
قـبل يوميـن من عـيد الاضحي، خليت ست معاها طـفلها تـبات عنـدي حالتها وحشه جدا..صعبت عليا… وفي صباح العيد، وصلني صندوق ضخم عليه اسمي.. أنا اسمي ندى… أم لبنتين صغيرين، عندهم خمس وسبع سنين. أبوهم سابنا من تلات سنين، ومن ساعتها وإحنا التلاتة بنحاول نعيش يوم بيوم. قبل العيد بيومين، كنت راجعة من شغل متأخر، والجو كان برد قارس، وأنا معدية بالعربية، شفتها. ست واقفة عند موقف ميكروباص، شايلة طفلها وحضناه جامد. الطفل كان ملفوف في بطانية خفيفة، ووشه محمر من البرد…وقفت وفتحت الشباك: إنتِ كويسة؟
اترددت شوية، وبعدين هزت راسها: لا… فاتني آخر ميكروباص… ومفيش مكان أروحله النهارده. بصراحة… كان المفروض ما أعملش كده. بس فكرت في بناتي… في البرد… وفي إن العيد خلاص. فقلت لها تركب معايا. خدتها البيت، واديتها أوضة الضيوف، حطيت لها ملايات نضيفة، وعملت لها أكل سخن. كانت طول الوقت بتعتذر، وتقول إنها مش عايزة تتعبني. واضح إنها ما نامتش كويس… وفي الصبح، شكرتني كتير ومشيت بهدوء وهي شايلة طفلها. وقتها افتكرت إن الموضوع خلص على كده.
لكن في صباح العيد… وأنا وبناتي لسه بالبيجامات… الجرس رن. كان مندوب شحن واقف، ماسك صندوق كبير متغلف بورق هدايا لامع… وعليه اسمي مكتوب بخط واضح. دخلت الصندوق المطبخ وفتحته… أول ما شفت اللي جواه… اتخنقت… ودموعي نزلت من غير ما أحس. بنتي الكبيرة قربت مني وقالت بهدوء: “ماما… إنتِ بتعيطي ليه؟” بس اول ما بصت علي الصندوق صرخت… وو اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق.. واهدِ نفوسنا لما يرضيك ووسّع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريم
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد @أبرز المعجبين
بنتي الكبيرة قربت مني وقالت بهدوء ماما إنتي بتعيطي ليه بس أول ما بصت على الصندوق صرخت صرخة خلت قلبي يقع في رجلي الصغيرة جريت عليها وهي مش فاهمة حاجة وأنا واقفة مكاني مش قادرة أتحرك كأني اتسمرت في الأرض اللي شوفته جوا الصندوق كان أكبر من إني أستوعبه في اللحظة دي كان فيه بطاطين تقيلة ونضيفة جداً لبس شتوي كامل لبناتي جاكيتات تقيلة وفساتين جديدة وعرايس صغيرة وكل حاجة متغلفة بعناية وتحتهم ظرف أبيض كبير إيدي كانت بتترعش وأنا بمسكه حسيت إني خايفة أفتحه وخايفة ما أفتحوش في نفس الوقت بنتي الصغيرة شدت في هدومي وقالتلي ماما دي هدايا لينا
صح أنا بصيت لها ومقدرتش أتكلم دموعي كانت بتنزل لوحدها فتحت الظرف ببطء وطلعت منه ورقة مكتوب عليها بخط رقيق
أنا مش هعرف أرد لك الجميل ده أبداً بس يمكن ربنا يبعت لك حاجة تفرح قلبك زي ما فرحتي قلبي امبارح أنا مكنتش تايهة زي ما قلت لك أنا كنت هربانة كنت محتاجة أختبر إذا لسه في حد في الدنيا عنده رحمة زيك ولا لأ وانتي نجحتي من غير ما تعرفي أنا سيبت لك الحاجات دي لأنها أقل حاجة أقدر أقدمها لك ومتخافيش دي كلها من حقي مش حرام وربنا شاهد على اللي في قلبي
اسمي الحقيقي مش مهم
دلوقتي بس يمكن في يوم أقابلك وأحكيلك كل حاجة
وقفت مكاني وأنا بقرأ كل كلمة كأنها بتدخل جوا صدري مباشرة حسيت بخليط غريب من الامتنان والخوف والفضول هي كانت بتهرب من إيه وليه كانت بتختبرني وليه اختارتني أنا بالذات بنتي الكبيرة مسكت إيدي وقالتلي ماما هي الست دي كانت طيبة صح أنا بصيت لها وقلت لها أيوه يا حبيبتي كانت طيبة قوي
