“اقطعولي دراعي”… طفل كان بيصرخ من السخونية والوجع ومحدش صدقه، لحد ما الست اللي بتراعيه كسرت الجبس من غير إذن
الجزء الأول
لو فضلت تصرخ كده يا ياسين، هوديك مصحة النهارده قبل بكرة.
قالها سامح بصوت مخنوق وهو واقف على باب أوضة ابنه، بينما ياسين، الطفل اللي عنده عشر سنين، كان بيخبط دراعه المتجبس في الحيطة كأنه بيحاول يخلع الجبس ومعاه روحه.
كانت الساعة قربت اتنين بعد نص الليل في فيلا كبيرة في التجمع الخامس، وصوت الجبس وهو بيخبط في الحيطة كان بيرن في الممرات كأنه إنذار. خبطه ورا خبطه.
وش ياسين كان غرقان عرق، عينيه مفتوحين برعب، وشفايفه ناشفة ومشققة من كتر العياط.
قال وهو بيترعش:
شيلوه مني يا بابا… أرجوك… في حاجة بتتحرك جواه… في حاجة بتقرصني!
سامح جري ناحيته، مش بحنية، لكن بعصبية راجل بقاله ليالي ما نامش. مسكه من كتافه ورماه على السر,,ـــــير.
بطل بقى! هتكسر دراعك تاني!
ياسين كان بيحاول يدخل قلم من طرف الجبس. كان بيهرش بجنون كأن تحت الجبس نــ,,ـــــار. الجلد اللي حوالين الجبس كان محمر ومبقع، بس سامح ماحبش يبص كتير. هو أصلًا ما بقاش عارف يصدق مين.
نجلاء، مراته الجديدة، ظهرت على باب الأوضة.
لابسة روب شيك، شعرها مترتب، ووشها بارد.
قالت بهدوء سام:
أنا قلتلك يا سامح. ده مش ألم. ده دلع وتمثيل. من ساعة ما اتجوزتني وهو مش قادر يتقبل إنك بقيت ليك حياة.
صرخ ياسين:
كدابة! إنتي عارفة عملتي إيه!
نجلاء فتحت عينيها بحزن مصطنع وقالت:
شايف؟ بقى بيتهمني. ده محتاج دكتور نفسي قبل ما يأذي نفسه فعلًا.
في آخر الممر، كانت أم فتحية، الست اللي شغالة في البيت ومربية ياسين من وهو صغير، واقفة وقلبها مقبوض. هي الوحيدة اللي لاحظت حاجة غريبة.
ريحة.
مش ريحة عرق، ولا ريحة جبس قديم.
ريحة مسكرة وتقيلة… كأنها عسل بايظ مختلط بحاجة مريضة.
ولما قربت تغير الملاية، شافت نملة حمرا صغيرة ماشية على المخدة. الغريب إنها ما نزلتش على الأرض. مشت ناحية فتحة الجبس ودخلت جواه.
قالت أم فتحية وهي وشها اصفر:
يا أستاذ سامح… في حاجة جوه الجبس.
سامح ضحك بسخرية وتعب:
أكيد مخبي حلويات. نضفي الأوضة بس وما تديلوش أفكار زيادة.
بص لها ياسين بعينيه المليانة دموع وقال:
يا دادة… أنا مش مجنون.
في نفس الليلة، سامح ربط إيد ابنه السليمة في السر,,ـــــير بحزام عشان يمنعه يخبط دراعه في الحيطة.
ونجلاء ابتسمت ابتسامة صغيرة… كأن كل حاجة ماشية بالظبط زي ما هي عايزة.
الجزء الثاني
الصبح، ياسين ما بقاش عنده قوة يصرخ.
ودي كانت أكتر حاجة خوفت أم فتحية.
لاقته باصص للسقف، شفايفه ناشفة، وجبهته مولعة نــ,,ـــــار. دراعه المتجبس نايم على الملاية، لكن صوابعه كانت وارمة وبتترعش. كان باين أصغر من سنه بكتير.
همس بصوت ضعيف:
يا دادة… هاتي السكــ,,ـــــينة الكبيرة بتاعة العيش.
قربت منه وهي فاكرة إنها سمعت غلط.
