Advertisements
Advertisements
منوعات

نصف راجل حكايات اسما

Advertisements

والداي كـانوا بيقولوا على جـوزي “نـص راجـل” لمـدة اتنـاشر سنـة… بـس لمـا الدنـيا دارت بيهم وجُم يطلبوا منه فلوس، شرطه الوحيد قـلب المـوازين كلها…أنا اسمي ريم، وجوزي اسمه كريم.
لحد النهارده، مش قادرة أنسى شكل أمي في فرحي… الابتسامة اللي كانت مرسومة على وشها كانت مجاملة باردة، ووراها نظرة خجل كأنها شايفة جوازي “غلطه”…
كريم عنده قِصر قامة (أكوندروبلاسيا)… لكن بالنسبة لي، كان أطول راجل شُفته في حياتي بقلبه وأخلاقه.
أما أهلي؟ كانوا شايفينه وصمة..
كانوا بيقصّوه من الصور العائلية… يتريقوا عليه من وراه…

وحتى في الفرح، أبويا وهو بيهزر قدام الناس، قال جملة لحد النهارده بتوجعني: يا ترى عيالهم هيوصلوا لطاولة السفرة ولا لأ؟
الناس ضحكت… وأنا قلبي اتكسر.
عدت سنين… وأنا بحاول أوازن بين جوزي وأهلي، لحد ما في يوم قررت أبعد.
مش قطيعة كاملة… بس مسافة كفاية تحميني من الإهانة اللي كانت بتتكرر.
الغريب؟ إن كريم عمره ما رد عليهم…ولا مرة رفع صوته… ولا حتى حاول يثبت لهم حاجة..كان ساكت… وبيشتغل… وبيكبر… واحدة واحدة.
لحد ما بقى عنده شركته… ونجح نجاح محدش فيهم كان يتخيله…وبعدين… الدنيا لفت.
شغل أبويا وقع… استثماراتهم خسرت…

والفلوس اللي كانوا بيتفاخروا بيها راحت…وفجأة… بقوا هما اللي محتاجين.
الثلاث اللي فات، خبطوا على باب بيتنا.
كانوا لابسين شيك… بيتكلموا بهدوء… بس القلق باين في كل حركة…مجمـوش علشان يصلحوا اللي فات…
جم علشان يطلبوا 20 ألف دولار ينقذوا بيها شقتهم من البيع…أنا كنت واقفة مش عارفة أقول إيه… جزء مني عايز يرفض، وجزء تاني لسه شايل بقايا بنتهم جوايا.
كريم، بهدوءه المعتاد، رحب بيهم…
عمل لهم شاي… سمع كلامهم كله من غير مقاطعة…
وبعدين قام دخل مكتبه.
رجع بعد دقايق… وفي إيده شيك بمبلغ وقدره.
عين أمي وسعت… ومدّت إيدها تاخده فورًا.

بس كريم مسك الشيك بلطف… وابتسم ابتسامة هادية.
وقال:
“الفلوس دي ليكم… دلوقتي حالًا… بس بشرط واحد.”
الجو سكت تمامًا.أنا حسيت بدقات قلبي في وداني.
أبويا بلع ريقه وقال بصوت مهزوز:
“شرط إيه؟”
كريم بصّ لهم… نفس النظرة الهادية اللي عمره ما غيرها…
وقال:
“الشرط بسيط…..
عايز أسمعكم تقولوا قدام ريم… وقدام نفسكم… إنكم غلطتوا في حقي…
وإنكم تعتذروا… مش ليا بس… ليها هي كمان… على كل مرة جرحتوها علشاني.”
الكلمات نزلت تقيلة.
أمي بصّت في الأرض…
أبويا اتجمد مكانه… كأنه لأول مرة يشوف الحقيقة قدامه.

