
مـراتي سـابتني مـع ابنـي الـمولود حـديثًا وهـو أصـم وبعـد 20 سـنة رجـعت بطـلب صـادم بجد.. صوت باب الشقة وهو بيتقفل وراها… كان أقسى في وداني من أول صرخة لابني. بعد 3 أيام بس من ولادة طفلنا، مراتي “نهى” لمّت هدومها في شنطة صغيرة ومشيت. الدكتور كان لسه قايلنا إن ابننا “آدم” اتولد أصم. هي ماصـ,ـرختش… ماعيطتش… بس بصتله مرة واحدة، وقالت بهدوء بارد: “أنا مش قادرة أعيش كده.” وبعدها… سابتنا ومشيت. فضلت واقف شايل طفل صغير مش سامع صوتي… إيدي كانت بتترعش لدرجة إني كنت خايف أقعّه مني.
السنين الأولى كانت قاسية بشكل ميتوصفش. ليالي من غير نوم، رايح جاي على المستشفى، بتعلم لغة الإشارة من فيديوهات على يوتيوب الساعة 2 الفجر… وبشتغل شغلانتين علشان أعرف أصرف علينا. اتعلمت أهدّيه من غير صوت… أضحكه بتعابير ووشوش بدل الكلام… وأقف قدام مدرسين كانوا فاكرين إن “أصم” يعني “أقل”. معظم الأيام كنت مرهق… مفلس… وخايف. بس عمري ما اشتكيت. كل مرة كان يبتسملي… كل مرة إيده الصغيرة تقول “بابا” بلغة الإشارة… كنت بعرف إني اخترت صح.
كبر “آدم”… وكبر معاه قلبي. بقى شاب ذكي… محترم… واثق من نفسه. أما هي؟ بقت مجرد اسم… هو نفسه بطل يسأل عنه. كنت فاكر إن الصفحة اتقفلت خلاص. لحد ليلة… حد خبط على باب الشقة. فتحت… واتجمدت مكاني. كانت هي. كبرت شوية… بس ملامحها بقت أبرد. مافيش أي ندم في عينيها. قالت بصوت واطي: “محتاجة أتكلم معاك… عندي طلب مهم.” وفي اللحظة دي… حسيت الدـ,ـم اتجـ,ـمد في عروقي… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
@أبرز المعجبين
وقفت قدامها ثواني من غير ما أتحرك… كأن الزمن رجع بيا لنفس اللحظة اللي سابتني فيها، نفس البرودة، نفس النظرة اللي مفيهاش أي إحساس، بس المرة دي كان في حاجة زيادة… حاجة تقيلة على صدري… كأن كل السنين اللي عدت اتجمعت فجأة بيني وبينها على باب الشقة، وهي واقفة مستنية أقول كلمة واحدة تسمحلها تدخل، وأنا واقف مش عارف أعمل إيه، مش عارف أصرخ في وشها ولا أقفل الباب في وشها ولا أسألها السؤال اللي محبوس جوايا بقاله عشرين سنة: “إنتي إزاي عملتي كده؟” لكنها سبقتني وقالت وهي بتبص ورايا كأنها بتدور على حاجة: “آدم موجود؟”
السؤال كان زي طـ,ـعنة، مش علشان بتسأل عليه… لا، علشان بتسأله كأنها ليها حق فيه، كأنها ما سابتوش وهو عنده تلات أيام، كأنها ما اختفتش من حياته تمامًا، بلعت ريقي بصعوبة وقلت ببرود: “ليه؟” اتوترت لحظة صغيرة، يمكن أول مرة أشوف فيها حاجة شبه القلق على وشها، بس سرعان ما اختفى، وقالت: “لازم أشوفه… الموضوع مهم.” ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي سعادة،