بتقول إيه يا حبيبي؟
بصلها بوعي مخيف وقال:
اقطعولي دراعي. أنا مش عايزه. والله مش هصرخ.
أم فتحية حطت إيدها على بقها عشان ما تعيطش. مفيش طفل يطلب كده عشان بيتدلع. مفيش طفل يفضل يخسر دراعه على إنه يفضل لابس جبس، إلا لو في مصيبة حقيقية مستخبية تحته.
خرجت من الأوضة ووقفت قدام سامح.
قالت له بحزم:
الولد عنده سخونية. والجبس ريحته وحشة. ده مش نفسي. خده المستشفى حالًا.
سامح كان ماسك تليفونه، وقدامه ورق دخول لمركز نفسي خاص في الشيخ زايد. نجلاء واقفة جنبه وبتطبطب على كتفه.
قال سامح بانكسار:
إنتي مش فاهمة يا أم فتحية. امبارح كان هيكسر دراعه في الحيطة. بيقول إن في حاجات بتعضه.
قالت أم فتحية:
ما هي مش خيال. أنا شفت نملة داخلة الجبس بعيني.
نجلاء تنهدت بضيق وقالت:
يا ساتر يا رب. نملة هتعمل كل ده؟ وبعدين لو وديناه أي مستشفى وشافوا شكل دراعه، هيقولوا إن سامح مهمله. إنتي عايزة تضيعيه؟
سامح سكت.
الكلمة دي شلته.
نجلاء كانت عارفة تضــ,,ـــــرب فين. بقالها أيام تقنعه إن ياسين ممكن يدمر سمعته وشغله وحياته. كانت بتقوله إن الولد غيران، وإنه بيأذي نفسه عشان يلبسها تهمة، وإنه محتاج حجز ومهدئات.
لكن أم فتحية بدأت تفتكر حاجات ما كانتش راكبة.
من تلات أيام، لما سامح كان مسافر إسكندرية شغل، نجلاء قالت لها ما تدخلش أوضة ياسين لأن “الولد محتاج يتربى”. وفي نفس اليوم، أم فتحية لقت في المطبخ سرنجة كبيرة من اللي بيحقنوا بيها الفراخ واللحمة، وكانت متغسلة نص غسلة. كمان شافت برطمان عسل فاضي تقريبًا وسكر واقع على الرخامة.
ساعتها ما فكرتش في حاجة.
دلوقتي كل حاجة بقت إشارة.
بعد العصر، ياسين ساء أكتر. بدأ جسمه يتشنج من الألم. ما بقاش يترجى، ولا يصرخ، ولا يدافع عن نفسه. بس كان بيعض على سنانه والدموع بتنزل من جنب عينيه في صمت.
أم فتحية فهمت إن لو استنت إذن، الولد ممكن يمــ,,ـــــوت.
لما المطر بدأ يخبط على شبابيك البيت، نزلت الجراج. دورت وسط عدة سامح لحد ما لقت بنسة حديد تقيلة. خبتها تحت طرحتها، وطلعت أوضة ياسين وقفلت الباب بالمفتاح.
سامح سمع صوت القفل.
أم فتحية؟ إنتي بتعملي إيه؟
نجلاء صرخت من وراه:
دي اتجننت! هتأذيه!
أم فتحية خدت نفس عميق. ياسين بصلها من غير خوف. كان في عينيه أمل بس.
همست له:
استحمل يا قلب دادة… هطلع اللي بي.ك.
حطت البنسة على طرف الجبس.
طق.
أول شرخ في الجبس كان صوته كأن البيت كله اتكسر.
ومع أول فتحة، طلعت ريحة مسكرة ومعفنة لدرجة إن أم فتحية فهمت إن الحقيقة أبشع من كل اللي تخيلته.
الجزء الثالث
سامح كسر الباب برجله ودخل في اللحظة اللي الجبس اتفتح فيها.
كان داخل غضبان، ناوي يشد أم فتحية بعيد عن ابنه، لكنه وقف متجمد في نص الأوضة.
الريحة ضــ,,ـــــربته الأول.
وبعدين شاف دراع ياسين.
ماكانش مجرد احمرار ولا حساسية. تحت الجبس كان في مادة لزجة غامقة، بقايا عسل وسكر، جلد ملتهب، ونمل أحمر صغير بيتحرك بين الشاش الداخلي.
