
مريم ركبت… حض,,نت الطفلين طول الطريق… كانوا هاديين دلوقتي… كأنهم حسوا بالأمان… وهي قلبها متعلق بيهم… مش فاهمة ليه.
في المستشفى… الدنيا قلبت حركة… دكاترة… ممرضين… صوت أجهزة… أخدوه بسرعة على العمليات… والأطفال دخلوا حضّانة.
مريم فضلت واقفة لوحدها في الكوريدور… هدومها مبلولة… وشها شاحب… محدش عارفها… محدش مهتم… بس هي ما مشيتش.
مرّت ساعة… اتنين… تلاتة… لحد ما دكتور خرج… قال: الحالة كانت حرجة… بس لحقناه…
مريم لأول مرة تاخد نفس بعمق… كأنها كانت مستنية الجملة دي.
بعدها بساعتين… المستشفى اتقلبت فجأة… عربيات فخمة… رجالة لابسين بدلات… حراسة… ناس بتجري… مريم اتفاجئت.
واحد منهم قرب من الاستقبال وقال بصوت قوي: فين الأستاذ؟ فين هو؟
الموظفة ردت بسرعة باحترام: في العمليات… بس خرج خلاص.
مريم بصّت باستغراب… مين ده؟
واحد من الحراسة شافها… لأنها كانت قاعدة جنب حضّانة الأطفال… قالها: إنتي تبعي مين؟
قالت بتوتر: أنا… أنا اللي لقيتهم…
الراجل سكت لحظة… وبص للي جنبه… وقال: هي دي.
فجأة كل العيون بقت عليها… حد كبير في السن قرب منها… باين عليه شخصية مهمة… وقال بهدوء: إنتي اللي أنقذتيه؟
هزت راسها.
قال: إنتي عارفة أنتي أنقذتي مين؟
قالت بصوت واطي: لا…
قال:
ده المهندس “عمر الدمنهوري”… واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر.
مريم حسّت إن الدنيا لفت… الاسم كان معروف… حتى في حتتهم كانوا بيتكلموا عنه… رجل غني جدًا… شركات… فلوس… نفوذ.
بصت للطفلين… وبعدين لنفسها… قالت في سرها: أنا؟!
الرجل كمل: لو كان م,,ات… الدنيا كانت هتتقلب… وإنتي… إنتي اللي أنقذتيه.
مريم ما ردتش… لأنها ما كانتش مستوعبة… كل اللي كانت شايفاه قدامها طفلين محتاجين حد.
بعد شوية… الدكتور سمح بزيارة سريعة… دخلوا عنده… كان نايم… أجهزة حوالينه… وشه شاحب بس مستقر.
بعد ساعات… فتح عينه… أول ما شاف الناس حواليه قال بصوت ضعيف: الأطفال…
قالوله: بخير.
قال: والبنت…
لفوا… جابوا مريم… دخلت بخطوات مترددة.
أول ما شافها… عينه لمعت… وقال: إنتي…
هزت راسها.
قال: أنا… مدينلك بحياتي…
قالت بسرعة: لا… أنا بس عملت اللي لازم يتعمل.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: مش أي حد كان هيقف… مش أي حد كان هيختار ينقذ…
سكت شوية… وبعدين قال: إسمك إيه؟
قالت: مريم.
قال: من النهارده… إنتي مش لوحدك يا مريم.
الكلمة دي دخلت قلبها… بس ما صدقتهاش بسهولة… لأنها اتعودت إن الوعود بتتقال وتضيع.
عدّت أيام… وهو اتحسن… والأطفال اتحسنوا…
ومريم كانت كل يوم تيجي تطمّن وتمشي… لحد ما في يوم… وهو خرج من المستشفى… بعت حد يجيبها.
راحت… وهي مش فاهمة… دخلت مكتب ضخم… أول مرة تشوف مكان كده… سجاد… مكاتب… فخامة.
دخلت… لقته قاعد… بصحة أحسن… لابس بدلة… نفس الهيبة… بس عينه لما شافها كانت مختلفة… فيها امتنان حقيقي.
قالها: تعالي يا مريم…
قعدت قدامه وهي متوترة.
قال: أنا سألت عنك… عرفت كل حاجة… عن أمك… عن حياتك… عن ظروفك…
اتكسفت وبصت في الأرض.
قال بهدوء: أنا مش بحب أدي فلوس وخلاص… أنا بحب أغير حياة…
سكت لحظة… وبعدين قال:
هتكملي تعليمك… على حسابي… وهتشتغلي معايا لما تخلصي… وأمك… هترتاح.
مريم رفعت عينيها بصدمة: ليه؟
قال بابتسامة: عشان في ناس نادرة… وإنتي منهم… وإنتي أنقذتي مش بس حياتي… أنقذتي ولادي.
دموعها نزلت… بس مش زي كل مرة… المرة دي كانت دموع أمل.
