
جـدتي كـانت بتـخيط لعـب للأطفـال في دار أيتـام مـن هـدوم قـديمة وبعـد 10 سنـين، شـاب خبـط على بابنا وهو شايل واحدة منهم وقال:
“فضلت بدور عليكِ كل السنين دي… علشان لازم أديكي حاجة كنت محتفظ بيها ليكي.”
أنا اتربيت على إيد جدتي. من وأنا صغير، وهي دايمًا بتعلمني أكون طيب وأراعي غيري… وده بالظبط كان طبعها.
واحدة من أقرب صاحباتها كانت شغالة مشرفة في دار أيتام في شبرا. وفي مرة وهي بتحكي، قالت إنهم حتى مش لاقيين لعب كفاية للأطفال.
جدتي ما قدرتش تتجاهل الكلام ده.
ومع إنها ما كانش معاها فلوس كتير، بدأت تجمع هدوم قديمة — بناطيل جينز، قمصان، بلوفرات — وتقعد تخيط منها لعب مختلفة بإيديها.
في يوم رجعت من الجامعة، لقيتها مجهزة حوالي 40 لعبة ومحطوطين في سلة كبيرة.
روحنا سوا دار الأيتام، وبدأنا نوزع اللعب على الأطفال.
وأنا هناك، لفت نظري طفل عنده حوالي 9 سنين… فاكره كويس، لأن عينيه كانوا غريبة… كل عين بلون. كان هادي جدًا، بالكاد بيتكلم… بس أول ما مسك الدبدوب اللي جدتي عملته، فضل ماسك فيه ومسابهوش خالص.
عدت 10 سنين من اليوم ده…
وجدتي لسه زي ما هي، قلبها كبير وبتحب تعمل الخير.
بس للأسف، صحتها بقت أضعف… وبقت بالكاد تمشي، وأوقات بتتحرك بكرسي متحرك.
امبارح… سمعنا خبط على الباب.
فتحت… واتجمدت مكاني.
كان واقف قدامي شاب… ملامحه شبه الطفل اللي شوفناه زمان.
جدتي قربت بالكرسي ناحية الباب بسرعة كأنها حست بحاجة.
الشاب سلم علينا وعرّف نفسه:
“أنا اسمي جورج… قصدي… يوسف.”
وبعدين طلع من الشنطة نفس الدبدوب…
بص لجدتي مباشرة وقال:
“أنا بدوّر عليكِ من سنين… لازم أحكيلك حاجة. في حاجة فضلت محتفظ بيها طول الوقت ده…
ولازم ترجعلِك.”
إيدين جدتي بدأوا يترعشوا… وهو بيديها علبة قديمة…
وقال بهدوء تقيل:
“الحقيقة كلها عني جوه العلبة دي…
ولازم تعرفي إيه اللي حصل يوم ما جيتوا دار الأيتام من 10 سنين…”
…
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
العلبة كانت قديمة فعلا لونها باهت كأنها عدت على سنين طويلة من غير ما حد يفتحها يوسف كان واقف قدامنا وإيده ممدودة وعيونه فيها حاجة غريبة مزيج بين خوف وراحة كأنه وصل أخيرًا للمكان اللي بيدور عليه جدتي مدت إيديها المرتعشة واستلمت العلبة وأنا كنت واقف جنبها حاسس إن اللحظة دي أكبر مننا كلنا
فتحت العلبة ببطء شديد كأنها خايفة من اللي جواها أكتر من شوقها تعرف الحقيقة أول حاجة ظهرت كانت ورق
قديم متطوي بعناية ومعاه صورة باهتة لطفل صغير شايل دبدوب بنفس الشكل اللي يوسف ماسكه
جدتي شهقت شهقة خفيفة وإيديها زادت رعشة وأنا قربت أشوف الصورة كويس الطفل كان واقف في نفس المكان اللي روحنا له زمان في دار الأيتام لكن اللي شدني مش المكان ولا الدبدوب اللي شدني كان نظرة الطفل نفس النظرة اللي شفتها في عيون يوسف دلوقتي
يوسف بدأ يتكلم وصوته هادي بس تقيل أنا عارف إنكم مش فاهمين حاجة بس لازم تعرفوا الحقيقة كاملة لأن اليوم اللي جيتوا فيه دار الأيتام غير حياتي كلها
سكت لحظة كأنه بيجمع نفسه وبعدين كمل أنا اسمي الحقيقي
مش يوسف أنا اسمي كريم وأنا اتولدت في بيت عادي جدًا بس حياتي اتقلبت وأنا عندي سبع سنين والدي توفى وأمي مقدرتش تتحمل المسئولية سابتني عند قرايب بعيدين وبعد فترة قصيرة اتسلمت لدار الأيتام
جدتي كانت بتسمع وهي مش قادرة تبعد عينيها عنه وأنا حسيت إنها بدأت تربط بين حاجات قديمة في دماغها
كريم كمل وقال اليوم اللي جيتوا فيه كان قبل ما يحصل حاجة كبيرة في حياتي أنا كنت طفل هادي ومش بتكلم كتير لأن محدش كان بيسمع أصلا بس لما خدت الدبدوب من إيدك يا ست الكل حسيت لأول مرة إن في حد شافني بجد