الدقايق عدّت ببطء قاتل…
وأنا واقفة، مش مصدقة إن اللحظة اللي استنيتها سنين… جات بالشكل ده….
اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق.. واهدِ نفوسنا لما يرضيك ووسّع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريم
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
سكت البيت كله كأن الزمن وقف فجأة… حتى صوت الساعة اللي على الحيطة اختفى، أو يمكن أنا اللي مبقتش سامعاه من كتر التوتر.
أمي كانت أول واحدة تتحرك… رفعت عينيها ببطء، بس ما بصّتش لكريم… بصّت لي أنا. نظرة مليانة حاجات كتير…

كأنها بتستغيث، أو يمكن بتعاتبني أنا بدل ما تعاتب نفسها. لكني المرة دي ما قدرتش ألين… جوايا سنين طويلة من الكتمان كانت بتتكلم.
أبويا حاول يتمالك نفسه، عدّل من وقفته وقال بنبرة فيها بقايا كرامة: “يعني إيه نعتذر؟ هو إحنا عملنا إيه لكل ده؟ ده هزار وكان بيعدي!”
كريم ما اتغيرش… نفس الهدوء، نفس الثبات. قال بهدوء: “الهزار اللي بيكسر حد مش هزار… واللي بيعدي عليك ممكن يكون بيفضل سنين جوا غيرك.”
أنا حسيت إن الكلام ده اتقال ليا أنا كمان… كأنه بيعترف بوجعي قدامهم لأول مرة، من غير ما يحرجني.
أمي بدأت تتكلم، صوتها كان ضعيف:

“يا كريم… اللي فات مات… وإحنا جايين نفتح صفحة جديدة… مش لازم نرجع لكل حاجة قديمة.”
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة، وقال: “أنا مش بفتح حاجة قديمة… أنا بقفلها. ومش هتقفل غير باعتذار.”
الكلمة كانت واضحة… صريحة… ومفيهاش مجال للهروب.
أنا قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة… جزء مني كان عايز يقول لكريم خلاص، سيبهم… ادينا الفلوس وخلاص… وجزء تاني كان لأول مرة حاسس إن حقي بيترد.
أبويا بص لي بنظرة مباشرة: “إنتِ موافقة على الكلام ده؟”
السؤال ده رجعني سنين لورا… لما كنت دايمًا بحاول أرضيهم… أبرر لهم… أقول يمكن هما صح وأنا غلط… لكن المرة دي…

لأ.
خدت نفس طويل، وقلت بصوت هادي: “أنا موافقة… لأن ده أقل حاجة تتقال بعد كل اللي حصل.”
الكلمة خرجت مني تقيلة… بس أول ما خرجت، حسيت بحاجة بتتفك جوايا… كأن عقدة قديمة بدأت تتحل.
أبويا اتوتر… بدأ يمشي في المكان خطوتين ويرجع… واضح إنه بيحارب نفسه. أما أمي… دموعها بدأت تنزل في صمت.
الدقايق بقت تقيلة جدًا… لحد ما فجأة، أمي قالت بصوت مكسور: “أنا آسفة.”
كلنا بصّينا لها.
كملت وهي بتبص لكريم لأول مرة بجد: “أنا غلطت في حقك… ظلمتك… واتريقت عليك… من غير ما أشوف قلبك ولا رجولتك… وآسفة كمان يا ريم…

لأني جرحتك بسبب ده.”
دموعي نزلت من غير ما أحس… الكلمة اللي استنيتها سنين… أخيرًا اتقالت.
بصّيت لكريم… لقيته هادي زي ما هو… بس في عينه لمعة خفيفة.
أبويا فضل ساكت شوية… واضح إن الموضوع أصعب عليه. كرامته كانت واقفة قدامه زي حيطه… بس في الآخر، الدنيا لما بتضغط، بتكسر أي حيطه.
وقف قدام كريم وقال بصوت تقيل: “أنا… يمكن كنت قاسي… ويمكن كنت شايف نفسي صح… بس دلوقتي… شايف إني غلطت.”
سكت لحظة، وبعدين كمل: “أنا آسف يا كريم… وآسف يا ريم.”
اللحظة دي كانت غريبة جدًا… مش انتصار… ولا شماتة… كانت حاجة تانية…

راحة يمكن.
كريم ساعتها بس مد إيده بالشيك وقال: “كده الشرط اتحقق.”
أبويا أخد الشيك بإيد مرتعشة… وأمي فضلت تبص لنا كأنها مش مصدقة إن كل ده حصل.
قعدوا شوية بعدها… كلام بسيط… رسمي… مفيهوش توتر زي الأول… بس برضه مفيهوش دفء كامل. العلاقات مش بتتصلح في لحظة… حتى لو الاعتذار حصل.
بعد ما مشيوا… الباب اتقفل… والبيت رجع هادي.
بصّيت لكريم وقلت: “أنا مش عارفة أقولك إيه.”
ابتسم وقال: “ولا حاجة… أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.”
قربت منه وقعدت جنبه: “كنت ممكن تديهم الفلوس وخلاص… ليه الشرط ده؟”
بص لي وقال:

