
اغني رجل بالعالم وجدها مقيدة بالسلاسل داخل قبو… وكان القبو في فيلا شقيقه.
كان أول شيء تتذكره ريم عبدالسلام هو أرضية الأسمنت الباردة.
ليس سر,,,يرها.
ولا موقف السيارات الخاص بالمستشفى.
ولا اللحظة التي سقطت فيها مفاتيح سيارتها من يدها بعد مناوبة استمرت ست عشرة ساعة متواصلة في مستشفى السلام الدولي بالقاهرة.
فقط الأسمنت البارد تحت خدها.
والقيد الحديدي حول كاحلها.
وظلام كثيف بدا وكأنه يبتلع كل شيء.
لمدة ثلاثة أشهر كاملة، كان ذلك القبو عالمها الوحيد.
ماسورة صدئة مثبتة بالحائط.
سلسلة حديدية مربوطة حول قدمها.
صوت قطرات الماء المتساقطة من مكان مجهول.
ورائحة التراب الرطب والعفن والخشب القديم.
في البداية حاولت ريم أن تحسب الأيام.
كانت تخدش الجدار بحجر صغير.
وتكتب علام,,ات متتالية.
وتهمس بالتاريخ لنفسها كل صباح.
لكن الظلام له طريقة قاسية في س,,رقة الزمن.
يجعل الساعات تبدو أيامًا.
والأيام تبدو شهورًا.
ويُعلّم الإنسان أن الصراخ لا يجلب النجدة، بل يس,,رق ما تبقى من قوته.
كل ما كانت تتذكره من تلك الليلة ظهر في عقلها على شكل شظايا متفرقة.
هواء أكتوبر البارد.
أضواء الإسعاف أمام المستشفى.
المطر فوق الأسفلت.
مفاتيح السيارة في يدها.
ثم وخزة حادة في رقبتها.
وخوف خاطف.
ثم…
لا شيء.
والآن، بعد ثلاثة أشهر أو أكثر، استيقظت على أصوات مختلفة.
لم تكن الخطوات المعتادة التي تسمعها فوق رأسها.
كانت أصوات رجال.
كثيرون.
غاضبون.
ثم دوى ارتطام عنيف.
وتحطم زجاج.
وصراخ جعل سقف القبو يهتز.
زحفت ريم نحو أقصى زاوية بينما كانت السلسلة تجر خلفها.
وفجأة انفتح باب القبو.
اندفع الضوء إلى الداخل.
رفعت ذراعها أمام وجهها.
فبعد أشهر من العيش في الظلام أصبح الضوء مؤلمًا.
بدأت خطوات ثقيلة تنزل السلم.
رجل.
ثم آخر.
ثم توقف شخص أمامها.
لم تتبين ملامحه.
رأت فقط ظله.
رجل طويل.
عريض الكتفين.
يرتدي بدلة سوداء فاخرة.
وقطرات المطر تنزل من فوق كتفيه.
وقف للحظة دون أن يتحرك.
ثم قال بصوت منخفض:
“يا نهار أسود…”
كلمتان فقط.
لكن ريم شعرت بالغض,,ب المختبئ خلفهما.
ولأول مرة منذ أشهر أدركت أن هذا الغض,,ب ليس موجّهًا إليها.
قال الرجل:
“هاتوا مقص الحديد فورًا.”
“واتصلوا بالدكتور سامح.”
“خلوه يوصل هنا خلال عشرين دقيقة.”
تراجعت ريم أكثر.
لكن الرجل انحنى قليلًا وقال:
“متخافيش.”
“أنا مش هأذيكي.”
ثم أضاف:
“اسمي سليم.”
“سليم الحديدي.”
“فاهمة أنا بقول إيه؟”
هزت رأسها بصعوبة.
سألها:
“اسمك إيه؟”
همست بصوت مبحوح:
“ريم…”
“ريم عبدالسلام.”
تغيرت ملامح سليم فجأة.
أخرج هاتفه.
كتب شيئًا سريعًا.
ثم قال:
“دكتورة امتياز.”
“مستشفى السلام الدولي.”
أومأت ريم برأسها.
في تلك اللحظة وصل أحد الرجال يحمل مقص الحديد.
نظر إلى ريم.
ثم شحب وجهه.
وقال:
“يا باشا…”
قاطعه سليم ببرود:
“أنا شايف كل حاجة يا موسى.”