وفي أماكن تانية كانت في ديدان صغيرة بيضا بتتحرك حوالين الجروح.
ياسين ماكانش بيتخيل.
ماكانش مجنون.
كان بيتاكل بالبطيء تحت سجــ,,ـــــن أبيض كلهم سموه علاج.
سامح حط إيده على بقه ووقع على ركبته.
لا… لا يا ابني… سامحني…
أم فتحية، وهي بتعيط من القهر، زقت قطعة الجبس المكسورة ناحيته وقالت:
بص كويس يا أستاذ سامح! ده اللي كان مجننه! وإنت كنت هتدخله مصحة!
سامح ما قدرش يرد. شال ياسين بسرعة وجرى بيه على الحمام. فتح الميه الدافية وغسل دراعه بحرص وهو بيقول كل شوية:
سامحني يا حبيبي… سامحني… أبوك كان غبي.
ياسين كان بيشهق بهدوء. كان أضعف من إنه يتكلم.
نجلاء حاولت ترجع لورا ناحية الممر، كأنها عايزة تختفي من غير صوت، لكن أم فتحية شافتها.
قالت بصوت مهزوز:
افتح درج الأدوية اللي تحت.
سامح رجع وهو ماسك فوطة، وفتح الدرج.
وهناك كانت السرنجة الكبيرة.
وفي طرفها آثار عسل وسكر ناشفين.
الصمت اللي نزل على البيت كان مرعب.
نجلاء رفعت إيديها وقالت بسرعة:
سامح، الموضوع مش زي ما إنت فاهم. ده كان علاج بلدي. جدتي كانت بتقول إن العسل—
قاطعها بصوت مكتوم:
إنتي حقنتي العسل جوه جبس ابني؟
قالت بتوتر:
أنا بس كنت عايزاه يبطل تمثيل.
صرخ فيها:
ده عنده عشر سنين!
صوت سامح هز البيت كله. ولأول مرة، نجلاء ما لقتش رد جاهز. وشها الهادئ اتبدل، وظهر الغل الحقيقي في عينيها.
قالت بحدة:
من يوم ما دخلت البيت وهو بيكرهني. دايمًا باصص لي كإني غريبة. دايمًا مفكرك بمراتك اللي ماتت.
سامح ساب إيدها كأنها نــ,,ـــــار.
إنتي ما كنتيش غيرانة… إنتي كنتي عايزة تدمريه.
في الليلة دي، الإسعاف خد ياسين للمستشفى. الدكاترة أكدوا إن عنده التهاب شديد، وإنهم لو كانوا استنوا يوم كمان كان الضرر ممكن يبقى دائم.
دخل عملية تنظيف عميقة، واحتاج أسابيع علاج ومتابعة.
نجلاء اتقبــ,,ـــــض عليها بعد ما سامح سلم السرنجة والجبس وشهادة أم فتحية. حاولت تقول إنهم بيبالغوا، وإن ياسين مضطرب، وإن أم فتحية لفقّت الحكاية. لكن تقرير المستشفى، والأدلة، وكلام الطفل نفسه قالوا الحقيقة.
بعد شهور، رجع ياسين البيت.
دراعه فضل فيه آثار وجروح، لكن قوته رجعت. سامح باع الفيلا اللي كانت مليانة ذكريات مرعبة، وانتقل مع ابنه لشقة أهدى في مدينة نصر. وأم فتحية راحت معاهم، مش كخدامة… كأهل.
في يوم من الأيام، ياسين حــ,,ـــــضنها بدراعه اللي اتعافى وقال:
إنتي الوحيدة اللي صدقتيني.
مسحت على شعره وقالت:
أحيانًا يا ابني، إنك تنقذ حد بيبدأ بس إنك تسمعه… لما كل الناس تختار إنها تتجاهله.
وسامح كان واقف على الباب وعينيه مليانة دموع. عارف إن الذنب عمره ما هيروح بالكامل. لكنه كان عارف كمان إن العدل بدأ في اليوم اللي ست بسيطة اتجرأت تكسر الجبس… وكسرت معاه كذبة كانت هتدفــ,,ـــــن ابنه وهو عايش.
تمت

