
مريم ما عرفتش ترد، الإحساس بالمسؤولية كان أكبر منها، عمر قرب من المكتب وطلع ملف كبير، فتحه قدامها وقال “فيه مستندات ناقصة… وفيه فلاشا اختفت يوم الح,,ادث… نادين كانت مخبياها… وأنا متأكد إن فيها الدليل”، مريم قالت باستغراب “وأنا علاقتي إيه؟”، عمر بص لها بتركيز وقال “قبل ما أفقد الوعي في المخزن، كنت ماسك حاجة في إيدي… مش فاكر حطيتها فين… إنتي لما لقيتيني كان معايا أي حاجة؟”، مريم رجعت بذاكرتها للمشهد، المطر، الدم، البطانية، الطفلين، إيده اللي كانت مقفولة على حاجة صغيرة… فجأة عينيها اتسعت، قالت “كان في سلسلة صغيرة واقعة جنبك… أنا افتكرتها بتاعت واحد من الأطفال…
حطيتها في شنطتي ونسيت”، عمر وقف فجأة وقال “سلسلة؟”، مريم قالت “أيوه… فيها ميدالية صغيرة”، وشه اتغير وقال “دي بتاعة نادين”، مريم حست إن الموضوع بقى أوضح، قالت “هي عندي في البيت”، عمر قال بسرعة “لازم نجيبها حالًا”.
رجعوا مع الحراسة، ومريم طول الطريق قلبها بيدق، أول ما وصلت طلعت فوق السطح ودورت في شنطتها القديمة، لقت السلسلة ملفوفة في منديل، ميدالية فضة صغيرة عليها حرف ن، فتحتها بإيد مرتعشة، كان جواها شريحة صغيرة جدًا، عمر لما شافها اتنفس كأنه لقى روحه، قال “هي دي”، مريم بصت له وسألت “دي ممكن تنهي كل ده؟”، قال “لو اللي فيها هو اللي نادين كانت بتحاول توصله… أيوه”.
في نفس الليلة، راحوا لمهندس موثوق عند عمر، فتح الشريحة، وظهر قدامهم تسجيلات ومراسلات ومستندات تحويلات، أسماء شركات وهمية، توقيعات مزورة، وخطة كاملة للاستيلاء على شركات الدمنهوري، والأصعب من كده إن الاسم اللي كان ظاهر في كل الملفات كان اسم صادم، شريف الدمنهوري، ابن عم عمر وأقرب واحد له، الرجل اللي كان واقف في المستشفى يومها بدموع مصطنعة، الرجل الكبير اللي قال لمريم “إنتي عارفة أنقذتي مين؟”، كان هو نفسه اللي بيخطط ل-,,- عمر وأطفاله، عمر وقف ساكت، وشه ما اتغيرش كتير بس عينه اتكسرت، الخيانة لما تيجي من عدو بتوجع، لكن لما تيجي من دمك بتخلع الروح، مريم بصت له
بحزن وقالت “أنا آسفة”، قال بصوت مكتوم “نادين كانت صح… وأنا اتأخرت عليها”.
قرر عمر يبلغ الجهات المختصة بكل حاجة، لكن شريف ما كانش ساذج، قبل ما يتحركوا، كان عرف إن الشريحة ظهرت، وفي اليوم التالي بدأ الهجوم الحقيقي، أخبار كاذبة انتشرت عن عمر، اتهام,,ات بالفساد، تسريبات مفبركة، ومحاولة لتشويه مريم نفسها، صور لها وهي داخلة بيت عمر، كلام حقير على السوشيال ميديا، ناس بتقول إنها بنت فقيرة استغلت موقف عشان تقرب من الملياردير، مريم أول ما شافت الكلام حسّت إن الأرض بتسحبها، رجعت لنفس الإحساس القديم، عيون الناس، كلام الناس، الخجل، بس عمر وقف قدامها وقال “اسمعيني كويس…
هما عايزين يكسروكي لأنك الحلقة اللي أنقذت الحقيقة… لو خفتي دلوقتي هيكسبوا”، مريم قالت وهي بتعيط “أنا مش قد الكلام ده… أنا طول عمري بهرب من الناس… مش قادرة أبقى فرجة”، عمر قال بهدوء “إنتي مش فرجة… إنتي شاهدة حق… والحق دايمًا له تمن”.
أمها لما عرفت اللي حصل، حض,,نتها وقالت “يا بنتي الناس بتتكلم على الأنبياء…
هتسكت عشان اتكلموا عليكي؟”، مريم مسحت دموعها، وفي اللحظة دي قررت ما تختفيش، قررت تطلع وتتكلم، مش في فيديو ولا في فضيحة، لكن قدام القانون، راحت وقدمت شهادتها كاملة، قالت إنها لقت عمر في الطريق، قالت إنها شافت الأطفال، قالت إن في رجل هددها، وقالت كل تفصيلة من غير ما تخاف، وبعدها عمر سلّم الشريحة وكل المستندات، وبدأت التحقيقات.