صوته
بدأ يهتز وهو بيكمل وبعد ما مشيتوا حصل حــ,,ـــــريق في جزء من الدار كان بسيط بس عمل ارتباك كبير والأطفال اتنقلوا بسرعة لمكان تاني في وسط الزحمة دي اتبدلت أوراق كتير واتلخبطت الأسماء وأنا كنت واحد من الأطفال اللي بياناتهم ضاعت
بصيت له بدهشة وقلتله يعني إيه ضاعت قال يعني بقيت طفل من غير أصل رسمي من غير اسم ثابت من غير أي حاجة تثبت أنا مين
كريم بص لجدتي وقال لكن الحاجة الوحيدة اللي فضلت معايا كانت الدبدوب ده كنت نايم وأنا حــ,,ـــــضنه ولما صحيت في المكان الجديد كنت لسه ماسكه فضلت معايا سنين طويلة وكان هو الدليل
الوحيد إن في حد في يوم من الأيام عاملني بحب
جدتي كانت بتعيط من غير صوت دموعها بتنزل بهدوء على وشها وأنا لأول مرة أشوفها بالحالة دي
كريم كمل وقال وأنا كبرت وأنا بدور على أي خيط يرجعني لأصلي أو حتى يفهمني أنا جيت منين وفي يوم وأنا بنضف الدبدوب حصل حاجة غيرت كل حاجة
فتح إيديه وطلع من جيب الدبدوب القديم ورقة صغيرة جدًا متخبية في الخياطة
قلبي دق بسرعة وأنا بشوفها قال دي كانت مستخبية جوه الدبدوب أنا لقيتها بالصدفة بعد سنين طويلة
جدتي قربت أكتر وهي بترتعش وكأنها عارفة الورقة دي
كريم
فتح الورقة بحذر وبدأ يقرا بصوت واضح كانت كلمات بسيطة بخط إيد قديم مكتوب فيها لو حد لقى اللعبة دي يبقى الطفل ده محتاج حب مش صدقة
جدتي غمضت عينيها وبكت بصوت مسموع لأول مرة وقالت أنا اللي كتبت الجملة دي
سكت المكان لحظة وكأن الزمن وقف
كريم ابتسم ابتسامة حزينة وقال أنا عارف علشان كده دورت عليكي كل السنين دي
بصيت له باستغراب وقلتله بس ده مش يثبت إنك تعرفنا قال صح بس لما دورت أكتر وسألت في الدار القديمة وبعد ما وصلت لصاحبة جدتك عرفت إن الست اللي كانت بتخيط اللعب دي كانت ساكنة هنا
بص لجدتي وقال أنا مش جاي أرجع حاجة أنا جاي أشكرك لأن الجملة دي غيرت حياتي
قرب خطوة وكمل أنا طول عمري فاكر إني حد مش مهم بس الكلمة دي خلتني أحاول أبقى شخص يستاهل الحب اللي اتكتب لي من غير ما حد يعرفني
بصيت له وسألته وصلت لإيه
ابتسم وقال بقيت دكتور نفسي وبشتغل مع الأطفال اللي زيي اللي محدش سامعهم
جدتي بصت له بذهول وفخر كأنها شايفة نتيجة حاجة عملتها من سنين طويلة من غير ما تتوقع
كريم مد إيده بالدبدوب وقال أنا فضلت محتفظ بيه علشان يفضل فاكرني أنا كنت مين بس دلوقتي
حاسس إني لازم أسيبه عندك لأنه بدأ معاك
جدتي هزت راسها وقالت لا خليه معاك ده شاهد على رحلتك
سكت شوية وبعدين قالت بس عندي طلب
كريم بص لها باهتمام قالت أنا عايزة أزور المكان اللي بقيت فيه وتخليني أشوف الأطفال اللي بتساعدهم
ابتسم وقال ده شرف ليا
في اللحظة دي حسيت إن الدائرة اتقفلت بطريقة غريبة جميلة حاجة بدأت بلعبة صغيرة من هدوم قديمة انتهت بحياة كاملة اتغيرت
بعد أيام روحنا معاه المركز اللي بيشتغل فيه وكان مليان أطفال نفس النظرة القديمة بس المرة دي في أمل أكبر في عيونهم
جدتي كانت قاعدة
بينهم بتحكي وتضحك وبتعلمهم يخيطوا لعب صغيرة وأنا واقف بعيد بتفرج وحاسس بفخر عمري ما حسيت بيه قبل كده
كريم قرب مني وقال جدتك غيرت حياتي من غير ما تعرف
بصيت له وقلتله وهي غيرت حياتي أنا كمان كل يوم
رجعت البيت في اليوم ده وأنا فاهم حاجة واحدة بس إن أبسط فعل خير ممكن يعيش سنين طويلة ويغير مصير إنسان بالكامل
وفي آخر الليل وأنا بعدي جنب أوضة جدتي لقيتها نايمة بهدوء والدبدوب جنبها على الكرسي كأنه حارس الذكريات
ابتسمت وقولت لنفسي يمكن إحنا بنفتكر إن الخير حاجة صغيرة بتتنسى
بس الحقيقة إن الخير…
عمره ما بيروح
النهاية 🔻✨