“علشانك… مش علشاني. أنا عديت… بس إنتِ لأ.”
الكلمة دي خبطت في قلبي جامد… لأنه كان فاهمني أكتر مما أنا فاهمة نفسي.
كملت وأنا بصوت مبحوح: “كنت فاكرة إني نسيت… أو اتعودت.”
قال: “الوجع اللي بيتسكت عليه مش بيروح… بيستخبى بس.”
سكتنا شوية… بس السكوت المرة دي كان مريح.
عدت أيام… وأهلي بدأوا يتواصلوا تاني… بس بشكل مختلف. مفيش هزار سخيف… مفيش تقليل… في احترام… يمكن متأخر… بس موجود.
أمي بقت تكلم كريم بنفسها… تسأله عن شغله… تمدحه… حتى لو بحذر.
وأبويا… بقى ساكت أكتر… بس نظرته اتغيرت… بقى يشوفه بجد… مش من فوق.

وفي يوم… كنا متجمعين عندهم… حاجة بسيطة… قعدة عائلية.
وأبويا وهو بيحط الأكل على السفرة… بص لكريم وقال: “تعالى يا كريم… المكان ده ليك.”
جملة بسيطة… بس بالنسبة لي كانت فرق سنين.
افتكرت يوم الفرح… والجملة اللي كسرتني… وقارنتها باللحظة دي… وحسيت إن الدائرة اتقفلت.
كريم قعد بهدوء… كأنه مش مستني اعترافات ولا تصفيق… هو بس كان عايش بطبيعته… وده كان كفاية.
بعدها بشهور… الأمور استقرت أكتر… وأهلي بدأوا يقفوا على رجليهم تاني… مش بسبب الفلوس بس… لكن يمكن بسبب الدرس اللي اتعلموه.
وأنا… لأول مرة من سنين… حسيت إني مش ممزقة بين طرفين… لا…

أنا واقفة في نص أرض ثابتة.
في ليلة هادية… كنت قاعدة مع كريم في البلكونة… بشرب شاي زي عادته.
قلت له: “فاكر يوم ما جم عندنا؟”
ابتسم وقال: “أنسى؟”
ضحكت: “أنا كنت مرعوبة… كنت فاكرة الموضوع هيقلب خناقة.”
قال: “وأنا كنت عارف إنه هيقلب… بس مش خناقة… حقيقة.”
بصّيت له وسألته: “إنت عمرك زعلت منهم بجد؟”
فكر شوية وقال: “زعلت… آه… بس مش علشان كلامهم… علشانك إنتِ… كنت شايفك بتتوجعي ومش عارف أعمل إيه.”
حطيت إيدي في إيده وقلت: “دلوقتي عرفت.”
ابتسم وقال: “الحمد لله.”
بصّيت للسما…

وافتكرت كل اللي عدينا بيه… قد إيه الألم ممكن يتحول لدرس… وقد إيه الصبر ممكن يغير ناس.
يمكن أهلي اتأخروا… بس في الآخر وصلوا.
ويمكن أنا اتوجعت… بس اتعلمت.
واتعلمت أهم حاجة… إن القيمة مش في الشكل… ولا في رأي الناس… القيمة في القلب… وفي المواقف… وفي الإنسان الحقيقي.
وكريم… كان دايمًا إنسان حقيقي.
ومش “نص راجل” زي ما كانوا بيقولوا…
كان راجل كامل… يمكن أكتر من كتير غيره.
والنهارده… لما ببص له… بحس إني اخترت صح… حتى لو الدنيا كلها كانت ضدي وقتها.
وأهلي؟ يمكن اتعلموا الدرس متأخر… بس المهم إنهم اتعلموه.

والحياة… كملت.
بس المرة دي… بسلام أكتر… ووجع أقل… وقلب أهدى.
والدعاء اللي كنت بقوله زمان… حسيت إنه اتحقق فعلًا:
اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق… واهدِ نفوسنا لما يرضيك… ووسع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريم.
النهاية… أو يمكن بداية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!