وقلت: “مهم بعد عشرين سنة؟” سكتت، وأنا حسيت إن في صراع جوايا، جزء مني عايز يطردها، وجزء تاني… غصب عني… عايز يسمع، يمكن علشان يقفل الصفحة دي نهائي، يمكن علشان آدم، لأن مهما حصل… دي أمه، حتى لو الاسم ده مش لايق عليها، فتحت الباب شوية وقلت: “ادخلي.” دخلت بخطوات بطيئة، عينيها بتلف في المكان، الشقة اللي بدأت فيها حياتي من الصفر، كل ركن فيها شاهد على اللي عديت بيه، على الليالي اللي كنت بنام فيها وأنا قاعد جنب سرير آدم، على الورق اللي كنت بلزقه على الحيطة علشان أتعلم لغة الإشارة، على كل مرة وقعت وقمت لوحدي، وهي…
ما كانتش هنا، قعدت على الكنبة كأنها غريبة، وأنا فضلت واقف، مش قادر أقعد معاها، في اللحظة دي خرج آدم من أوضته، كان لابس تيشيرت بسيط، وشعره مهندم، نفس الابتسامة اللي كانت بترجعلي الروح وأنا ميت تعب، أول ما شافني ابتسم وقال بلغة الإشارة: “مين؟” بصيت له وبعدين عليها، وقلبي اتقبض، اللحظة دي كنت دايمًا بتخيلها… اليوم اللي ممكن يعرف فيه إنها رجعت، بس ما تخيلتش إنه هيبقى كده، مشهد بارد ومشـ,ـوه، قلت له بالإشارة: “حد من الماضي… عايز يشوفك.” بص لها، وقف ثواني، وبعدين قرب خطوة، هي قامت بسرعة، كأنها مستنية اللحظة دي من زمان، وقالت بصوت مهزوز شوية: “آدم…
أنا…” بس هو ما سمعهاش، طبيعي، فبصلي تاني، وأنا حسيت إن كل حاجة بتضغط عليا، لازم أقولها… لازم أقول الحقيقة اللي أنا اللي اخترت أخبيها عنه طول السنين،
قربت منه وحطيت إيدي على كتفه وقلت بالإشارة ببطء: “دي… مامتك.” الكلمة نزلت تقيلة جدًا، حتى عليا أنا، شفت عينيه وسعت، مفيش صدمة كبيرة زي ما توقعت، يمكن علشان الاسم ده كان بالنسباله مجرد فكرة، مش شخص، بص لها تاني، وهي كانت واقفة مستنية، مستنية حـ,ـضن يمكن، أو دموع، أو أي رد فعل يديها إحساس إنها لسه ليها مكان، لكنه وقف ساكت، وبعدين رفع إيده ببطء وسأل بالإشارة: “ليه رجعت؟” السؤال ده… أنا نفسي كنت عايز أقوله، هي اتلخبطت، بصتلي كأنها بتستغيث، بس أنا ما اتحركتش، خليتها تواجهه، لأنه يستحق يسمع منها، أخدت نفس عميق وقالت: “أنا… كان عندي ظروف…
ماكنتش قادرة…” قاطعها بإشارة حادة، لأول مرة أشوفه كده، وقال: “سؤال بسيط… ليه رجعتي؟” كان واضح إنه مش مهتم بالماضي، مهتم بالسبب الحقيقي، الحقيقة اللي جايه بيها النهارده، سكتت لحظة، وبعدين قالت بصراحة مفاجئة: “أنا تعبانة… وعندي مرض في القلب… ومحتاجة عملية… ومفيش حد يساعدني.” حسيت الأرض بتهتز تحت رجلي، طبعًا… طبعًا رجوعها مش علشاننا، مش علشان الندم، مش علشان تحاول تصلح اللي عملته، رجعت علشان محتاجة حاجة، علشان محتاجة حد، وأنا… أنا وابني كنا دايمًا آخر اختيار، بصيت لآدم، كان مركز معاها، وأنا ترجمت له كل كلمة، وشفت التغيير في عينيه، مش حزن…
