Advertisements
Advertisements
منوعات

طفله صغيره حكايات اسما

Advertisements

بـعد الحـا-دث، سـار الجـميع بـعيدًا — حتـى علـمته ابنـة مدبـرة المنزل معنـى الكـرامة حـقًا.
هبطت الأمطار بهدوء على النوافذ العالية لمستشفى إعادة التأهيل في القاهرة، تُلطّخ أضواء المدينة إلى شرائط مرتجفة. من سريره، حدّق نادر “نديم” الحسيني في انعكاسه على الزجاج، فوجد صعوبة في مواجهته أكثر من التقارير الطبية المطوية بعناية إلى جواره.
في الثامنة والثلاثين، كان لا يزال يحمل هيئة رجل صُنع من الانضباط والنجاح — لكن من الخصر إلى الأسفل، لم يكن هناك سوى الصمت حيث كانت القوة تسكن يومًا.
سمع خطوات فريدة سامي المترددة قبل أن تتحدث.
قالت بهدوء:

“أنا محتاجة أمشي.”
وكأن الهمس سيجعل الأمر أقل قسوة.
أغلق نديم عينيه. كان يشعر أن هذا قادم منذ فترة — في ابتسامتها المتكلّفة، في المسافة التي حاولت أن تُخفيها خلف الصبر. حاول أن يمد يده نحوها، لكن ذراعه ارتجفت وتوقفت قبل أن تصل.
“فريدة…”
امتلأت عيناها بالدموع — ليست دموع انهيار، بل دموع خفيفة، كأنها تبحث عن مخرج.
“أنا حاولت”، قالت بسرعة. “والله حاولت. بس مش قادرة أعيش كده… مش قادرة أشوفك بالحالة دي.”
هكذا.
الكلمة اختزلته إلى حالة. إلى شيء ناقص.
نزعت خاتم خطوبتها بهدوء ووضعته على الطاولة بجوار السرير.

ارتطم الماس بالمعدن بصوت خافت… لكنه كان نهائيًا.
“بعد سبع سنين؟” سأل بصوت منخفض. “دلوقتي؟”
نظرت بعيدًا.
“الدكاترة كانوا واضحين… مش هتمشي تاني. وأنا لسه… أنا.”
تسارع نبضه، فأطلقت الأجهزة صفيرًا حادًا، لكنها كانت قد اتجهت بالفعل نحو الباب… حاملة معها المستقبل الذي خططاه سويًا.
بعد رحيلها، بدت الغرفة أكبر مما ينبغي.
في البداية، جاء الأصدقاء بالورود وكلمات مواساة هشة. وقفوا عند قدم سريره، يتحدثون بحذر. ثم تحولت الزيارات إلى رسائل. والرسائل إلى كلام مختصر. ثم… اختفى كل شيء.
الجميع… إلا كريم الدسوقي.

في يوم خروجه من المستشفى، دفع كريم كرسيه المتحرك عبر الممر الطويل، بينما كان الضوء الرمادي يغمر المدينة.
قال كريم:
“هنلاقي حل.”
رد نديم بهدوء:
“بلاش كدب… كلهم مشيوا، صح؟”
توقف كريم.
“مش كلهم. أنا لسه هنا.”
“علشان عايز… ولا علشان حاسس إنك لازم؟”
لم يجد كريم إجابة.
في البيت، لم يعد منزل نديم المطل على النيل يبدو كإنجاز. صار فارغًا. كل زاوية فيه تُذكّره بما فقد. جاء مقدمو الرعاية وغادروا — بعضهم بلطف مبالغ فيه، وبعضهم بنظرات شفقة حاولوا إخفاءها وفشلوا.
قال كريم ذات مساء:
“إنت مش محتاج ممرضة…

