
الدكتور قفل الباب وراه بهدوء… الصوت كان خافت بس وقع جواه كان تقيل… كأنه بيقفل باب على سنين طويلة من السكوت… بصلي شوية من غير كلام… وأنا كنت قاعدة قدامه حاسة إن كل نبضة في قلبي بتقول له إني مش همشي غير لما أعرف… أخيرًا قال بصوت مبحوح “إنتي شبهه”… سألته بسرعة “شبه مين؟”… قال وهو بيبعد عينه “أبوكي”… الكلمة خلت قلبي يوجع… بس ما سبتوش يهرب… قلت “أنا جاية علشان أعرف الحقيقة… اللي حصل لأمي… واللي حصل لبابا”… سكت لحظة… وبعدين قعد قدامي… إيده بتترعش خفيفة… وقال “في حاجات لما تتفتح… بتوجع أكتر ما بتريح”…
رديت عليه من غير تردد “أنا عايشة في وجع أصلاً… الفرق إني مش فاهمة سببه”… بصلي تاني… المرة دي بنظرة مختلفة… كأنه قرر إنه ما يخبيش أكتر… قال “يوم ولادتك… المستشفى كانت زحمة جدًا… حالات كتير… وأطباء أقل… بس ده مش العذر… العذر الحقيقي كان الإهمال”… بلعت ريقي… وقلت “يعني إيه إهمال؟”… قال وهو بيشبك إيده “والدتك دخلت في نزيف بعد الولادة… كان لازم تتنقل العناية فورًا… لكن في تأخير حصل… في قرارات غلط اتاخدت”… حسيت نفسي بتخنق… “مين اللي أخد القرارات دي؟”… سكت… وبعدين قال “أنا”… الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة… حسيت إني مش قادرة أتنفس… قلت بصوت مكسور “إنت؟”…
هز راسه ببطء… “أنا المسؤول عن الحالة… وأنا اللي تأخرت… وأنا اللي وقّعت على التقرير”… دموعي نزلت… بس الغضب كان أكبر… “طب إزاي القضية اتقفلت؟”… ابتسم ابتسامة باهتة وقال “علشان مش كل حاجة في البلد دي بتمشي بالعدل”… قرب مني شوية وقال “كان في حد كبير… حد له نفوذ… تدخل… الملف اتقفل… وكلنا اتسكتنا”… قلبي دق بسرعة “مين؟”… سكت… وبص للأرض… كأنه خايف حتى يقول الاسم… قلت بإصرار “أنا مش همشي غير لما أعرف”… رفع عينه لي وقال “مدير المستشفى وقتها… دكتور سامح الحديدي”… الاسم عدى في ودني غريب… بس تقيل… حسيت إنه بداية الخيط… قلت “وبابا؟”… هنا وشه اتغير…
وقال “أبوكي ما سكتش… فضل ييجي هنا… يسأل… يحقق… يضغط… وأنا… كنت كل مرة بشوفه… كنت بحس بالذنب بيقتلني”… سكت لحظة… وبعدين كمل “في آخر مرة شفته فيها… قال لي إنه وصل لحاجة… وإنه هيقابل شخص يثبت كل حاجة”… قلبي اتقبض “مين الشخص ده؟”… قال “ماعرفش… هو ما قالش… بس بعدها بيوم… سمعنا خبر الحادثة”… نفس الكلمة… حادثة… بس المرة دي ما كانتش عادية في دماغي… قلت “إنت مصدق إنها كانت حادثة؟”… سكت… وبعدين قال “زمان كنت بحاول أصدق… علشان أقدر أكمل… بس دلوقتي؟… لأ”… حسيت برعشة في جسمي… “يعني بابا اتقتل؟”… رد بهدوء موجع “مقدرش أقول أكيد…
بس اللي أعرفه إن في ناس ما كانش عاجبها اللي هو بيعمله”… سكتنا شوية… وبعدين سألته “والدكتور سامح ده… فين دلوقتي؟”… قال “عنده مستشفى خاصة… ناجح… وغني… وكل حاجة بتمشي حواليه”… ضحكت ضحكة مكسورة “طبعًا”… قومت من مكاني… وأنا حاسة إن رجلي تقيلة… بس في نار جوايا… قلت “أنا لازم أشوفه”… الدكتور قال بسرعة “خلي بالك… الناس دي مش سهلة”… بصيتله وقلت “ولا أنا”… خرجت من العيادة… والهوا ضرب في وشي… بس لأول مرة حسيت إني شايفة الطريق… رجعت البيت… وماما كانت قاعدة مستنياني… أول ما دخلت قالت “رحتي فين؟”… قلت “قابلت الدكتور”… وشها اتوتر… “وقالك إيه؟”… قعدت قدامها…
