
الفصل الرابع
نور فضلت باصة للورقة كأن الحروف المكتوبة عليها هتتغير لو فضلت تبصلها.
“لو نور عرفت الحقيقة يومًا… ابحثوا عن سامي الدهبي.”
الاسم كان غريب.
عمرها ما سمعته.
ولا مرة.
لا من جدها.
ولا من جدتها.
ولا من سلمى.
ولا حتى من عمرو.
لكن الغريب إن قلبها انقبــ,,ـــــض أول ما قرأته.
كأن الاسم شايل ذكرى مش فاكراها.
أو سر مدفون جوه العيلة كلها.
قامت من مكانها بسرعة.
خرجت للصالة.
كانت الساعة قربت على اتنين بعد منتصف الليل.
لكنها لقت سلمى لسه صاحية.
قاعدة على الكنبة وشاردة.
أول ما شافت الورقة في إيد نور وشها اتغير.
وبان عليها الذعر.
ذعر حقيقي.
نور لاحظت ده فورًا.
“إيه؟”
سلمى وقفت.
“جبتي الورقة دي منين؟”
“كانت جوه الصور.”
وش سلمى فقد لونه.
“إديها لي.”
نور سحبت إيدها.
“لأ.”
“نور.”
“مين سامي الدهبي؟”
الصمت نزل بينهم.
صمت تقيل.
مخيف.
سلمى قعدت تاني كأن رجليها ما بقوش شايلينها.
ولأول مرة نور شافت دموع بتنزل من غير ما سلمى تحاول تمنعها.
“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”
نور قلبها بدأ يدق أسرع.
“يعني تعرفيه؟”
هزت رأسها ببطء.
“آه.”
“مين هو؟”
سكتت.
“مين؟”
وبعدين همست:
“أخو عمرو.”
نور اتجمدت.
“إيه؟”
“سامي الدهبي يبقى أخو عمرو الكبير.”
“طب ليه جدي كاتب اسمه؟”
سلمى أخدت نفس طويل.
وقالت:
“لأن سامي هو السبب في كل حاجة حصلت.”
من عشرين سنة.
كان عمرو شاب عادي.
طالب جامعة.
لكن أخوه سامي كان مختلف.
كان أكبر منه بسبع سنين.
وعنده نفوذ وفلوس وعلاقات.
وكان معروف عنه إنه ما بيحبش حد يقف قدامه.
خصوصًا جوه العيلة.
لما عرف إن أخوه الصغير مرتبط بسلمى.
جن جنونه.
لأن سامي كان مخطط حاجة تانية لعمرو.
كان عايزه يتجوز بنت شريك تجاري مهم.
جوازة مصالح.
فلوس.
نفوذ.
مستقبل.
أما بنت ثانوي بسيطة من أسرة متوسطة؟
دي كانت بالنسبة له كارثة.
حاول يفرق بينهم.
مرة.
واتنين.
وعشرة.
لكن عمرو رفض.
ولأول مرة يقف قدام أخوه.
وده كان بداية الحرب.
نور كانت بتسمع وكل دقيقة أسئلتها بتزيد.
“وبعدين؟”
سلمى مسحت دموعها.
“بعدين عرفت إني حامل.”
“وعمرو؟”
“عمرو وقتها كان مصمم يتجوزني.”
نور رفعت حاجبها.
“إنتِ قولتي إنه هرب.”
سلمى هزت رأسها.
“وده اللي كنت فاكراه.”
“يعني؟”
“لحد من شهرين.”
نور اتوترت.
“كملي.”
“من شهرين عمرو جه وقابلني لأول مرة من عشرين سنة.”
“وقال لي حاجة خلتني أكتشف إني كنت عايشة بكذبة طول عمري.”
نور سكتت.
وسلمى كملت:
“قال إنه ما هربش.”
“أمال إيه؟”
“قال إن سامي خطفه.”
الصمت ضــ,,ـــــرب المكان.
نور شهقت.
“إيه؟”
“بعد ما عرف إني حامل.”
“سامي أخده بالعافية.”
“وبعت ناس ضــ,,ـــــربوه.”
“وسحب منه كل وسيلة يتواصل بيها معايا.”
نور كانت مش مصدقة.
“ليه يعمل كده؟”
“علشان يخلص من الموضوع.”
“ويجوزه البنت التانية.”
“ويمنع الفضيحة.”
نور سندت ظهرها.
كل حاجة كانت بتتعقد أكتر.
كل إجابة بتطلع عشر أسئلة جديدة.
“بس ده مش يفسر حاجة.”
قالتها نور.
“ليه اختفى عشرين سنة؟”
سلمى بصت لها.
“لأن بعدها حصلت مصيبة أكبر.”
“إيه هي؟”
سلمى سكتت لحظة.
ثم قالت:
“دــ,,ـــــادثة أبويا وأمي.”
نور اتجمدت.
“إيه علاقة الدــ,,ـــــادثة؟”
سلمى بصت مباشرة في عيونها.
وقالت:
“عمرو مقتنع إن الدــ,,ـــــادثة ما كانتش دــ,,ـــــادثة.”
لثواني.
ماحدش اتكلم.
نور كانت حاسة إن قلبها بيدق في ودانها.
“إنتِ بتهزري.”
“لا.”