إنت محتاج حد يدير البيت.”
وهكذا وصلت إيزيس مراد.
قال لها نديم ببرود:
“تنضيف وشغل وتمشي. مفيش أسئلة… مفيش كلام… ومفيش شفقة.”
نظرت إليه بثبات:
“تمام.”
التزمت بقواعده. تصل قبل الشروق، وتغادر قبل الغروب. تتحرك في المنزل بهدوء وكفاءة.
ما لم يكن يعرفه نديم… أن لدى إيزيس ابنة في الخامسة اسمها سارة.
حين أُغلقت حضانة سارة فجأة، لم تجد إيزيس خيارًا.
في ذلك الصباح، همست لها وهي تعدل حقيبتها:
“اقعدي هادية. ارسمي بس. وما تخرجيش من الأوضة.”
سألت سارة:
“هو مخيف؟”
أجابت بهدوء:
“مش مخيف…

بس حزين جدًا.”
لعدة أيام، التزمت سارة بالقواعد. لكن الفضول أقوى.
في إحدى الظهيرات، رأت باب المكتب مفتوحًا قليلًا. في الداخل، كان نديم يحاول الوصول إلى رف مرتفع، أسنانه مطبقة بإحباط، وأصابعه بالكاد تلامس كتابًا أزرق داكن.
تمتم:
“يا نهار…”
جاء صوت صغير:
“أساعدك؟”
التفت بحدة.
“إنتِ مين؟”
“أنا سارة… جاية مع ماما.”
اشتعل الغضب في عينيه:
“مامتك جابت طفلة هنا؟”
قالت بسرعة:
“الحضانة قفلت… ووعدت أكون هادية.”
تردد. الجدال مع طفلة بلا معنى.
“أنهي كتاب؟” سألت مرة أخرى.
أشار إليه.

طلعت على الكرسي بدون خوف، مسكته وادتهوله. كانت إيدها الصغيرة دافية وثابتة.
بصّت للكرسي وسألت ببساطة:
“إنت ليه بتقعد على ده؟”
سؤال الكبار بيهربوا منه… لكنها لا.
قال بعد لحظة:
“رجلي اتصابت… ومابتمشيش.”
عبست شوية، وبعدين حطت إيدها على إيده.
“لما بوقع… ماما بتبوسني وبخف. تحب أجرب؟”
حاجة جواه اتحركت… مش غضب، حاجة تانية نسيها من زمان.
وقبل ما يرد، دخلت إيزيس بسرعة، وشها شاحب وأنفاسها سريعة:
“سارة!”
لكن الطفلة ما اتحركتش.
كانت لسه ماسكة إيده.
ولأول مرة من يوم الحادث… نديم ما سحبش إيده….

@أبرز المعجبين
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
ولأول مرة من يوم الحادث… نديم ما سحبش إيده…

فضل باصص لإيدها الصغيرة اللي ماسكة إيده كأنها ماسكة حاجة مكسورة وبتحاول تصلّحها من غير ما تسأل هي اتكسرت إزاي ولا مين كسرها، كانت بس عايزة تخفف الوجع، وساعتها حس بحاجة غريبة بتتسحب من صدره ببطء، حاجة تقيلة جدًا كان شايلها لوحده من يوم ما وقع، كأنه اتعود إن محدش يقرب، محدش يسأل، محدش يحاول، وفجأة طفلة عندها خمس سنين قررت بكل بساطة تكسر القاعدة دي، إيزيس وقفت مكانها مترددة، مستنية رد فعل ممكن يكون عنيف، أو كلمة جارحة، أو حتى طرد فوري، لكن اللي حصل كان غير كل توقعاتها، نديم بص لسارة تاني وقال بصوت أهدى من أي وقت فات:

“هو انتي دايمًا بتعملي كده؟” هزت راسها بحماس: “أيوه… أي حد بيعيط أو بيتوجع لازم يتباس علشان يخف” سكت لحظة، وبعدين قال: “طيب جربي” قربت أكتر، حطت إيدها على إيده وباسته بهدوء، وبعدها ابتسمت بثقة: “خلاص… كده هتبقى كويس” ابتسامة صغيرة جدًا عدت على وشه، خفيفة لدرجة إنه نفسه ماخدش باله منها غير لما إيزيس شافتها، في اللحظة دي عرفت إن في حاجة اتغيرت، حاجة صغيرة…