وحكيتلها كل حاجة… كل كلمة… كل اعتراف… كانت بتسمع وهي ساكتة… لحد ما دموعها نزلت… قالت “كنت خايفة من اليوم ده”… قلت “أنا مش خايفة… أنا عايزة حقي… وحقهم”… سكتت… وبعدين قالت “طب هتعملي إيه؟”… قلت “هروح له”… “لمين؟”… “الدكتور سامح”… الكلمة وقعت تقيلة… قالت بسرعة “لا… بلاش… الموضوع ده كبير”… قربت منها… ومسكت إيدها… “بابا مات وهو بيدور على الحقيقة… وأنا مش هسيبه يضيع”… بصتلي… وفي عينها خوف… بس كمان فخر… قالت بهدوء “أنا معاكِ”… الليلة دي… قعدت أدور على عنوان المستشفى بتاعه… لحد ما لقيته… مكان ضخم… معروف… كل حاجة فيه بتقول إنه ناجح…
بس أنا كنت شايفة وراه دم… الصبح… لبست هدومي… ووقفت قدام المراية… نفس السؤال رجع… أنا شبه مين؟… بس المرة دي… الإجابة كانت مختلفة… أنا شبه بابا… في إصراره… في عناده… في إنه ما سكتش… خرجت… وركبت تاكسي… وطول الطريق كنت ببص من الشباك… بفتكر كل حاجة… صوت بابا… ضحكته… حضنه… وكلمته “إنتي كل دنيتي”… دموعي نزلت… بس مسحتها… لما وصلت… وقفت قدام المستشفى… المبنى كان كبير… لامع… بس أنا كنت شايفة الحقيقة اللي مستخبية جواه… دخلت… وسألت في الاستقبال عن الدكتور سامح… الموظفة بصتلي وقالت “عندك ميعاد؟”… قلت بثقة “لا… بس هو مستنيني”… بصتلي باستغراب… بس كلمت السكرتارية…
وبعد شوية قالت “اتفضلي”… مشيت ورا الممرضة… قلبي بيدق بسرعة… لحد ما وقفت قدام باب مكتوب عليه اسمه… خبطت… وصوت من جوا قال “اتفضل”… فتحت الباب… دخلت… لقيت راجل في الخمسينات… لابس بدلة… قاعد ورا مكتب فخم… رفع عينه وبصلي… وقال “أقدر أساعدك؟”… قفلت الباب ورايا… وبصيت في عينه… وقلت جملة واحدة… “أنا بنت الست اللي ماتت عندك… وبنت الراجل اللي مات بعدها وهو بيدور على الحقيقة”… وشه اتجمد… والسكوت اللي حصل بعد كده… كان بداية حرب… مش نهايتها…
وشه اتجمد كأن الزمن وقف عند اللحظة دي… عينه رمشت ببطء…
وبعدين حاول يرجّع ملامحه لطبيعتها وقال بنبرة باردة “مش فاهم تقصدي إيه”… ابتسمت ابتسامة خفيفة بس وراها كل الغضب اللي جوايا وقلت “هفهمك… بس الأول… إنت فاهم كويس أنا مين”… سكت شوية… وبعدين قال “ناس كتير بتيجي هنا بقصص قديمة… لو عندك شكوى رسمي—”… قاطعته وأنا بقرب خطوة “أمي ماتت هنا… بسبب إهمال… والدكتور اللي كان مسؤول اعترف… وأبويا مات بعد ما قرب يوصل للحقيقة… والاسم اللي طلع في كل حاجة… اسمك”… الكلمة الأخيرة خرجت تقيلة… تقيلة لدرجة إني حسيت بيها في صدري قبل ما توصل له…
سند ضهره على الكرسي… وبصلي بنظرة مختلفة… نظرة فيها تقييم… فيها حسابات…
وبعدين قال بهدوء “وإنتي عايزة إيه دلوقتي؟”… السؤال ده كان غريب… بسيط… بس معناه عميق… سكت لحظة… وفهمت… هو متعود إن الناس تيجي تطلب فلوس… تعويض… تسوية… لكن أنا؟ أنا كنت جاية بحاجة تانية… قلت “عايزة الحقيقة… وعايزة حقي”… ضحك ضحكة قصيرة وقال “الحقيقة؟ الحقيقة مش بتفيد حد بعد السنين دي كلها”…
قربت أكتر… لدرجة إني بقيت قدام مكتبه مباشرة… وبصيت في عينه من غير خوف “بابا كان عنده دليل… راح يقابل حد… وبعدها مات… أنا عايزة أعرف كان رايح لمين”… هنا حصل التغيير الحقيقي… الملامح اللي كانت هادية اتشدت… عينه اتحركت بسرعة… وده كان كفاية…
عرفت إني لمست نقطة صح…
سكت شوية… وبعدين قال “أبوكي كان عنيد… زيادة عن اللزوم”… الكلمة دي خلت دمي يغلي… بس استحملت… قال وهو بيكمل “كان بيلف ويدور… وبيحاول يفتح موضوع اتقفل… وده كان خطر عليه”… قلت بسرعة “خطر من مين؟”… سكت… وبعدين قال جملة واحدة “من ناس أكبر منك ومني”…
