
الفصل ده بدأ بعد ما افتكرت إن النجاة مش معناها إن كل حاجة خلصت… بالعكس… ساعات النجاة بتفتح باب لأسئلة أصعب… لأنك بتبقى شايف كل حاجة بوضوح… ومش قادر تتجاهل ولا تفصّل ولا تهرب… وأنا كنت فاكرة إن خروجي من المستشفى ووقوفي على رجلي تاني ووجود آدم في ح.ضني خلاص كده… القصة خلصت… بس الحقيقة إن اللي حصل كان لسه بيكبر جوايا كل يوم… وبيظهر في تفاصيل صغيرة… في لحظات سكون… في رعشة إيد لما أفتكر الأرضية الباردة تحت جسمي… وفي صوت صرختي اللي بيرجع في ودني وأنا لوحدي في المطبخ بالليل…
كنت بصحى مفزوعة من النوم وأنا حاسة إني لسه هناك… لوحدي… بستنجد… ومفيش حد بيرد… وده كان بيخليني أقوم أجري على سرير آدم وأحطه على صدري كأني بتأكد إنه هنا… إنه عايش… إنه ما اتاخدش مني زي ما كنت حاسة في اللحظة دي… محمود كان بيلاحظ… بس مش دايمًا بيعرف يوصل… كان واقف على مسافة… مش لأنه مش عايز يقرب… لأ… لأنه مش فاهم يدخل إزاي… وفي يوم قاللي بهدوء وهو قاعد قصادي: “إنتي محتاجة تتكلمي…” ضحكت ضحكة مكسورة وقلت: “أنا اتكلمت… وماحدش سمع…” سكت… وبعدين قال: “أنا سامع…” الكلمة كانت بسيطة… بس وقفتني…
لأن يمكن دي أول مرة فعلاً أحس إن حد بيحاول يسمع… مش يهديني… مش يبرر… بس يسمع… ومن هنا بدأت… بدأت أحكي… كل حاجة… من أول الوجع الخفيف الصبح… لحد صوت الباب وهو بيتقفل ويسيبه ورايا… حكيت عن خوفي… عن إحساسي إني بتسيب عمداً… عن الدقيقة اللي حسيت فيها إن ابني ممكن يمو.ت جوايا وأنا مش قادرة أعمل له حاجة… محمود كان ساكت… بس عينيه كانت مليانة دموع لأول مرة أشوفها… ولما خلصت… قال بصوت مبحوح: “أنا كنت فاكر إني بحميكي لما أسيبك مع أمي… طلعت بسلمك” الجملة دي كسرت حاجة جواه قبل ما تكسرني أنا… ومن بعدها… بدأ يتغير… بجد…
مش بالكلام… بالفعل… بقى موجود… مش بس جسد… حاضر بعقله وقلبه… بيصحى معايا بالليل لما آدم يعيط… بيشيل… يهدّي… بيبص عليه بنفس الخوف اللي جوايا… كأنه بيكفّر عن حاجة… يمكن مش ذنبه المباشر… بس مسؤوليته موجودة فيها الأيام عدت… وآدم بدأ ياخد أول خطواته البسيطة في التعافي… جلسات متابعة… دكاترة… تمارين صغيرة… وأنا بقيت مركزة في كل تفصيلة… كل تطور… كل تحسن… كان بيخليني أتنفس شوية… بس برضه جوايا كان في صوت بيقول: “ده كله كان ممكن ما يحصلش…” وده كان بيخليني أرجع لنقطة الغضب… مش بس على حماتي… على نفسي كمان… إني صدّقت… إني سكت…
إني سمحت لحد يحط نفسه في مكان القرار في حياتي بالشكل ده… وفي يوم… وأنا قاعدة لوحدي… بصيت في المراية… وشوفت ست مختلفة… مش مكسورة… بس متعبة… قوية… بس مجروحة… وسألت نفسي: “أنا عايزة إيه؟” السؤال ده كان أصعب من كل اللي فات… لأن إجابته معناها تغيير… مواجهة… ويمكن خسارة… بس برضه كان فيها بداية حقيقية… وبعد تفكير طويل… قررت… مش بس هكمل حياتي… أنا هحط حدود… واضحة… صريحة… ومافيهاش تراجع… أول خطوة كانت إني أتكلم مع محمود بوضوح… قلتله وأنا ثابتة: “أنا مش هرجع لنفس الدايرة تاني… مامتك مش هتبقى جزء من قراراتنا… ولا من حياة ابني بشكل مباشر دلوقتي…
لحد ما أنا أكون جاهزة… لو ده صعب عليك… قول” سكت… بصلي… وكان واضح إنه متألم… بس قال في الآخر: “أنا اختاركم” الكلمة دي… كانت فارقة… لأنها ما جاتش بسهولة… جات بعد صراع… وبعد إدراك… وبعد ما شاف بعينه النتيجة… ومن بعدها… فعلاً… بقى في حدود… زيارات محدودة… مفيش تدخل… مفيش فرض رأي… ومفيش تبرير… وده خلق مساحة… مساحة أتنفس فيها… أبني فيها نفسي من جديد… واحدة واحدة بدأت أرجع لنفسي القديمة… مش بالكامل… بس كفاية إني أحس إني موجودة… رجعت أقرأ… أكتب… حتى أشتغل شغل بسيط من البيت… حسيت إني مش بس أم نجت… أنا إنسانة ليها كيان… ليها صوت…
وفي يوم… وأنا في جلسة متابعة لآدم… الدكتورة قالتلي: “هو بيتحسن كويس… بس الأهم إنك إنتي تبقي كويسة… الطفل بيحس بكل حاجة” الكلمة دي علّقت في دماغي… لأن فعلاً… أنا كنت مركزة عليه لدرجة إني نسيت نفسي… وده خلاني أبدأ خطوة تانية… إني أطلب مساعدة… أتكلم مع مختصة… أواجه اللي جوايا بدل ما أهرب… الجلسات كانت صعبة… فتح جروح… رجّع مشاهد… بس مع الوقت… بقيت أخف… مش لأن الوجع اختفى… لأ… بس لأنه بقى مفهوم… متحط في مكانه… مش مسيطر عليا… وفي يوم… وأنا راجعة من برة… شايلة آدم على إيدي… وهو بيضحك… ضحكة صغيرة بس صافية… وقفت فجأة… وبصيت له…
وحسيت بحاجة جوايا بتتغير… لأول مرة من شهور… ما كانش في خوف… ولا حزن… بس لحظة سلام بسيطة… كأنها بتقول: “إنتي وصلتي لحتة جديدة” ابتسمت… وقلت له بهمس: “إحنا عدينا يا آدم… بجد عدينا” يمكن القصة بدأت بوجع… بإهمال… بخذلان… بس اللي كملها كان اختياري… اختياري إني ما أبقاش الضحية للأبد… اختياري إني أحمي ابني… وأحمي نفسي… وأبني حياة فيها كرامة… حتى لو أخدت وقت… حتى لو كانت مليانة ندوب… لأن الندوب… مش ضعف… دي دليل إنك عشت… وقاومت… وكملت… والنهاية؟… لسه بدري عليها… لأن كل يوم بنعيشه دلوقتي… هو فصل جديد… وأنا أخيرًا… اللي بكتبه بإيدي…
حكـايـات أسمـا السـيد
تمت