بس حقيقية، من اليوم ده سارة بقت موجودة، مش ضيفة مستخبية، ولا صوت ورا باب، بقت جزء من اليوم، تقعد في الصالة ترسم، أو تقرب من المكتب بحذر، وكل مرة تبص له وتسأله سؤال بسيط يخليه يجاوب من غير ما يحس إنه بيتفتح، “إنت كنت بتشتغل إيه؟” “كان عندك أصحاب كتير؟” “ليه البيت كبير كده؟” ومع كل سؤال، كان بيلاقي نفسه بيرد، الأول بكلمة، بعدين بجملة، وبعد كده بحكاية، ومع الوقت بقى مستني الأسئلة دي، مستني صوتها وهي بتجري في الممر، مستني ضحكتها اللي مش شبه أي حاجة في البيت، البيت اللي كان ساكت لدرجة موجعة بقى فيه صوت، بقى فيه

حياة، كريم لاحظ التغيير بسرعة، قال له في مرة وهو بيشرب قهوته: “فيه حاجة غريبة بتحصل هنا” رد نديم بنبرة عادية: “طفلة بتلعب… إيه الغريب؟” ضحك كريم: “الغريب إنك سايبها” سكت نديم، وبص بعيد، لأنه عارف إن الموضوع أكبر من كده، هو مش سايبها… هو محتاجها، حتى لو مش معترف، حتى لو مش فاهم ده لحد دلوقتي، الأيام عدت، وسارة بقت بتساعده في حاجات بسيطة، تجيب له كتاب، تقلب له صفحة، تحكي له عن رسمتها، وفي يوم وقفت قدامه وقالت فجأة: “إنت زعلان عشان مش بتعرف تمشي؟” السؤال كان مباشر كعادتها، بس المرة دي وجعه أكتر، قال بهدوء:

“أيوه” قالت وهي بتفكر: “بس إنت بتعرف تعمل حاجات تانية… أنا مثلًا معرفش أقرأ زيك” ابتسم غصب عنه: “وأنا معرفش أرسم زيك” ضحكت وقالت: “يبقى إحنا تمام” الكلمة البسيطة دي علّقت جواه، “إحنا تمام”، لأول مرة من شهور حس إنه مش ناقص، مش حالة، مش عبء، هو بس…

مختلف، وإيزيس كانت بتراقب كل ده من بعيد، شايفة ابنها اللي بقى عندها فجأة، شايفة نظراته اللي اتغيرت، شايفة طريقة كلامه اللي بقت أهدى، وفي نفس الوقت كانت خايفة، خايفة إن كل ده يكون مؤقت، إن فجأة يرجع يقفل الباب تاني، يرجع يبعد، وفي يوم الخوف ده اتحقق بشكل مفاجئ، لما دخلت عليهم وسمعته بيقول لسارة بصوت عالي: “أنا قلتلك ما تدخليش المكتب من غير إذن!” الطفلة وقفت مكانها متجمدة، عينيها اتملت دموع، وإيزيس جريت عليها، لكن سارة ما عيطتش، بس قالت بصوت مكسور: “أنا كنت عايزة أوريك الرسمة” سكت، وبص للورقة اللي في إيدها، كانت رسمة ليه…

هو على الكرسي، بس حواليه شمس كبيرة، وطفلة ماسكة إيده، مكتوب تحتها بخط طفولي: “بابا نديم” الكلمة ضربته زي حاجة تقيلة، حاجة ماكانش مستعد لها، حاجة خلت صدره يضيق فجأة، “بابا”، الكلمة اللي كان فاكر إنها راحت منه للأبد، قال بسرعة وبحدة: “أنا مش بابا حد!” الصوت كان قاسي، أقسى من اللازم، سارة رجعت خطوة، وبعدين حضنت الورقة بقوة وجريت على أوضتها، إيزيس بصت له بصدمة وغضب، قالت بصوت منخفض بس مليان وجع: “هي ما غلطتش” رد بعصبية:

