
دخلت شـايلة صينية قهـوة، سمـعت مرات ابنـها بتقـول: اها.. دي واحده شغاله عندن مش أكتر… وقتها اتصدمت لكنها ماكنتش تعرف إن ابنها في نفس اللحظة كان داخل، ومعاه حقيقة أسوأ بكتير…من اللي سمعته
” دي مش من العيلة… دي ست بتساعدنا في البيت… وبصراحة بطيئة شوية كمان.”
ده اللي قالته مريم قدام صاحباتها، وهي ماسكة كوباية عصير بإيدها، وأنا واقفة شايلة صينية القهوة… انا اسمي سعاد… بس في البلد كانوا بينادوني “سوسو”.
بقيت أم وأنا عندي 17 سنة… وقتها كنت لسه بتعلم أواجه الدنيا لسه.
أبو ابني، أحمد، سافر الخليج وقاللي إنه هيرجع ومعاه فلوس علشان يعمل لنا حياة… بس ما رجعش… ولا حتى بعت جنيه واحد.
ومن يومها فهمت إن انا بقيت لابني اب وام … ايدي اتجرحت… وظهري اللي اتكسر من الشغل…
غسلت هدوم ناس… بعت أكل على الرصيف… نظفت بيوت ناس ماكانوش حتى بيبصوا في وشي…
أحمد كبر وهو شايفني بخرج قبل الفجر… وبرجع وأنا ريحتي كلور وتعب… بس عمره ما اشتكى…
كان ولد طيب… بيذاكر في كراسات قديمة… وجزمته متخيطة… وبرضه كان دايمًا الأول.
لما أخد منحة ودرس هندسة في القاهرة…
حسيت إن ربنا عوضني عن كل دمعة.
وبعد سنين، لما اشتغل في شركة كبيرة، قاللي: “خلاص يا أمي… دورك ترتاحي.”
وصدقته…لحد ما دخلت مريم حياتنا.
كانت حلوة… شيك… من النوع اللي يتكلم بهدوء بس يخلي اللي قدامه يحس إنه أقل منه دايما..
جاية من عيلة غنية وكلمة “ده شعبي أوي” عندها زي النفس.
أحمد حبها بسرعة… وأنا، عشان أشوفه مبسوط، استقبلتها بكل حب.
في الأول حاولت أقرب منها…عملتلها كل حاجه بطريقتي البسيطه اللي اعرفها علشان اقرب منها…محشي… ملوخية… قهوة مظبوطة.
كانت تكشّر وتطلب أكل من الأبلكيشن.. وتقول ايه الارف دا..
قدام أحمد تقوللي “طنط سعاد” بابتسامة مصطنعة…
وأول ما يمشي، تسيب البيت مقلوب… وأوامرها تطلغ في شكل طلبات.
في يوم سبت، قررت تعمل عزومة لصاحباتها.طلبت مني “أساعدها” عشان عايزة تبان بشكل كويس…فضلت طول اليوم في المطبخ… عملت فطاير… كيكة… عصير… قهوة …بصت للسفرة وقالت بهمس: “ايه ده شكله زي أكل فرح شعبي.”
ومع ذلك… كلوا كل حاجة…لما صاحباتها جم، نادتني بإشارة من إيدها.
دخلت بالصينية… وواحدة فيهم سألت: “دي مين؟”
مريم ابتسمت وقالت: “حماتي… بس يعني… ست عايشة معانا شفقة من أحمد. ما تاخدوش في بالكم… جاية من الأرياف.” الكلام وقع عليا زي سكينة…
من غير صوت…وفي اللحظة دي…باب الشقة اتفتح ورايا…الصمت نزل على المكان كله…
صوت كعب جزمة أحمد على الأرض كان واضح… تقيل… وغاضب.
بصّ على كل واحدة فيهم… وبعدين بصّ على أمه…
شافني وأنا واقفة بالصينية… وإيدي بترتعش… وعيني فيها دموع محبوسة.
قال بصوت هادي… بس أخطر من أي صريخ:
تفتكروا طبيعي هيقف مع مين ؟؟
لايـك و سيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد..
