
الجزء الأول
“لسه تعبانة بعد العملية بقالك أسبوعين ومش قادرة تعملي عزومة عيد؟ بلاش دلع يا مريم.”
دي كانت أول جملة قالها جوزي “كريم” وأنا قاعدة متكورة من الوجع على الكنبة، بحاول أوصل للريموت بالعافية. الجرح كان لسه بيشد مع كل نفس، والدكتور أكد عليا ألف مرة: ممنوع الوقفة الكتير، ممنوع الشيل، وممنوع أي مجهود.
بس واضح إن كلام الدكتور في بيتي ملوش قيمة قد أوامر حماتي.
دخل كريم الصالة وهو ماسك موبايله وقال بكل برود:
“ماما كلمتني… والعيلة كلها جاية عندنا ليلة رأس السنة.”
بصيتله مصدومة.
“العيلة كلها مين؟”
“ماما وبابا، وأختي نادية وجوزها، والعيال… يعني الناس العادية. ماما هتجيب الزينة والمفرش الكبير، وإنتِ عليكي الأكل بس.”
الأكل بس.
كأن طبخ فتة ولحمة ومحشي ورق عنب وفراخ وحلويات لعشرة أفراد حاجة بسيطة زي تسخين رغيف عيش.
قلت وأنا بحاول أقف:
“يا كريم أنا بالعافية بعرف أقف عشر دقايق.”
تنهد بضيق وقال:
“يا مريم بلاش تبدأي. أمي عندها ضغط وسكر وبتطبخ كل سنة عادي. دي عوايد.”
قبل ما أرد، موبايلي رن.
حماتي.
“أيوة يا مريم، بصي أنا عايزة اللحمة متستويش زيادة السنة دي عشان السنة اللي فاتت كانت ناشفة، والمحشي ميكونش حراق عشان يوسف بيتعب، وآه… بلاش أطباق بلاستيك زي المرة اللي فاتت، شكله كان يكسف.”
غمضت عيني من القهر.
“يا طنط أنا لسه طالعة من عملية كبيرة.”
ضحكت ضحكة مستفزة وقالت:
“يا بنتي كل الستات بتتعب، مش معنى كده الدنيا تقف.”
وقفلت السكة.
بعدها بدقايق وصلتني رسالة من نادية أخت جوزي:
“ماما قالت إنك هتطبخي… ياريت السنة دي متبوظيش الليلة.”
دخلت الحمام أبص لنفسي في المراية.
وش شاحب… هالات… وجرح طويل في بطني…
وسنين من التعب باينة في عيني.
بس لأول مرة شفت حاجة تانية.
شفت غضب.
ابتسمت بهدوء وهمست:
“تمام… عايزين ليلة عمرهم؟ هتشوفوا.”
مسكت موبايلي وكلمت بنت خالتي “سارة”.
ردت بسرعة:
“خير يا بنتي؟”
قلت:
“العيلة مصممة أطبخلهم عزومة كاملة بعد العملية.”
سكتت ثواني… وبعدها قالت:
“وأخيرًا جه اليوم اللي هتبطلي تسكتي فيه.”
ابتسمت وأنا ببص ناحية الصالة، لقيت كريم بيكلم أمه عن تغيير ترتيب العفش عشان “السفرة تبقى أوسع”.
سيبتهم يخططوا براحتهم.
لأنهم ماكانوش يعرفوا إن السنة دي… العشا هيبقى مختلف جدًا.
الجزء الثاني
بعدها بثلاث أيام، سارة دخلت عليا شايلة أكياس ومنيوهات مطاعم مطبوعة.
“عندك كشري، فراخ مشوية، بيتزا، صيني، شاورما، وحلواني بيوصل لحد البيت ليلة العيد.”
ضحكت رغم وجعي.
“ممتاز.”
قالت وهي قاعدة قدامي:
“هنعشيهم ولا نربيهم؟”
قلت بهدوء:
“هنخليهم يدوقوا الإهانة اللي كانوا بيأكلوهالي سنين.”
طول السنين اللي فاتت كنت بصور وأسجل كل حاجة… مش عشان أنتقم… عشان أفضل فاكرة إني مش مجنونة.
كان عندي تسجيل لكريم وهو بيقولي أطبخ وأنا عندي حرارة. وصور لرسائل حماتي وهي بتشتم أكلي.
وفيديو ليها وهي داخلة بيتي من غير خبط وبتنتقد كل ركن فيه.
ودلوقتي بقى عندي تقرير طبي واضح بيقول: “راحة تامة.”
في يوم 30 ديسمبر، حماتي دخلت البيت فجأة كعادتها، شايلة زينة وستاير.