هنا فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد دكتور أو مستشفى… شبكة… نفوذ… وسكوت متبادل… بس برضه… في حاجة ناقصة… قلت “هو كان رايح لمين؟”… سكت تاني… وبعدين فتح درج مكتبه… طلع ملف قديم… حطه قدامه… وبصلي وقال “أنا ماكنتش عايز الموضوع ده يرجع تاني…
بس واضح إنك مش هتسبي”…
فتح الملف… ولفه ناحيتي… “أبوكي كان رايح يقابل ممرضة… كانت شغالة وقتها… اسمها سلوى”… قلبي دق بسرعة… قال “هي الوحيدة اللي كانت مستعدة تتكلم… وكانت شايفة اللي حصل بعينها”…
قلت بسرعة “فينها دلوقتي؟”… سكت… وبعدين قال “اختفت”… الكلمة نزلت تقيلة… “اختفت؟”… قال “نقلت من المستشفى بعدها بفترة… وبعدها محدش سمع عنها حاجة”…
سكتنا… وأنا بفكر… كل الخيوط بتختفي… كل الناس اللي ممكن تقول الحقيقة… بتختفي…
بصيتله وقلت “إنت كنت جزء من ده؟”… سكت… وما ردش… وسكوته كان الإجابة…
لفيت وخرجت من المكتب… وأنا حاسة إن رجلي بتسحبني بالعافية…
بس عقلي كان شغال بسرعة… في اسم… سلوى… دي البداية الجديدة…
رجعت البيت… وماما كانت مستنياني بعين مليانة قلق… أول ما دخلت قالت “حصل إيه؟”… قلت “القصة أكبر مما كنا فاكرين”… وحكيت لها كل حاجة…
قعدت ساكتة شوية… وبعدين قالت “أنا فاكرة الاسم ده”… قلبي وقف “مين؟”… قالت “سلوى… كانت بتيجي البيت مرة مع أبوكي… قبل ما يموت… كانوا بيتكلموا كتير”…
وقفت فجأة “ليه ماقلتيش قبل كده؟”… قالت بحزن “كنت فاكرة إن الموضوع انتهى… وإن الكلام ده هيأذيك”…
قعدت جنبها… وقلت “لازم أوصل لها”…
فضلنا ندور أيام… على أي أثر… أي عنوان… أي رقم…
لحد ما بعد بحث طويل… لقيت حاجة… تسجيل قديم باسمها في عيادة صغيرة في محافظة تانية…
سافرت… لوحدي… الطريق كان طويل… بس جوايا كان في إحساس إن النهاية قربت…
وصلت العيادة… سألت عليها… واحدة من الموظفات بصتلي وقالت “هي مش بتيجي كتير… بس موجودة النهارده”…
قلبي كان هيقف…
خبطت على الباب… وصوت واطي قال “اتفضلي”…
دخلت… لقيت ست كبيرة… ملامحها فيها تعب سنين… بصتلي… وسكتت… وبعدين قالت بهدوء “إنتي بنتها”…
الكلمة دي كسرتني… قلت “أيوه”…
دموعها نزلت… وقالت “استنيت اليوم ده كتير”…
قعدت قدامها… وهي بدأت تحكي… “أمك ما ماتتش بس بسبب الإهمال…
كان في ضغط علينا نسرّع العملية… علشان حالة تانية مهمة… حد له نفوذ… والدكتور اتلخبط… والتأخير حصل”…
دموعي نزلت… “وبابا؟”…
قالت وهي بتبص في الأرض “أبوكي جه لي… وأنا وافقت أشهد… بس قبل ما نتقابل… اتبلغت إن في حد بيسأل عني… وخفت… وبعدها سمعت إنه مات”…
سكتت… وبعدين بصتلي وقالت “أنا كنت ناوية أتكلم… بس خوفت… سامحيني”…
مسكت إيدها… وقلت “إنتي بتتكلمي دلوقتي… وده كفاية”…
في اللحظة دي… حسيت إن الدائرة اتقفلت… الحقيقة ظهرت… مش كاملة… بس كفاية… كفاية أعرف إن بابا ماكنش مجنون… كفاية أعرف إن أمي ما راحتش هدر…
رجعت البيت…
ومعايا كل حاجة… شهادات… تسجيل… وكل اللي قدرت أجمعه…
رفعت قضية… وبدأت رحلة طويلة… صعبة… فيها مقاومة… وفيها ضغط… بس المرة دي… أنا ماكنتش لوحدي…
ماما كانت معايا… وسلوى وافقت تشهد…
وبعد شهور… الحكم طلع…
إدانة بالإهمال الجسيم… وفتح ملف وفاة بابا من جديد…
يمكن العدالة ما رجعتش اللي راح… بس رجعت الحقيقة…
وفي يوم… وقفت قدام قبر بابا… وحطيت الرسالة جنبه… وقلت له وأنا بابتسم وسط دموعي “أنا كملت يا بابا… زي ما طلبت”…
الهوا كان هادي… والشمس كانت دافية… ولأول مرة من سنين… حسيت إني مش تايهة…
أنا عرفت أنا مين…
أنا بنت الحقيقة… وبنت الراجل اللي ما سكتش… وأنا كملت طريقه… للنهاية.