عدى اليوم وأنا مش قادرة أخرج من التفكير في اللي حصل حاولت أفرح بناتي بالعيد لبسنا الجديد اللي جالهم من الصندوق وخرجنا نصلي ونتمشى ونشتري حلويات بس طول الوقت كان في صوت جوايا بيقول إن القصة دي
لسه مخلصتش
بعد يومين بالظبط وأنا راجعة من الشغل لقيت حد واقف قدام باب العمارة أول ما قربت عرفت إنها هي نفس الست بس شكلها كان مختلف لبسها أنضف وشعرها مترتب والطفل اللي كان معاها كان لابس لبس شيك أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة فيها امتنان كبير وقالتلي كنت عارفة إنك هترجعي في نفس الوقت أنا وقفت قدامها وقلبي بيدق بسرعة وسألتها إنتي مين بالظبط
بصت حواليها كأنها بتتأكد إن مفيش حد سامع وبعدين قالتلي أنا اسمي سلمى وأنا مش ست غلبانة زي ما شوفتي أنا كنت متجوزة واحد غني جداً بس كان مؤذي وكان فاكر إن الفلوس تقدر
تتحكم في كل حاجة حتى في الناس أنا هربت منه بعد ما حاول يأذيني أنا وابني كنت محتاجة أختفي يومين بس علشان أرتب حياتي من جديد
أنا سكت ومكنتش عارفة أقول إيه قالتلي كملت أنا عندي فلوس بس مكنتش قادرة أوصل لها من غير ما يعرف مكاني فكنت محتاجة أكون في مكان آمن بعيد عنه وكنت محتاجة حد يساعدني من غير مقابل وإنتي عملتي كده من غير ما تسألي ولا مرة
أنا حسيت برعشة في جسمي وسألتها طب والصندوق ده كله قالتلي دي حاجة بسيطة بالنسبة للي عندي وأنا عايزة أعمل أكتر من كده بكتير بس كنت خايفة ترفضي
أو تخافي
أنا بصيت لها بتركيز وقلت لها يعني إيه قالتلي يعني أنا عايزة أساعدك تبدأي حياة جديدة شغل أفضل لولادك تعليم أحسن بيت أوسع مش صدقة ولا شفقة دي مكافأة لطيبة قلبك
الكلام كان كبير عليا قوي لدرجة إني حسيت إني بحلم قلت لها أنا مش عارفة أقول إيه قالتلي مش عايزاكي تقولي حاجة دلوقتي أنا هسيب لك رقمي ولو حبيتي نتكلم تاني اتصلي بيا
ومدت لي كارت صغير ومشيت بهدوء زي ما ظهرت بهدوء
وقفت قدام باب العمارة وأنا ماسكة الكارت وبفكر هل أصدقها ولا لأ هل دي فرصة حقيقية ولا اختبار تاني يمكن يكون
أصعب
عدت أيام وأنا محتارة كل ما أبص لبناتي وهم بيلعبوا بالهدوم الجديدة أو نايمين متغطيين بالبطاطين اللي جت من الصندوق قلبي يقول لي إن ربنا ممكن يكون بعت لي باب رزق وأنا اللي خايفة أفتحه
وفي يوم بالليل بعد ما نيمتهم قعدت لوحدي وبصيت للكارت كتير وبعدين أخدت نفس عميق واتصلت
ردت بسرعة كأنها مستنياني وقالتلي بصوت هادي كنت عارفة إنك هتتواصلي
ومن اللحظة دي حياتي بدأت تتغير
مش بسرعة ولا بشكل خيالي بس خطوة خطوة لقيت نفسي بشتغل شغل أحسن وباخد كورسات مجانية هي ساعدتني أوصل لها وبناتي دخلوا مدرسة أحسن وبدأنا نحس لأول
مرة إن في أمل
بس المفاجأة الحقيقية كانت بعدها بشهور لما قالتلي إن جوزها السابق اتحبس بعد ما اتكشف في قضايا كتير وإنها أخدت كل حقوقها بالقانون وساعتها بس فهمت إن اللي حصل لي في الليلة دي ما كانش صدفة
دي كانت بداية جديدة ليا
ويمكن كل الخير اللي دخل حياتي بدأ من قرار واحد بسيط إني أوقف عربيتي في ليلة برد وأفتح بابي لحد محتاج
ومن ساعتها وأنا مؤمنة إن الرحمة عمرها ما بتضيع وإن أي خير بتعمله بيرجع لك أضعاف حتى لو بعد وقت
وبقيت كل ما أسمع الجرس في يوم عادي أبتسم لأن
ممكن جداً يكون وراه قصة تانية لسه مكتوبة وأنا ليا دور فيها