لا، حاجة أقسى، حاجة فيها إدراك، إدراك إنه اتساب مش علشان الظروف…
بل علشان هي اختارت تمشي، وبعد كل ده… رجعت تطلب، قرب خطوة منها، وأنا قلبي بيدق بسرعة، خـ,ـايف يقول حاجة يندم عليها، لكنه وقف قدامها، ورفع إيده وقال بالإشارة ببطء: “أنا معرفش يعني إيه أم… لأنك ما كنتيش موجودة… اللي قدامي دلوقتي شخص غريب… جاي يطلب مساعدة.” كل كلمة كانت بتتغرس فيها، وأنا واقف ساكت، لأن ده حقه، حقه يقول اللي جواه، كمل وقال: “أنا اتعلمت من بابا حاجة واحدة… اللي بيسيب… ما يرجعش يطلب.” الدموع بدأت تلمع في عينيها لأول مرة، يمكن لأنها مش متعودة تواجه الحقيقة بالشكل ده، مدّت إيدها كأنها عايزة تلمسه، لكنه رجع خطوة، وقال: “أنا آسف…
بس أنا مش الشخص اللي تدوري عليه.” سكت، وبعدين بصلي، النظرة دي كانت مليانة حاجة غريبة… قوة، وهدوء، وفخر، كأنه بيقوللي: “أنا كويس… أنا تمام.” ابتسمت له ابتسامة صغيرة، رغم كل الألم اللي جوايا، لأنه في اللحظة دي… عرفت إني نجحت، مش في تربيته بس، لكن في إني أخليه إنسان يعرف قيمته، يعرف يقول لأ، حتى لو للشخص اللي المفروض يكون أقرب حد ليه، بصيت لها، كانت واقفة منهارة، يمكن أول مرة تحس بالخسارة الحقيقية، مش فلوس ولا صحة… لأ، خسارة ابنها، خسارة فرصة كانت ممكن تبقى أجمل حاجة في حياتها، قلت بهدوء: “اللي إنتي بتدوري عليه… مش هنا.”
بصتلي بعيون مليانة دموع وقالت: “حتى إنت؟” ضحكت بمرارة وقلت: “أنا؟ أنا قضيت عشرين سنة ببني حياة من غيرك… إنتي خرجتي منها بإرادتك…
ما ترجعيش تطلبي تدخلّيها تاني لما تحتاجي.” سكتت، وبعدين أخدت شنطتها الصغيرة، نفس الحجم تقريبًا اللي سابت بيه البيت زمان، وكأن الزمن بيلف دايرة، مشيت ناحية الباب، وقبل ما تخرج بصت لآدم مرة أخيرة، يمكن مستنية معجزة، كلمة، إشارة، أي حاجة، لكنه وقف ثابت، ما اتحركش، ما بصش حتى، وفتحت الباب وخرجت، وصوت الباب وهو بيتقفل وراها… المرة دي كان مختلف، مش أقسى، لا… كان أخف، كأن حمل كبير اتشال من على صدري أخيرًا، فضلت واقف شوية، وبعدين حسيت بإيد آدم على كتفي، بصيت له، ابتسم وقال بالإشارة: “إحنا كويسين.” الكلمتين دول…
كانوا كفاية يمسحوا عشرين سنة من التعب، حـ,ـضنته بقوة، يمكن أول مرة أحضـ,ـنه وأنا حاسس إني مش محتاج أثبت حاجة، لأن كل حاجة اتثبتت خلاص، وبعدها قعدنا سوا، من غير كلام، من غير إشارات، بس في هدوء غريب، هدوء عمره ما كان موجود قبل كده، لأن أخيرًا… الماضي قفل بابه، وإحنا فضلنا واقفين على أرض ثابتة، أرض بنيناها بإيدينا، من غير حد، ومن غير ما نستنى حد يرجع علشان يكملها.