عدّت الشهور… حياتها اتغيرت فعلاً… رجعت تكمل تعليمها… بقت أقوى… واثقة… أمها بقت مرتاحة… البيت اتغير… الدنيا كلها اتغيرت.
بس الحاجة الوحيدة اللي ما اتغيرتش… قلبها.
فضلت نفس مريم… اللي وقفت في شارع مهجور… في مطر… واختارت تنقذ حياة بدل ما تمشي.
وفي يوم… وهي واقفة تبص على نفسها في مراية جديدة…
لبس نظيف… وش مرتاح… ابتسمت وقالت: يمكن ربنا ما بيغيرش حياتنا فجأة… بس بيحطنا في موقف واحد… لو اخترنا فيه الصح… كل حاجة بعدها بتتغير.
مريم ما خرجتش من المكتب زي ما دخلت… خرجت وهي حاسة إن الدنيا بتتفتح قدامها بس بخطوات حذرة، لأن اللي عاشته علمها إن كل حاجة حلوة ممكن تختفي فجأة، ركبت الأسانسير وهي باصة في المراية الصغيرة اللي فيه، وشها كان نفس الوش… بس عينيها اتغيرت، بقى فيها نور غريب… خليط من خوف وأمل، وصلت للشارع، صوت العربيات والزحمة رجعها للحقيقة… هي لسه مريم بنت شبرا… بس يمكن مش نفس مريم.
رجعت البيت فوق السطوح، أمها كانت قاعدة بتغسل هدوم بإيدها، أول ما شافتها قالت بلهفة “اتأخرتي ليه يا بنتي؟ قلقتيني”، مريم وقفت قدامها لحظة… مش عارفة تبدأ منين…
وبعدين قالت كل حاجة… من أول المخزن لحد المكتب… أمها كانت بتسمع وساكته… لحد ما دموعها نزلت وقالت “ربنا كبير يا مريم… عمره ما بينسى حد”.
الأيام بدأت تمشي بسرعة… مريم دخلت كورسات… لبست لبس جديد لأول مرة من غير ما تحسب الفلوس كل دقيقة… ركبت مواصلات مريحة… قعدت على مكاتب نضيفة… بس كل ما كانت تشوف نفسها في المراية، كانت تفتكر الشارع… المطر… الطفلين… اللحظة اللي غيرت كل حاجة.
بقت تروح تشوف الأطفال كل أسبوع… كانوا كبروا شوية… ابتسامهم بقى أوضح… وأول ما يشوفوها يهدوا…
كأنهم عارفينها، كانت تشيلهم وتضحك، وعمر الدمنهوري كان بيبص من بعيد بابتسامة هادية، لحد ما في مرة قرب وقال “هما بيحبوكي أكتر مني”، ضحكت وقالت “عشان أنا اللي شوفتهم أول مرة”، سكت لحظة وبعدين قال “يمكن عشان قلبك سابق الكل”.
العلاقة بينهم بدأت تبقى أهدى… فيها احترام كبير… هو عمره ما حاول يكسر المسافة بينها وبينه، كان فاهم إنها محتاجة وقت تثق، وهي كانت شايفاه مش بس رجل غني… لكن أب بيخاف على ولاده بجد، وده كان كفاية يخليها تحترمه.
بس الدنيا عمرها ما بتمشي سهلة… في يوم وهي رايحة الكورس، حسّت إن في حد ماشي وراها… حاولت تتجاهل…
بس الإحساس كبر… لحد ما سمعت صوت مألوف بيقول “إنتي فاكرة إنك هتهربي؟” قلبها وقف… لفت… وشافت واحد من الرجالة اللي كانوا واقفين جنب المخزن يومها… نفس النظرة… نفس البرود.
قالت بصوت متوتر “إنت عايز إيه؟”
ابتسم ابتسامة باردة وقال “اللي أنقذتيه ده… كان لازم يم,,وت… وإنتي لعبتي في حسابات كبيرة”، رجعت خطوة لورا… الخوف بدأ يرجع… بس مش بنفس الشكل القديم.
قالت “أنا ما عملتش حاجة غلط”
قال “الغلط إنك دخلتي في حاجة أكبر منك”، وقرب خطوة… مريم حسّت قلبها بيدق بس ما هربتش… المرة دي لا.
وفجأة عربية وقفت بسرعة جنبهم…
ونزل منها رجالة من الحراسة… الرجل جري… واختفى في الزحمة.
مريم وقفت بتتنفس بسرعة… جسمها بيرتعش… واحد من الحراسة قالها “إحنا متابعينك… الأستاذ قال لازم تكوني في أمان”، ركبت العربية وهي لسه مش مستوعبة… إن اللي حصل ده مش نهاية… ده بداية صراع أكبر.
