Advertisements
Advertisements
منوعات

مقيده حكـايـات أسمـا ×4

Advertisements

الفصل الرابع والأخير: ملف تبديل الأطفال ظل اسم الملف يتردد داخل رأس سليم طوال الطريق إلى القاهرة. ملف تبديل الأطفال. لم يكن يفهم معناه. لكن شيئًا بداخله كان يخبره أن الحقيقة التي سيجدها في نهايته ستكون أقسى من أي شيء عرفه في حياته. أما ريم فكانت تجلس بجواره في السيارة صامتة. عيناها متورمتان من البكاء. قبل ساعات فقط كانت تعتقد أنها فتاة عادية. طبيبة امتياز تكافح لبناء مستقبلها. ثم اكتشفت أن والدها الحقيقي ليس الرجل الذي دفنته وهي طفلة.

بل حسن الحديدي نفسه. الرجل الذي كانت تخشاه. الرجل الذي يبدو أنه يقف خلف كل ما حدث. لكن السؤال الأكبر ظل بلا إجابة. لماذا؟ لماذا خُطفت؟ ولماذا انتظروا ثلاثين سنة كاملة؟ — وصلوا إلى إحدى المزارع القديمة التابعة لعائلة الحديدي خارج القاهرة. كان المكان مهجورًا. أسوار عالية. وأشجار كثيفة. وبناية حجرية قديمة في المنتصف. قال موسى: “فارس اعترف إن الملف هنا.” نزل سليم من السيارة. ثم ساعد ريم على النزول. ورغم خوفها أصرت على الدخول بنفسها.

كانت تريد الحقيقة كاملة. مهما كانت مؤلمة. دخلوا المبنى. وبدأ الرجال في تفتيشه. حتى صاح أحدهم من الطابق السفلي: “لقيته يا باشا!” نزل الجميع بسرعة. وفي غرفة صغيرة خلف باب حديدي قديم وجدوا خزانة ضخمة. فتحها موسى. وأخرج منها صندوقًا أسود. مكتوبًا عليه بخط قديم: 1989 فتح سليم الصندوق. فوجد عشرات المستندات. وعقودًا. وصورًا. وتقارير مستشفى. ثم ملفًا أصفر سميكًا. عليه الاسم نفسه. ملف تبديل الأطفال. — بدأ يقرأ. ومع كل صفحة كان وجهه يزداد شحوبًا.

ثم توقف فجأة. ورفع رأسه نحو ريم. لم يستطع الكلام. قالت بقلق: “في إيه؟” ناولها الملف. فأخذته. وبدأت تقرأ. وبعد دقائق… تجمدت في مكانها. لأن الحقيقة كانت أبشع مما تخيلت. قبل أكثر من ثلاثين عامًا… كانت زوجة حسن الحديدي قد أنجبت طفلًا ميتًا. في الليلة نفسها. كانت نادية عبدالسلام تلد طفلتها. ريم. وكان حسن مهووسًا بالوريث. مهووسًا باسم العائلة. ومهووسًا بالميراث. لذلك فعل شيئًا شيطانيًا. اشترى ذمم عدد من الأطباء. وأخذ طفلة نادية. وأعلنها ابنته الشرعية.

بينما أُعطيت نادية طفلة أخرى توفيت بعد أيام. ولم تعرف الحقيقة أبدًا. شهقت ريم. وشعرت بالعالم يدور حولها. ثم همست: “مستحيل…” لكن الوثائق كانت واضحة. والتوقيعات موجودة. والأسماء كلها حقيقية. أما الصدمة الأكبر… فكانت الصفحة الأخيرة. التي أثبتت أن الطفل الذي رباه حسن الحديدي على أنه ابنه الحقيقي… لم يكن سليم. بل كريم. — ساد الصمت. صمت ثقيل كالقب,,ر. ثم فهم سليم كل شيء. فهم لماذا كان والده يفضل كريم دائمًا. فهم لماذا كان يعامله كغريب أحيانًا.

وفهم لماذا حاول إخفاء الحقيقة طوال هذه السنوات. كان حسن يعرف. منذ البداية. يعرف أن ريم ابنته الحقيقية. ويعرف أن كريم ليس ابنه. ويعرف أن سليم لا يمت له بصلة دم. — لكن لماذا خُطفت ريم الآن؟ كان هذا هو السؤال. حتى وجد موسى مظروفًا آخر. مكتوبًا عليه: يفتح فقط عند الضرورة. فتحه سليم. وبدأ يقرأ. ثم أغلق عينيه. وقال بصوت خافت: “يا رب…” سألته ريم: “إيه؟” أجاب: “كريم عرف الحقيقة.” شهقت. فأكمل: “عرف إنه مش ابن حسن.”

