
الفصل الثاني: السر الذي أخفاه الجميع لم تستطع ريم النوم بعد أن غادر الطبيب غرفتها. كانت الأضواء الخافتة في جناح كبار الزوار بمستشفى السلام الدولي تنعكس على الجدران البيضاء، بينما ظل عقلها يدور في دوامة لا تنتهي. كلما أغلقت عينيها عادت إليها صورة القبو. السلسلة. الظلام. وصوت الباب الحديدي. ارتجفت دون إرادة منها. فنهضت من السر,,,ير ببطء. قدماها ما زالتا تؤلمانها. ثلاثة أشهر من قلة الحركة تركت آثارها. لكن شيئاً داخلها كان أقوى من الألم.
كانت تريد إجابات. وفي نفس الوقت… في الطابق العلوي من المستشفى. وقف سليم الحديدي أمام النافذة الزجاجية الكبيرة في مكتبه المؤقت. أمامه ملف سميك. فتحه للمرة العاشرة. لكن كل مرة كان يقرأه وكأنه يراه لأول مرة. صور. تقارير. مكالم,,ات. تحويلات مالية. وأسماء. الكثير من الأسماء. لكن الاسم الذي كان يطارده أكثر من أي شيء آخر هو: حسن الحديدي. والده. الرجل الذي بنى إمبراطورية الحديد. الرجل الذي رباه. الرجل الذي كان يظنه بطله طوال حياته. رفع سليم رأسه ببطء.
ثم أغلق الملف بعن,,ف. دخل موسى في تلك اللحظة. وقال: “الراجل اتكلم.” استدار سليم. “فارس؟” أومأ موسى. “اعترف بكل حاجة.” ساد الصمت للحظات. ثم سأل سليم: “ليه؟” تنهد موسى. وقال: “الموضوع أكبر من اللي إحنا متخيلينه.” — قبل سبعة أشهر… كان الدكتور سامح يجري عملية جراحية معقدة داخل أحد المستشفيات الخاصة. العملية كانت لرجل أعمال كبير. وفي أثناء الجراحة اكتشف شيئاً غريباً. شيئاً جعله يطلب تحاليل إضافية. لكن النتائج كانت صادمة. المريض لم يكن يعاني من المشكلة التي قيل له إنها موجودة.
بل كان يعاني من مرض أخطر بكثير. مرض وراثي نادر. مرض ينتقل داخل العائلة. وعندما بدأت التحاليل الجينية… ظهرت الحقيقة. حقيقة كان يجب ألا يراها أحد. كان حسن الحديدي يعرف بالأمر منذ سنوات. وكان يخفيه عن الجميع. حتى عن أبنائه. بل وأكثر من ذلك… كانت هناك نتائج تثبت أن أحد أبنائه ليس ابنه الحقيقي. — عاد سليم إلى الحاضر. شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. “مين؟” سألها بصوت خافت. خفض موسى رأسه. ثم قال: “حضرتك.”
ساد الصمت. ثقيلاً. مخيفاً. كأن الزمن توقف للحظة. ثم ضحك سليم فجأة. ضحكة قصيرة فارغة. وقال: “إنت مجنون.” لكن موسى لم يبتسم. لم يتحرك. لم يقل شيئاً. عندها فقط بدأ قلب سليم ينبض بقوة. لأول مرة شعر بالخوف. الخوف الحقيقي. — في جناح ريم… كانت تحاول الوقوف عندما انفتح الباب. ظنت أنها ممرضة. لكنها تجمدت عندما رأت الرجل. كان رجلاً مسناً. في أواخر الستينات. أنيقاً. يرتدي بدلة باهظة الثمن. ويمسك عصاً فاخرة. ابتسم لها. لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه.
قال بهدوء: “أخيراً فوقتي.” ارتجفت ريم. لسبب لم تفهمه. كان هناك شيء مخيف فيه. شيء جعل جسدها يرفض وجوده. قال الرجل: “أنا حسن الحديدي.” اتسعت عيناها. والد سليم. ووالد كريم. أو هكذا كانت تعتقد. اقترب خطوة. ثم أخرى. وقال: “أنا جاي أطمن عليكي.” تراجعت ريم للخلف. فلاحظ ذلك. واستمر في الابتسام. لكن الابتسامة أصبحت أكثر برودة. “متخافيش.” “أنا مش عدوك.” ثم أضاف بصوت منخفض: “على الأقل مش دلوقتي.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. وفي اللحظة التالية…
انفتح الباب بقوة. دخل سليم. وخلفه أربعة رجال. توقف عندما رأى والده. ثم قال ببرود: “إطلع بره.” نظر حسن إليه بهدوء. “دي مستشفى.” “مش شركتك.” اقترب سليم أكثر. وكان الغض,,ب يشتعل في عينيه. “قولت اطلع بره.” ساد الصمت. ثم ابتسم حسن أخيراً. والتفت نحو الباب. وقبل أن يخرج… نظر إلى ريم. وقال: “إحنا لسه هنتقابل كتير.” ثم رحل. وبعد أن أغلق الباب… شعرت ريم أنها تستطيع التنفس مجدداً. — في تلك الليلة… لم يستطع أحد النوم.
سليم كان يراجع الملفات. ريم كانت تحاول استيعاب ما يحدث. وف,,ارس كان يخضع لتحقيق جديد. لكن شخصاً آخر كان يعمل أيضاً. في مكان بعيد. داخل مكتب مظل,,م. جلس رجل مجهول أمام شاشة حاسوب. يعرض صوراً لريم. وصوراً لسليم. وصوراً لحسن الحديدي. ثم ضغط على زر إرسال. وانطلقت رسالة مشفرة إلى جهة مجهولة. ظهر على الشاشة سطر واحد فقط: “الهدف خرج من القبو.” “ابدأوا المرحلة الثانية.” — في صباح اليوم التالي… استيقظت ريم على صوت طرق خفيف.
دخلت ممرضة تحمل الإفطار. لكن خلفها دخلت فتاة صغيرة. في السادسة أو السابعة من عمرها. كانت تحمل وردة بيضاء. وتبتسم. اقتربت من السر,,,ير. ثم مدت الوردة إلى ريم. وقالت: “دي ليكي.” ابتسمت ريم لأول مرة منذ شهور. وأخذت الوردة. ثم سألت: “اسمك إيه؟” قالت الطفلة: “ملك.” “بابا قال أديهالك.” استغربت ريم. “بابا مين؟” أشارت الطفلة نحو الباب. لكن لم يكن هناك أحد. اختفت الابتسامة من وجه ريم. نظرت إلى الوردة. ثم لاحظت شيئاً ملفوف,,اً حول الساق.
ورقة صغيرة جداً. نزعتها ببطء. فتحتها. وقرأت ما بداخلها. وفجأة شحب وجهها بالكامل. وسقطت الورقة من يدها. في نفس اللحظة دخل سليم. ورأى الرعب في عينيها. التقط الورقة بسرعة. وقرأ ما كُتب فيها. كانت جملة واحدة فقط: “لو كنتِ عايزة تعرفي ليه اتخطفتي… اسألي أمك.” رفع سليم رأسه ببطء. ونظر إلى ريم. أما ريم… فكانت تنظر إلى الفراغ. لأنها تعرف شيئاً لا يعرفه أحد. شيئاً أخفته والدتها عنها طوال حياتها. وسراً إذا ظهر… فلن يدمر عائلة الحديدي فقط.
بل سيدمر حياتها هي أيضاً.