“إيه الكآبة دي يا مريم؟ البيت عامل زي عيادة.”
وشالت الكراسي وبدأت تحرك العفش وأنا واقفة بالعافية.
قالت وهي بتأمر:
“نادية عايزة السلطة من غير بصل، وحماتك بتحب الرقاق طري، وابو كريم نفسه في رز بلبن.”
ابتسمت وقولت:
“أكيد… كله هياخد اللي يستحقه.”
ماخدتش بالها من نبرة صوتي.
بالليل، دخلت سارة ومعاها ورقة كبيرة.
قرأناها سوا:
“إلى العائلة الكريمة: بما إنكم مصرّين إن الاحتفال يكون عندي رغم حالتي الصحية، فكل واحد يطلب الأكل اللي يعجبه من المنيوهات المعلقة. الطلبات مدفوعة من فيزا كريم. أما أنا فهطبق تعليمات الدكتور: راحة تامة ومنع الاستغلال. سنة جديدة سعيدة.”
سارة ضحكت وقالت:
“تحفة فنية.”
علقنا المنيوهات كلها على الحيط.
بيتزا جنب كشري. شاورما جنب أكل صيني. حلويات جنب فراخ مشوية.
وفي النص حطينا الرسالة.
تاني يوم الصبح، سارة حطت شنطتي في عربيتها وقالت:
“جاهزة؟”
بصيت على المطبخ النضيف… مفيش حلة واحدة على النار.
وقلت:
“أوي.”
وركبنا العربية ومشينا.
الجزء الثالث
من كاميرا البيت شوفناهم وهما داخلين.
حماتي داخلة بفستانها التقيل وصنية فارغة “عشان لو فيه أكل زيادة”.
نادية داخلة تتأمر من قبل ما تقعد.
الأطفال بيجروا.
كريم فتح الباب وهو مستغرب:
“مريم؟”
حماتي دخلت السفرة… ووقفت.
ثلاث ثواني صمت.
وبعدين صرخت:
“إيه قلة الأدب دي؟!”
نادية بدأت تقرأ الرسالة بصوت عالي، وكريم وشه اصفر.
في اللحظة دي بعتلهم رسالة جماعية:
“قبل ما تقولوا إني بمثل، فتشوا إيميلاتكم. بعتلكم تقريري الطبي، وصور الجرح، ورسائل سنين كاملة بتطلبوا مني أخدمكم وأنا تعبانة.”
الموبايلات بدأت ترن.
وش حماتي اتغير.
نادية قعدت على الكرسي مصدومة.
أما كريم… فكان ساكت.
بعتلي رسالة خاصة:
“أنا ماكنتش أعرف إنك تعبانة بالشكل ده.”
رديت فورًا:
“كنت تعرف… بس ماكنتش بتسمع.”
وقتها حسيت براحة عمري ما حسيتها.
قضيت رأس السنة في شاليه هادي أنا وسارة. أكل جاهز. دفا. راحة. ولا حد بيحاسبني على عدد الأطباق اللي بقدمها.
ولما رجعت بعد أسبوع، كنت راجعة مع محامية.
كريم كان قاعد وسط الزينة اللي لسه متشالتش.
أول ما شافني قال:
“مريم لازم نتكلم.”
المحامية حطت ملف على الترابيزة وقالت:
“لا…
حضرتك اللي هتسمع.”
طلعت أوراق الطلاق.
كريم بصلي مصدوم:
“طلاق؟ عشان عزومة؟”
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
“لا… عشان سنين كاملة كنتوا شايفني خدامة.”
في اللحظة دي حماتي دخلت من غير خبط كعادتها.
“إيه المهزلة دي؟!”
المحامية شغلت التسجيل.
قلت بهدوء:
“دي آخر مرة تدخلي بيتي من غير إذن.”
بصتلي بصدمة وقالت:
“إنتِ ناوية تضيعي بيتك؟”
رديت وأنا باخد شنطتي:
“البيت اللي يستهلكني مش بيت.”
وسبتهم ومشيت.
بعد شهور، كنت قاعدة في شقتي الصغيرة في الزمالك، بعمل قهوة لنفسي بمزاج، ومحدش بيطلب مني حاجة.
وفي ليلة رأس السنة الجديدة، جالي آخر مسدج من حماتي:
“العيلة مبتترميش.”
رديت:
“عشان كده اخترت أبقى عيلتي لنفسي الأول.”
وبعدها عملتلها بلوك.
لأن أحيانًا… النجاة مبتبقاش في الصراخ ولا الخناق.
أحيانًا بتكون في مطبخ هادي… وست أخيرًا فهمت إنها ما اتخلقتش عشان تخدم لحد ما تنكسر.