“وعرف إنك الوريثة الشرعية.” “وكان ناوي يفضح كل حاجة.” سكت لحظة. ثم أكمل: “لكن أبويا سبقه.” — قبل سبعة أشهر… واجه كريم والده بالحقيقة. هدده بالشرطة. وهدده بالإعلام. وهدده بفتح الملف كله. لكن حسن لم يكن مستعدًا لخسارة إمبراطوريته. لذلك أمر رجاله بخطف ريم. واستخدامها كورقة ضغط. لكن الأمور خرجت عن السيطرة. وكريم نفسه انقلب عليهم. وحاول تحريرها. وبسبب ذلك… تم -,,-ه. ليبدو الأمر وكأنه ح,,ادث سيارة. — شعرت ريم بالغثيان. وسقطت على أقرب كرسي.

كل شيء أصبح مفهومًا الآن. كل شيء. لكن شيئًا واحدًا بقي. حسن الحديدي. — في تلك الليلة… عادوا إلى القصر. لكنهم وجدوا الشرطة في كل مكان. والإعلام خارج الأسوار. وسيارات النيابة تملأ الشارع. توقف سليم فورًا. ثم نزل من السيارة. ورأى الدكتور سامح يقترب منه. وقال: “خلصت.” “اعترف.” اتسعت عينا سليم. “اعترف؟” أومأ الطبيب. “سجلنا اعترافه بالكامل.” — دخلوا القصر. فوجدوا حسن الحديدي جالسًا في مكتبه. هادئًا بصورة مخيفة. كأنه كان ينتظرهم. رفع رأسه عندما دخلت ريم.

وظل ينظر إليها طويلاً. طويلاً جدًا. ثم ابتسم. ابتسامة حزينة هذه المرة. وقال: “شبه أمك.” لم ترد. اقتربت فقط. حتى وقفت أمامه مباشرة. ثم سألته: “ليه؟” خفض رأسه. ولأول مرة بدا عجوزًا. حقًا عجوزًا. وقال: “لأن الطمع بيخلي الإنسان شيطان.” نزلت دمعة من عينه. وأكمل: “كنت فاكر إني بحمي اسمي.” “بحمي إمبراطوريتي.” “لكن خسرت كل حاجة.” — بعد ساعة… خرج حسن الحديدي مكبل اليدين. وسط عدسات الكاميرات. ووسط صدمة مصر كلها. الإمبراطور الذي ظن الجميع أنه لا يُهزم…

سقط أخيرًا. — مرت ستة أشهر. بدأت القضايا. وتفككت شبكة الفساد. واستعادت ريم حياتها تدريجيًا. عادت إلى المستشفى. وعادت إلى الطب. وعادت إلى الحياة. لكن آثار القبو لم تختف تمامًا. ربما لن تختفي أبدًا. — وفي أحد الأيام… كانت تقف على سطح مستشفى السلام الدولي عند الغروب. تنظر إلى القاهرة. عندما سمعت خطوات خلفها. استدارت. فوجدت سليم. كان يحمل كوبين من القهوة. ناولها أحدهما. ثم وقف بجوارها. صامتًا. كما اعتاد. ابتسمت لأول مرة منذ شهور.

وقالت: “إحنا بقينا عيلة غريبة أوي.” ضحك بخفة. وقال: “دي حقيقة.” ثم نظر إلى الأفق. وأضاف: “بس على الأقل بقينا عيلة عندها فرصة تبدأ من جديد.” ساد الصمت. لكن هذه المرة لم يكن صمت خوف. ولا صمت أسرار. بل صمت راحة. صمت أشخاص نجوا من العاصفة. — بعد عام كامل… افتتحت ريم مركزًا طبيًا مجانيًا لعلاج الأطفال المحتاجين. وأطلقت عليه اسم: مركز نادية عبدالسلام الطبي. تكريمًا لوالدتها. المرأة التي حُرمت من ابنتها. لكنها رغم ذلك ربّتها بالحب.

أما سليم… فباع جزءًا كبيرًا من شركات العائلة. وخصص جزءًا من ثروته لدعم المستشفيات الحكومية. ولأول مرة في حياته… شعر أنه يبني شيئًا يستحق. — وفي يوم الافتتاح… وقفت ريم أمام اللافتة الجديدة. والشمس تغمر المكان. ثم رفعت عينيها إلى السماء. وهمست: “انتهى يا أمي.” “أخيرًا انتهى.” وفي مكان ما… شعرت وكأن روح نادية تبتسم. لأن الحقيقة ظهرت. والعدالة وصلت. والفتاة التي سُرقت منها الحياة… استعادتها أخيرًا. النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!