“يعني إيه؟”
“عمرو بيقول إن عربية بابا ما اتخبطتش صدفة.”
نور قامت واقفة.
“مستحيل.”
“ده اللي قاله.”
“ومين عمل كده؟”
سلمى بلعت ريقها.
“سامي.”
نور ضحكت بعصبية.
“إحنا بقينا في فيلم؟”
لكن سلمى ما ضحكتش.
وده اللي خوفها.
لأن سلمى مش من النوع اللي بيصدق أي كلام.
بعد ساعة كاملة من الكلام.
نور دخلت أوضتها.
لكن النوم كان مستحيل.
فتحت اللاب توب.
وكتبت اسم:
سامي الدهبي
ثواني.
وظهرت النتائج.
اتجمدت.
لأن الراجل مش شخص عادي.
كان رجل أعمال مشهور.
صاحب مجموعة شركات ضخمة.
واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد.
وفي صورته…
نور شهقت.
لأنها شافت حاجة غريبة جدًا.
ملامحه.
فيها شبه.
شبه مرعب.
شبه منها.
تاني يوم.
نور راحت الشغل.
لكن عقلها كان في حتة تانية.
كانت كل شوية تفتح صورة سامي.
وتبص.
ثم تفتح كاميرا الموبايل.
وتبص لنفسها.
وتقارن.
فيه حاجة.
حاجة مش طبيعية.
لدرجة إنها بدأت تخاف من الفكرة نفسها.
بالليل.
عمرو اتصل تاني.
المرة دي ردت.
“عايز إيه؟”
صوته كان متوتر.
“لازم أقابلك.”
“قول اللي عندك.”
“ما ينفعش في التليفون.”
“ليه؟”
“لأن في ناس بتراقبنا.”
نور سكتت.
“بتراقبنا؟”
“آه.”
“مين؟”
“سامي.”
قلبها انقبــ,,ـــــض.
“إنت مجنون.”
“يا ريت.”
ثم قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقها:
“في تحليل DNA اتعمل من عشرين سنة.”
نور اتجمدت.
“إيه؟”
“تحليل نسب.”
“مين عمله؟”
“جدك.”
الصمت.
ثم قال:
“والنتيجة كانت إني مش أبوكي.”
نور حسّت إن الأرض اختفت من تحت رجليها.
“إيه؟”
“أنا مش أبوكي يا نور.”
التليفون وقع من إيدها.
حرفيًا.
وقع على الأرض.
وقلبها بقى بيدق بعنــ,,ـــــف.
كل حاجة لفت حواليها.
إذا كان عمرو مش أبوها…
يبقى مين؟
مين؟
مين؟
بعد ساعة.
كانت قاعدة مع سلمى.
وحكت لها كل حاجة.
سلمى فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
“أنا كنت عارفة.”
نور بصت لها بصدمة.
“إيه؟”
“عرفت بعد سنين.”
“وليه ما قولتيليش؟”
“لأن جدك طلب مني.”
“ليه؟”
“علشان يحميكي.”
“من إيه؟”
وساعتها سلمى قالت الجملة اللي قلبت الدنيا كلها:
“لأن نتيجة التحليل قالت إن أبوكي الحقيقي هو سامي الدهبي.”
الصمت.
الصمت الكامل.
نور كانت حاسة إنها فقدت القدرة على التنفس.
“إنتِ كذابة.”
“والله دي الحقيقة.”
“مستحيل.”
“دي الحقيقة.”
“مستحيل!”
لكن سلمى كانت بتبكي.
ونور لأول مرة عرفت إن أسوأ مخاوفها كانت صح.
الشبه.
الخوف.
نظرات الناس.
كل حاجة.
طلعت صح.
“يعني الراجل ده…”
“آه.”
“هو أبويا؟”
“آه.”
“وهو اللي…”
ما قدرتش تكمل.
لكن سلمى فهمت.
وأغمضت عينيها.
“آه.”
نور انهارت.
انهارت تمامًا.
لأن الحقيقة كانت أبشع من أي حاجة تخيلتها.
أبوها الحقيقي ما كانش الراجل اللي سابها.
ولا الراجل اللي اختفى.
أبوها الحقيقي كان الراجل اللي دمر حياة أمها.
ودمر حياة العيلة كلها.
وخلى الجميع يعيشوا عشرين سنة وسط أكاذيب وأسرار.
لكن نور ما كانتش تعرف إن المفاجأة الأكبر لسه جاية.
لأن في نفس اللحظة تقريبًا…
كان سامي الدهبي قاعد في مكتبه.
وأمامه ملف قديم مفتوح.
ملف مكتوب عليه اسم واحد:
نور.
ودخل عليه رجل أمن بسرعة.
“يا فندم.”
رفع سامي رأسه.
“خير؟”
“البنت عرفت.”
سامي فضل ساكت.
ثواني طويلة.
ثم ابتسم ابتسامة غريبة.
وقال:
“متأخرين عشرين سنة.”
الرجل اتوتر.
“نعمل إيه؟”
سامي قفل الملف بهدوء.
وقام واقف.
ثم قال:
“جهزوا العربية.”
“رايح فين؟”
سامي بص من الشباك للمدينة المضيئة تحت.
وقال:
“رايح أقابل بنتي.”
يتبع…