وصلت عند عمر… دخلت عليه وهو واقف قدام الشباك… أول ما شافها قال “حصل حاجة؟”
قالت كل اللي حصل… وشه اتغير… ملامحه بقت قاسية… قال بهدوء “أنا كنت عارف إن الموضوع مش هيخلص بسهولة”، سكت لحظة وبعدين بص لها وقال “إنتي دلوقتي مش بس أنقذتي حياتي… إنتي بقيتي جزء منها… وده خطر”.
مريم سكتت… بس جواها حاجة بتقول إنها مش هترجع لورا… قالت “أنا مش ههرب… أنا مش زي الأول”، بص لها… وشاف في عينيها نفس القوة اللي شافها في المطر… نفس القرار.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال “واضح”.
من اليوم ده… حياتها اتغيرت تاني… بقت تحت حماية… بقت جزء من عالم أكبر… عالم فيه فلوس ونفوذ… بس كمان فيه خطر.
بس الفرق إن مريم ما بقتش البنت اللي بتهرب من الشارع عشان الناس ما تشوفهاش… بقت واحدة بتواجه… حتى لو الخوف جواها.
وفي ليلة، وهي واقفة على نفس الطريق القديم… المطر بينزل… بصت حوالين المكان اللي بدأت فيه الحكاية…
وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت لنفسها “أنا ما اخترتش الطريق ده… بس أكيد اخترت أمشي فيه للنهاية”.
والنهاية… لسه ما جاتش.
في الليلة دي مريم رجعت من الطريق القديم وهي عارفة إن الحكاية ما بقتش حكاية بنت فقيرة أنقذت رجل غني وخلاص، الحكاية بقت أكبر من كده، بقت عن سر مدفون وناس كانت عايزة تمحي عمر الدمنهوري من الدنيا ومعاه ولاده، وبقت هي من غير ما تقصد الشاهدة الوحيدة اللي شافت البداية، ومن اللحظة دي بقى لازم تختار، يا ترجع تخاف وتستخبى زي زمان، يا تقف وتكمل الطريق اللي ربنا حطها فيه، ولما دخلت البيت لقت أمها قاعدة مستنياها ووشها قلقان، مريم أول ما شافتها حاولت تبتسم بس أمها كانت حافظة وش بنتها أكتر من أي حد، قامت وقربت منها وقالت “مالك
يا مريم؟”، مريم قعدت على الكنبة القديمة وسكتت شوية، وبعدين قالت “يا أمي أنا دخلت في حاجة كبيرة… بس مش عارفة أهرب منها”، أمها مسكت إيدها وقالت “إنتي عمرك ما كنتي جبانة… بس الشجاعة مش إنك ما تخافيش… الشجاعة إنك تعملي الصح وإنتي خايفة”، الكلمة دي فضلت ترن في ودنها طول الليل، نامت بصعوبة، وكل ما تغمض عينها تشوف الراجل اللي وقف لها في الشارع، وتشوف عمر وهو سايب آخر نفس في حض,,ن طفلين، وتشوف نفسها وهي بتجري تحت المطر كأنها شايلة الدنيا كلها على كتفها.
تاني يوم الصبح عمر طلب يقابلها، المرة دي ما كانش في المكتب الفخم ولا في المكان الواسع اللي يخوفها، قابلها في أوضة هادية في بيته، بيت كبير كأنه قصر، بس رغم كل الفخامة كان فيه حزن غريب، حزن ساكن في الحيطان، دخلت مريم وهي بتحاول ما تبصش كتير، شافت صور قديمة لعمر مع امرأة جميلة رقيقة، وفي حض,,نه طفلين صغيرين حديثي الولادة، فهمت إن دي أم التوأم، وقبل ما تسأل، عمر قال بصوت هادي “دي نادين… مراتي”، سكت لحظة وبعدين كمل “م,,اتت من شهرين”، مريم حست بقلبها يتق,,بض، بصت له وقالت “ربنا يرحمها”، عمر بص للصورة وقال “م,,اتت في ح,,ادث عربية…
قالوا ح,,ادث عادي… بس أنا ما صدقتش”، مريم سكتت، وهو كمل “نادين قبل ما تم,,وت بأيام قالتلي إن في حد قريب مننا بيخونني… حد من داخل الشركة… حد عايز يستولي على كل حاجة… كانت خايفة على الولاد، وبعد م,,وتها بدأت أدوّر، ولما قربت من الحقيقة حاولوا يخلصوا عليا أنا كمان”، مريم حسّت إن جسمها برد، قالت “والأطفال؟”، بص لها بعين موجوعة وقال “كانوا معايا عشان كنت خايف أسيبهم في البيت… ما كنتش متخيل إنهم يوصلوا لدرجة إنهم يأذوا طفلين”، سكت وبعدها قال “اللي حصل في الطريق ما كانش صدفة…
كانوا عارفين أنا رايح فين، وقطعوا عليا الطريق، واللي أنقذني بعد ربنا كنتي إنتي”.