أخذ المقص بنفسه.
واقترب ببطء.
وقال:
“ريم.”
“هقطع السلسلة دلوقتي.”
“هيطلع صوت عالي.”
“تمام؟”
ثم ضغط بقوة.
وانكسر القيد الحديدي بصوت مدوٍ.
شعرت ريم بدوار مفاجئ.
وترنحت للأمام.
لكن سليم أمسك بها قبل أن تسقط.
لم يشدها بعن,,ف.
ولم يضغط عليها.
فقط أسندها.
ثم حملها بين ذراعيه.
وصعد بها إلى الأعلى.
هناك اكتشفت الحقيقة الصادمة.
فوق القبو لم يكن يوجد منزل مهجور.
بل فيلا فاخرة بالتجمع الخامس.
رخام إيطالي.
ثريات ضخمة.
أثاث بملايين الجنيهات.
ومطبخ حديث يلمع كأنه داخل قصر.
شخص ما كان يعيش فوق رأسها طوال تلك الشهور…
بينما هي مدفونة تحت الأرض.
داخل السيارة السوداء المصفحة، وبعد أن وضع سليم سترته حولها، سمعت اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
قال سليم بلهجة خط,,يرة:
“دوروا على كريم.”
ارتجفت ريم فورًا.
لاحظ سليم ذلك.
وسأل:
“إنتِ تعرفيه؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة.
وقالت:
“من ست شهور…”
“كان في قسم الطوارئ.”
“طلب رقمي.”
“رفضت.”
ساد الصمت داخل السيارة.
ثم قال سليم الجملة التي قلبت كل شيء:
“كريم الحديدي…”
“أخويا الصغير.”
نظرت إليه ريم بخوف.
فأدار وجهه نحو النافذة المبللة بالمطر.
ثم قال بصوت بارد:
“كان أخويا الصغير.”..
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبينالفصل الأول: الحقيقة التي كانت مدفونة تحت الأرض ظل المطر يهطل فوق زجاج السيارة السوداء بينما كانت ريم جالسة في المقعد الخلفي ملفوفة بسترة سليم الحديدي. كانت ترتجف. ليس بسبب البرد فقط. بل بسبب الصدمة. ثلاثة أشهر من الظلام.
ثلاثة أشهر من الوحدة. ثلاثة أشهر كانت تظن خلالها أن العالم نسي وجودها. والآن فجأة أصبحت داخل سيارة فارهة يقودها رجال مسلحون، وإلى جوارها أحد أشهر رجال الأعمال في مصر. كانت تسمع اسمه في الأخبار طوال الوقت. سليم الحديدي. الرجل الذي يطلقون عليه إمبراطور الحديد. لكنها لم تكن تفكر في ثروته الآن. كانت تفكر في شيء واحد فقط. كريم. الرجل الذي خطفها. شقيق سليم. أغمضت عينيها. فعادت إليها الذكريات كالسكاكين. — قبل ستة أشهر… كانت تعمل في قسم الطوارئ.
الساعة تقترب من الثالثة فجراً. والمستشفى مزدحم كعادته. دخل شاب مصاب بجرح بسيط في ذراعه. كان وسيماً. يرتدي ساعة تساوي مرتبها السنوي بالكامل. ويحيط به أربعة رجال حراسة. تذكرت اسمه فوراً. كريم الحديدي. كان يبتسم طوال الوقت. وحين انتهت من تضميد الجرح قال لها: “شكراً يا دكتورة.” أومأت باحترام. لكنها لم تتوقع أن يضيف: “ممكن رقمك؟” رفعت رأسها نحوه. ثم قالت ببساطة: “لأ.” ضحك. كأنه اعتاد سماع الموافقات لا الرفض. “ليه؟” قالت: “لأن ده شغلي.”
“وأنا مش بدي رقمي للمرضى.” ظل يبتسم. لكن شيئاً بارداً ظهر في عينيه. شيئاً أخافها دون سبب واضح. ثم غادر. وظنت أن الأمر انتهى. لكن الأمر لم يكن قد بدأ بعد. — عاد صوت سليم ليقطع أفكارها. “ريم.” رفعت رأسها. قال: “إنتِ محتاجة مستشفى فوراً.” همست: “أنا عايزة أعرف…”