شريف حاول يقلب الطاولة، بعت ناس يهددوا مريم، اتصلوا بأمها، حاولوا يخوفوها، وفي ليلة من الليالي وهي راجعة من المستشفى بعد زيارة التوأم، العربية اللي كانت راكباها اتعطلت في شارع جانبي، الحارس نزل يشوف المشكلة، وفجأة ظهرت عربية سوداء، نزل منها اتنين، مريم فهمت في لحظة إن ده فخ، قلبها خبط بعن,,ف، واحد منهم قرب وقال “قولنالك قبل كده الموضوع أكبر منك”، مريم رجعت لورا، لكن قبل ما يمد إيده عليها، صوت عمر جه من وراهم “ابعد عنها”، ظهر مع رجالة الشرطة، كان عامل حسابه إنهم هيحاولوا، والليلة دي اتق,,بض على الرجالة واعترف واحد منهم إن شريف هو اللي بعتهم، والاعتراف
ده كان أول مسمار حقيقي في نعشه.
الأيام اللي بعدها كانت عاصفة، شريف اتق,,بض عليه، ومعاه ناس من داخل الشركة، واتفتح ملف م,,وت نادين من جديد، وطلع إن الح,,ادث ما كانش ح,,ادث، كان مدبر، ودي كانت الض,,ربة اللي كسرت عمر تمامًا، يوم ما عرف الحقيقة، دخل أوضة أطفاله وقعد جنب سريرهم، مريم كانت واقفة على الباب، شافته لأول مرة مش رجل أعمال ولا صاحب نفوذ، شافته أب مكسور، رجل فقد حب عمره بسبب طمع وخيانة، قربت بهدوء وقالت “هي سابتلك الدليل…
يعني لآخر لحظة كانت بتحاول تحميك”، عمر بص لها والدموع في عينه وقال “وأنتي كملتي اللي هي بدأته”، مريم قالت “أنا عملت اللي أي حد المفروض يعمله”، قال “بس مش أي حد بيعمله”.
بعد شهور من التحقيق والمحاكمة، ص,,در الحكم، شريف وكل اللي معاه اتعاقبوا، الشركات رجعت تحت سيطرة عمر، واسم نادين اتنضف، والحقيقة ظهرت قدام الكل، لكن الأهم من كل ده إن مريم خرجت من القصة مختلفة، مش بنت فقيرة تستنى حد ينقذها، لكن بنت أنقذت ناس ووقفت قدام الخوف ودفعت تمن الحق، عمر نفّذ وعده، كمل تعليمها، وفر لأمها بيت صغير نظيف بدل السطح، لكن مريم رفضت تعيش كأنها مدينة له طول العمر، قالت له في يوم “أنا ممتنة لكل اللي عملته… بس عايزة أبني نفسي بنفسي”، عمر ابتسم وقال “وده بالظبط اللي كنت مستنيه منك”.
اشتغلت مريم في مؤسسة خيرية أسسها عمر باسم نادين، مؤسسة لمساعدة الأطفال والنساء اللي مالهمش سند، وهناك لقت نفسها، كل بنت كانت تدخل خايفة كانت مريم تشوف نفسها فيها، وكل طفل محتاج حض,,ن كانت تفتكر التوأم في ليلة المطر، بقت تحكي لهم إن ربنا ساعات بيخبّي الفرج في طريق مهجور، وإن الإنسان ممكن يكون تعبان وفقير ومكسور، لكنه في لحظة واحدة يعمل خير يغيّر حياته وحياة غيره.
التوأم كبروا وبقوا يتعلقوا بيها جدًا، كانوا أول ما يشوفوها يمدوا إيديهم ويضحكوا، عمر كان يقول ضاحكًا “أنا بقيت أغار منك”، وهي ترد “دول أولادي من ليلة المطر”، وكان الكلام يبدأ هزار وينتهي بسكوت طويل بينهما، سكوت مليان مشاعر محدش فيهم قادر يسميها، عمر كان شايف فيها النقاء اللي افتقده، ومريم كانت شايفة فيه الأمان اللي طول عمرها اتحرمت منه، لكن الاتنين كانوا محترمين وجع الماضي، هو لسه حامل حب نادين وذكراها، وهي لسه بتبني نفسها، ففضلت علاقتهم هادية، نقية، تكبر ببطء من غير استعجال.
وفي يوم افتتاح فرع جديد للمؤسسة، وقف عمر على المسرح قدام صحافة ورجال أعمال وناس كتير، وقال “في حياتي قابلت ناس كتير عندها مال وسلطة، لكن قليل جدًا قابلت ناس عندها قلب… مريم عبد الرحمن أنقذتني أنا وولادي، لكنها عملت أكتر من كده… علمتني إن الإنسان بقيمته مش بفلوسه ولا باسمه… بقلبه”، الناس سقفت، ومريم كانت واقفة في آخر القاعة دموعها بتنزل بهدوء، افتكرت جزمتها المقطوعة، شنطتها المربوطة بخيط، الطريق الطويل، الجوع، المطر، وصوت طفلين بيعيطوا، افتكرت نفسها وهي خايفة تقرب، وبعدين ابتسمت لأنها قربت.