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
حكـايات أسمـا السيـد
قال بصوت هادي… بس أخطر من أي صريخ: “حد يشرحلي… مين الست اللي عايشة هنا شفقة؟” الصمت اتخنق في المكان… ولا واحدة فيهم عرفت ترد… مريم اتجمدت مكانها… إيدها بتترعش وهي لسه ماسكة الكوباية… وأنا واقفة مش قادرة أبص له في عينه… حاسة إني انكشفت قدام ابني… مش بالكلام اللي اتقال عليا… لكن بوجعي اللي حاولت أخبيه سنين… أحمد قرب خطوة… وبعدين حط عينه في عين مريم وقال: “أنا سألت سؤال واضح” مريم حاولت تبتسم وقالت بصوت مهزوز: “أحمد…
إحنا كنا بنهزر…” ضحك ضحكة قصيرة من غير روح وقال: “الهزار اللي فيه كرامة الناس… مش هزار” وبعدين بص لي وقال بنبرة اهدى: “ماما… حطي الصينية وتعالي اقعدي” إيدي كانت بتترعش… حطيت الصينية على الترابيزة وقعدت على الكرسي كأني أول مرة أقعد في بيتي… صاحبات مريم بصوا لبعض… فيهم اللي حاولت تقوم تمشي… وفيهم اللي نزلت عينيها في الأرض… أحمد لف عليهم وقال: “اللي عايزة تمشي تتفضل… بس قبل ما تمشوا… أحب أوضح حاجة” واحدة فيهم قالت بسرعة: “لا لا يا أحمد… احنا…” قاطعها بإيده وقال: “الست دي… مش شغالة… دي أمي… واللي أنا فيه ده كله… بسببها…
مش بسبب حد تاني” مريم قالت بعصبية مكبوتة: “وأنا عملت إيه يعني؟! ما قولتش حاجة غلط… هي فعلاً بتساعد في البيت!” أحمد قرب منها أكتر… وقال بهدوء مرعب: “هي بتساعد؟! هي اللي عملت البيت ده… قبل ما انتي حتى تعرفي عنوانه” الجو اتكهرب… مريم قامت واقفة وقالت: “أحمد انت مكبر الموضوع…” قالها وهو ثابت: “أنا لسه ما بدأتش أكبره” وبعدين سكت لحظة… وبص في وشوشهم كلهم وقال: “أنا جاي النهارده بدري عشان أقول خبر… بس واضح إن توقيته جه في وقته” قلبي دق… حسيت إن في حاجة جاية… حاجة أكبر… أحمد كمل: “الشركة اللي بشتغل فيها… نقلتني فرع تاني…
وهسافر بره مصر” مريم عينيها لمعت وقالت بسرعة: “بجد؟! فين؟” قال: “كندا… عقد خمس سنين” صاحباتها بدأوا يهمسوا بإعجاب… بس هو رفع إيده وسكتهم وقال: “والسفر بعد شهر… بس أنا واخد قرار” مريم ابتسمت بثقة وقالت: “طبعًا أنا معاك” سكت لحظة… وبعدين قال: “لا… مش انتي” الصدمة خبطت المكان… مريم صوتها طلع عالي: “يعني إيه مش أنا؟!” قال بهدوء: “يعني أنا مسافر أنا وأمي” حسيت إن الدنيا بتلف… بصيت له بذهول: “أنا؟!” قال وهو بيبصلي بحنية: “أيوه يا ماما… الدور جه عليكي تعيشي… مش تشتغلي” مريم فقدت أعصابها: “انت بتهزر؟! هتسيب مراتك وتسافر مع أمك؟!” قالها ببرود:
