وقفت مكاني… ده معناه إن في حد تاني، حد كان موجود من الأول، حد بدأ الموضوع قبل فادي، وده قلب كل اللي كنت فاهمه، قفلت اللابتوب وقعدت أفكر، مين ممكن يكون له مصلحة؟ مين ممكن يكون قريب كفاية؟ الإجابة جات بسرعة… بسرعة خلتني أكرهها… “حسام”، صاحبي اللي كلمته أول ما رجعت من السفر، أول واحد قال لي “راقب الأول”، أول واحد حاول يهديني… وفجأة كل كلمة قالها رجعت في دماغي بشكل مختلف، هل كان بيحذرني… ولا بيوجهني؟
مسكت موبايلي واتصلت بيه، رد بسرعة كأنه مستني، قلتله “عايز أقابلك”، قال “أكيد… فين؟” حددت له كافيه بعيد شوية، وروحت قبله بربع ساعة، كنت قاعد مستنيه وأنا بحاول أهدى، لما دخل، ابتسم نفس الابتسامة القديمة، وقعد قدامي كأن مفيش حاجة، بصلي وقال “أخبار نادية إيه؟” سألته مباشرة “إنت كنت تعرف؟” سكت لحظة… وبعدين قال “تعرف إيه؟” حطيت الموبايل قدامه ووريت له الإيميل، عينه وقعت عليه… والابتسامة اختفت، هنا بس تأكدت، قلت بصوت واطي “إنت بدأت الموضوع… مش كده؟”
ساب الكرسي ومال لقدام شوية، وقال بهدوء غريب “أنا ماكنتش ناوي أوصلها لكده”، ضحكت ضحكة مكسورة “نفس الجملة اللي ابني قالها”، سكتنا لحظة، وبعدين بدأ يتكلم “إنت فاكر إنك كنت مثالي؟ فاكر إنك كنت شايف كل حاجة؟ نادية كانت بتشتكي منك… من غيابك… من إنك دايمًا مشغول… وأنا كنت الوحيد اللي بيسمعها”، حسيت بكلامه بيخبط في حاجات جوايا، بس قلتله “ده مش مبرر إنك ت.ها”، رد بسرعة “أنا ما.تش حد… أنا بس فتحت باب، والباقي هم دخلوا منه لوحدهم”، الجملة دي كانت أقذر من أي اعتراف، وقفت وأنا مش قادر أستحمل أكتر، قلتله “إنت خسرتني…
وخسرت نفسك”، ساعتها ضحك ضحكة غريبة وقال “إنت اللي خسرت من زمان يا عمرو… بس كنت مش واخد بالك”، سيبته ومشيت، بس وأنا خارج حسيت إن في حاجة تقيلة اتشالت من فوق صدري… الحقيقة مهما كانت بشعة… أخف من الشك، رجعت البيت، لقيت نادية صحيت، كانت قاعدة مستنياني، أول ما شافتني قالت “في حاجة حصلت”، قعدت جنبها وحكيت لها كل حاجة، من غير ما أخبي، سكتت شوية… وبعدين قالت “أنا كنت حاسة… بس كنت خايفة أصدق”، مسكت إيدي وقالت “إحنا لازم نبدأ بجد المرة دي…
من غير حد في حياتنا غيرنا”، هزيت راسي، وفعلاً بدأت أقطع كل الخيوط القديمة، أصحاب، معارف، حتى أماكن، كل حاجة ليها ذكرى مش نظيفة، الأيام عدت، والقضية كبرت أكتر، بقى فيها تهم تانية، تحريض، تآمر، وكل واحد فيهم بدأ يرمي التاني، لكن أنا بقيت بعيد، مش مهتم غير بحاجة واحدة… نادية، صحتها رجعت تدريجي، بقت تضحك تاني، تطبخ، تتكلم، وفي كل مرة كنت بشوفها فيها أقوى… كنت بحس إننا كسبنا معركة، يمكن خسرنا كتير…
بس لسه فينا حياة، وفي يوم، بعد شهور طويلة، كنا قاعدين في نفس البلكونة، بس المرة دي في بيتنا الجديد، بصتلي وقالت “إنت شايف إن اللي حصل ده كان لازم يحصل؟” فكرت شوية… وبعدين قلت “مش لازم… بس حصل… وخلانا نشوف الحقيقة”، ابتسمت وقالت “وأنا شايفة إن الحقيقة دي رغم قسوتها… أنقذتنا”، سكتنا شوية، والهوا كان بيمر بينا بهدوء، ولأول مرة من وقت طويل… حسيت إن مفيش حد مستخبي… مفيش صوت ورا الباب… مفيش خطر جاي… بس إحنا… وبس، وساعتها بس… فهمت إن النهاية مش دايمًا بتكون عدل… لكنها أحيانًا بتكون فرصة… إنك تعيش من جديد… من غير خوف…
من غير خيانة… ومن غير ناس كانت المفروض تبقى أمان… وطلعت هي أخطر حاجة في حياتك… حكـايات أسمـا السيـد
تمت