بعد الحفل، خرجت تتمشى في الجنينة، لقت عمر جاي وراها، قال “هربتي من التصفيق؟”، قالت “أنا مش متعودة على الناس”، قال “هتتعودي”، بصت له وقالت “مش لازم أتعود على كل حاجة… كفاية أتعود إني ما أخافش”، ابتسم وقال “وصلتي للي كنتي عايزاه؟”، مريم بصت للسما وقالت “لسه… بس بقيت على الطريق”، سكت لحظة وبعدين قال “مريم… أنا مش عايز أضغط عليكي في أي حاجة… ولا عايز أخلط الامتنان بأي شعور تاني… بس وجودك في حياتي بقى نعمة”، مريم بصت له، قلبها دق، لكنها كانت أهدى من زمان، قالت “وأنت كمان وجودك غيّر حياتي…
بس خلينا نمشي واحدة واحدة”، عمر ابتسم وقال “واحدة واحدة”.
مرت سنة كاملة من ليلة المطر، وفي نفس اليوم، مريم أصرت تروح الطريق القديم، عمر استغرب لكنه وافق، راحت لوحدها الأول، وقفت قدام المخزن المهجور اللي اتقفل وبقى عليه آثار صدأ، المطر ما كانش بينزل، لكن الهوا كان بارد، وقفت مكان ما شافته أول مرة، وغمضت عينيها، سمعت في خيالها بكاء الأطفال، صوت الرجل وهو بيقول ساعديني، صوت قلبها وهي بتختار، فتحت عينيها وقالت بهدوء “الحمد لله”، بعدها سمعت صوت خطوات، لفت لقت عمر شايل التوأم، قال “كان لازم ييجوا يشكروا المكان اللي رجعهم للحياة”، ضحكت والدموع في عينيها، شالت واحد منهم، وبصت له وهو بيضحك في وشها.
أمها بقت صحتها أحسن، وعاشت أيام أهدى من اللي فاتت، وكانت كل ما تشوف مريم داخلة البيت تقول “وشك نور يا بنتي”، ومريم كانت ترد “دعوتك يا أمي”، وفعلاً كانت دعوة أمها هي اللي شالتها من ضيق الطريق لأوسع طريق، من سطح قديم لبيت فيه أمان، من خوف الناس لثقة النفس، من بنت بتستخبى لواحدة بتمد إيدها لغيرها.
وفي آخر ليلة من السنة دي، مريم قعدت تكتب قصتها، كتبت كل حاجة من غير تزويق، كتبت عن الفقر اللي ما كانش عيب، وعن الجوع اللي ما س,,رقش رحمتها، وعن المطر اللي غسل طريقها، وعن رجل غني كان يملك كل شيء لكنه في لحظة احتاج بنت بسيطة تنقذه، وكتبت الجملة اللي حسّت إنها نهاية حكايتها وبداية حكايات تانية “أحيانًا لا يرسل الله الفرج في شكل مال ولا بيت ولا منصب… أحيانًا يرسله في اختبار صغير، في صرخة طفل، في غريب يطلب النجدة، فإن اخترت الرحمة فتح الله لك أبوابًا كنت تظنها لا تُفتح لأمثالك”.
قفلت الدفتر، وبصت من الشباك، القاهرة كانت صاخبة كعادتها، لكن جواها كان في سلام جديد، عرفت إن حياتها مش هتبقى خالية من التعب، وإن الطريق لسه طويل، بس عرفت كمان إنها مش البنت اللي كانت تمشي لوحدها عشان محدش يشوف فقرها، دلوقتي لو مشت في أي شارع هتمشي رافعة راسها، لأن اللي جواها أغلى من أي مال، وأقوى من أي خوف.
وبعد أشهر، لما سألوها في لقاء صغير عن أكتر لحظة غيرت حياتها، ابتسمت وقالت “اللحظة اللي كنت أقدر أمشي فيها وأعمل نفسي ما سمعتش…
بس وقفت”، وساعتها فهم كل اللي سمعها إن البطولة مش دايمًا في القوة ولا السلاح ولا النفوذ، البطولة أحيانًا تكون في قلب بنت تعبانة وجعانة، ومع ذلك لما تسمع بكاء طفلين في طريق مهجور… تختار ما تسيبهمش.
وهكذا انتهت حكاية مريم كما بدأت، بطريق طويل ومطر ونداء استغاثة، لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تسير مطأطئة الرأس تخشى عيون الناس، صارت امرأة تعرف أن الله حين يختار قلبًا للنجاة، يجعله سببًا في نجاة غيره أولًا، وأن الخير الذي تفعله وأنت لا تملك شيئًا، قد يعود إليك يومًا على هيئة حياة كاملة، حياة لم تكن تحلم بها، لكنها كانت تستحقها منذ البداية.
حكايات أسما السيد.