“اللي ما تعرفش قيمة أمي… ما ينفعش تكمل معايا” سكتت لحظة… وبعدين قالت بتحدي: “طب وأنا؟!” قال: “إحنا هننفصل” الكلمة وقعت تقيلة… حتى أنا اتخضيت… قلت بسرعة: “يا ابني… ما تعملش كده… الجواز مش لعبة” بص لي وقال بهدوء: “أنا ما بهدمش بيت… أنا بحميه من حد مش شايفه بيت أصلاً” مريم كانت بتبكي دلوقتي… بس دموع فيها غضب أكتر من ندم: “عشان كلمة؟! هتطلقني؟!” قال: “مش كلمة… دي طريقة… دي نظرة… ودي حاجة أنا مش هقبلها طول عمري” واحدة من صاحباتها قامت وقالت: “إحنا نمشي أحسن” والباقي خرجوا بسرعة… المكان فاضي فجأة… مفيش غيرنا… أنا… وابني…
ومراته اللي بقت غريبة فجأة مريم قالت بصوت مكسور: “أحمد… أنا بحبك” قال بهدوء: “الحب مش كلمة… الحب احترام” وسكت… وأنا قلبي بيتشد من كل ناحية… بين ابني… وبين ست مهما كان… كانت مراته… قلت له: “ادّي فرصة يا ابني… يمكن تتغير” بص لي وقال: “اتغيرت لما كنت مش شايف… دلوقتي أنا شايف” مريم قعدت على الكرسي… ووشها اتبدل… كأنها أول مرة تفهم إنها خسرت مش بس جوزها… لكن مكانها كله في البيت ده… الأيام اللي بعد كده كانت تقيلة… مريم حاولت تقرب… تساعد… تتكلم… بس أحمد كان هادي… محترم… بس بعيد… وأنا كنت واقفة في النص…
مش عايزة أكون سبب في خراب بيت… ولا قادرة أنسى اللي حصل… في يوم لقيتها داخلة عليا المطبخ… لأول مرة من غير ميك أب… ومن غير تكبر… وقالت: “طنط… لا… يا ماما… أنا آسفة” الكلمة خبطتني… “يا ماما”… قالتها بصوت صغير… مكسور… كملت: “أنا عمري ما اتربيت أشوف الناس زيك… أنا كنت شايفة نفسي أحسن… بس الحقيقة… إني أنا اللي كنت أقل” دموعي نزلت… مش عارفة أصدق ولا لا… قالت: “أنا مش عايزة أخسر أحمد… ولا أخسرك” سكتت… وبعدين قالت: “أنا مستعدة أتعلم… بس ادّوني فرصة” قلبي اتشد… يمكن دي أول مرة أشوفها بجد… مش القشرة اللي كانت عايشة فيها…
دخل أحمد في اللحظة دي… وسمع آخر كلامها… وقف ساكت… بص لنا… وبعدين قال: “الفرص بتتاخد بالفعل… مش بالكلام” مريم مسحت دموعها وقالت: “اديني فرصة أثبتلك” سكت… وأنا حاسة إن اللحظة دي ممكن تغيّر كل حاجة… أحمد قرب… وبص لها وقال: “هديكي فرصة… بس مش عشانك… عشان أنا مش عايز أندم إني ما جربتش” بص لي وقال: “ومش هسافر غير لما أكون متأكد إن البيت ده بقى فعلاً بيت” الأيام اللي بعد كده كانت اختبار… مريم بدأت تتغير بجد… مش تمثيل… بقت تدخل المطبخ معايا… تسأل… تتعلم… مرة حرقت الأكل… وضحكت على نفسها… مرة اتعورت… وأنا ضمدتلها إيدها… وقالت لي:
“هو ده اللي كنتي بتعمليه لوحدك؟” هزيت راسي… وبصت لي بنظرة مختلفة… احترام… حقيقي المرة دي أحمد كان بيراقب… من بعيد… من غير ما يتكلم… وفي يوم… رجع بدري… ولقانا إحنا الاتنين بنضحك في المطبخ… وقف على الباب… وسكت… نفس اللحظة اللي دخل فيها قبل كده… بس الفرق إن المشهد اتغير… بص لي… وبعدين بص لها… وقال بهدوء: “واضح إن في أمل” مريم بصت له وقالت: “مش أمل… ده بداية” وأنا… لأول مرة من سنين… حسيت إن البيت ده بقى دافي بجد… مش بس جدران… لكن قلوب اتعلمت تتواضع… وتحب… وتبدأ من جديد
تابع معايا _ حكـايات أسمـا السيـد