“وأنا ما طلبتش منها حاجة!” “هي ما طلبتش منك حاجة برضه” سكت، بس الغضب كان مالي المكان، إيزيس أخدت سارة ومشيت اليوم ده بدري، ومن ساعتها… ما رجعوش، اليوم اللي بعده البيت رجع ساكت، أكتر من الأول، الهدوء بقى تقيل، خانق، حاول يقرأ، ماعرفش، حاول يشتغل، ماقدرش، كل حاجة كانت ناقصة، كل حاجة كانت فاقدة المعنى، حتى الكرسي حسه تقيل أكتر، وكأنه بقى لوحده فعلاً، بعد تلات أيام، سأل كريم فجأة: “هي ما جتش ليه؟” بص له كريم بتركيز: “مين؟” “إيزيس… والبنت” سكت كريم شوية، وبعدين قال: “يمكن زعلوا” قال بسرعة: “أنا ما غلطتش” رد كريم بهدوء:

“مش دايمًا الصح هو المهم… أوقات اللي قدامك محتاج حاجة تانية” الكلمة فضلت معاه طول اليوم، وبالليل، وهو لوحده، فتح الدرج اللي حاطط فيه الورقة، الرسمة، كان خدها من الأرض بعد ما سارة سابتها، بص لها طويل، وبعدين لمس كلمة “بابا”، لأول مرة حس إن الكلمة دي مش بتخنقه… بالعكس، بتوجعه بطريقة غريبة، وجع فيه حنين، تاني يوم الصبح، طلب من كريم يوصله لعنوان إيزيس، لما وقف قدام الباب، قلبه كان بيدق بسرعة، مش متعود يعتذر، مش متعود يطلب، الباب اتفتح، وإيزيس وقفت قدامه، ملامحها جامدة، قال بصوت هادي:

“ممكن أشوف سارة؟” ترددت، وبعدين نادت عليها، سارة خرجت ببطء، أول ما شافته وقفت، مش قريبة ولا بعيدة، بس ساكتة، قال لها: “أنا آسف” الكلمة خرجت تقيلة، لكنها صادقة، “أنا خفت… مش منك… من الكلمة” بصت له بعينين مليانين أسئلة، قال: “أنا كنت بابا… وكان عندي ابن… ومات” سكت، وإيزيس اتفاجئت، أول مرة يسمعوا ده، كمل بصوت مكسور: “ومن يومها… كل حاجة وقفت… ولما قلتي بابا… حسيت إني هرجع أوجع تاني” سارة قربت خطوة، وبصت له بهدوء، وبعدين قالت:

“بس أنا مش هموّت” الكلمة البسيطة دي كسرت حاجة جواه، حاجة كان حابسها بقالها سنين، دموعه نزلت من غير ما يحاول يمنعها، لأول مرة ما خباش، ما قاومش، وسارة قربت وحضنته، حضن صغير، بس كان كفاية، قال وهو بيضحك وسط دموعه: “طيب… ممكن أكون بابا شوية؟” ابتسمت وقالت: “أيوه” من اليوم ده، الحياة ما رجعتش زي ما كانت… بقت أحسن، بقى فيه صوت، فيه ضحك، فيه أمل، بدأ جلسات علاج تاني، مش علشان يمشي…

لكن علشان يعيش، بقى يخرج، يشتغل من البيت، يساعد سارة في واجبها، يسمع لإيزيس وهي بتحكي عن يومها، وكريم بقى بيضحك وهو شايف التغيير، وفي يوم وهو قاعد قدام النيل، سارة جنبه بترسم، قال لها: “تعرفي الكرامة يعني إيه؟” هزت راسها: “لا” ابتسم وقال: “كنت فاكرها إن الواحد ما يطلبش مساعدة… وما يبينش ضعفه… بس طلع غلط” بصت له باهتمام، قال: “الكرامة إنك تقبل نفسك… حتى لو اتغيرت… وإنك تسمح لحد يقرب… حتى لو خايف” سكت لحظة، وبعدين بص لها وقال: “إنت علمتيني كده” ضحكت وقالت: “أنا؟” قال بثقة: “أيوه… إنت” وبص للنيل، لأول مرة من يوم الحادث…

حس إنه مش واقف… بس برضه مش واقع… هو في النص… وده كان كفاية… حكـايـات أسـمـا السيـد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!