
لأول مرة من أيام… الهواء دخل… صوت الشارع طلع… عربيات… ناس… حياة… افتكرت كلامه… “افتحي الشبابيك… واسمعي صوت الشارع”… ابتسمت… رغم الدموع… وقولت بصوت واطي كأنه سامعني “حاضر… هحاول”… الأيام اللي بعد كده ماكانت سهلة… كل ركن فيه حكاية… كل حاجة فيه أثره… بس الرسالة كانت بتشتغل جوايا زي نور صغير… لما أضعف… أفتكر إنه اختار يعيش آخر أيامه معايا بحب مش بشفقة… لما أزعل… أفتكر إنه ماكانش عايز يشوف الخوف في عيني… لما أفتقده… أفتكر إنه قال إنه مش سايبني… بس سابقني… بعد أسبوع… خرجت… لوحدي… مشوار بسيط… مطعم صغير كنا بنحبه… دخلت… وقفت لحظة… وبعدين مشيت لنفس الطاولة… وقعدت…
وبشكل تلقائي… اخترت الكرسي اللي ناحية الشارع… نفس الكرسي بتاعه… حسيت بغصة… بس كمان حسيت بدفء… كأنه فعلاً قاعد هناك… طلبت نفس الأكل… نفس الطلب… وبصيت للشارع… الناس رايحة جاية… الحياة ماشية… وأنا جزء منها… مش واقفة براها… مسكت الكوباية بإيدي… وابتسمت ابتسامة صغيرة… مش كاملة… بس بداية… وقلت في سري “أنا لسه هنا… وهعيش… علشانك… وعلشاني”… وفي اللحظة دي… فهمت الرسالة بجد… مش بس الكلمات… لكن اللي وراها… الحب اللي اختار يحميني حتى من وجعه… واللي سايبلي وراه القوة إني أكمل… لوحدي… بس مش وحيدة… أبداً مش وحيدة.
رجعت البيت بعد اليوم ده وكنت شايلة إحساس غريب…
مش راحة كاملة ولا وجع كامل… حاجة بينهم… حاجة اسمها بداية من غير ما تبقى جاهزة ليها… قفلت الباب ورايا وبصيت حواليا… نفس الصمت بس المرة دي مش بيخوفني زي قبل… كان صمت فيه ذكرى… فيه صوت خافت بيقوللي إن المكان ده لسه فيه حياة حتى لو صاحبه مش موجود… دخلت أوضة جريج تاني… مش علشان أعيط… لكن علشان أدور على اللي قال عليه في الرسالة… قعدت على الأرض جنب المكتب وفتحت الصندوق تاني… بس المرة دي عيني كانت بتدور على حاجة محددة… حاجة حسيت إنه مخبيها لسبب أكبر من مجرد وداع… قلّبت في الورق… في الصور… في التذاكر القديمة…
لحد ما لقيت ظرف صغير ماخدتش بالي منه قبل كده… كان متخبي تحت الصور… مكتوب عليه بخطه: “لما تكوني جاهزة تعرفي أكتر”… الكلمة دي لوحدها خلت قلبي يدق بسرعة… “أكتر”؟ هو إيه اللي أكتر من ده كله؟ فضلت باصة للظرف شوية… كأني خايفة أفتحه وأرجع لنقطة وجع جديدة… بس في نفس الوقت… الفضول كان أقوى… فتحت الظرف بإيد بترتعش… لقيت جواه مفتاح صغير… ومعاه ورقة تانية… فتحتها… نفس الخط… نفس الهدوء… “عارف إنك دلوقتي عندك أسئلة… وحقك تسألي… في مكان صغير كنت بروحه لوحدي… مكان كنت بجمع فيه أفكاري… ومكنتش عايز أزعجك بيه… العنوان موجود في الملف الأزرق… والمفتاح ده ليه…
لو حبيتي تروحي… بس روحي لما تكوني قوية كفاية تسمعي باقي الحقيقة”… كلمة “باقي الحقيقة” رجعت توتر في صدري… يعني لسه في حاجة؟ لسه في حاجة ماعرفهاش؟ قومت بسرعة وفتحت الدرج تاني… دورت على الملف الأزرق… لقيته في الآخر… فتحته… عنوان مكتوب بخط إيده… مكان بعيد شوية عن البيت… منطقة هادية… أول مرة أشوف العنوان ده… عمري ما سمعته منه… قعدت على الكرسي وفضلت باصة للعنوان… جزء مني كان بيقوللي كفاية… كفاية اللي عرفتيه… وجزء تاني بيقوللي لأ… لو وقفتي هنا… عمرك ما هترتاحي… فضلت على الحالة دي لحد ما الليل دخل… وبعدين من غير ما أخد قرار واضح…
لقيت نفسي بلبس وباخد شنطتي… والمفتاح في إيدي… كأني ماشية ورا إحساس مش فاهمته بس واثقة فيه… ركبت العربية… الطريق كان هادي… أنوار الشوارع قليلة… وكل ما أقرب… قلبي يدق أسرع… وصلت العنوان… كان بيت صغير… بسيط… مش فخم ولا ملفت… بس فيه إحساس غريب… كأنه عارفني… نزلت من العربية وقفت قدام الباب… المفتاح في إيدي… لحظة صمت طويلة… وبعدين دخلته في القفل… فتح بسهولة… كأن الباب مستني… دخلت… ريحة المكان كانت مألوفة… نفس برفانه الخفيف… نفس الهدوء اللي كان بيحبه… النور كان خافت… مشيت جوه بحذر… لقيت المكان متجهز… كرسي… مكتبة صغيرة… ترابيزة… وصور… صور ليا… لينا… في كل حتة…
كأن ده عالمه اللي محدش شافه غيره… قعدت على الكرسي… لمست الترابيزة بإيدي… حسيت كأنه كان لسه هنا من شوية… عيني وقعت على جهاز تسجيل صغير… قديم شوية… جنبه ورقة مكتوب عليها “اضغطي لما تكوني مستعدة”… قلبي كان بيخبط بقوة… دي مش مجرد رسالة… دي مواجهة… قعدت شوية… بحاول أستوعب… وبعدين بإيد بترتعش… ضغطت الزر… في الأول مفيش غير صوت نفس… وبعدين صوته… جريج… “لو سمعتي التسجيل ده… يبقى انتي أقوى مما توقعت… أنا آسف إني خليت الموضوع يطول كده… بس كان لازم… كان لازم أقولك كل حاجة هنا… المكان اللي كنت باجي له علشان أبقى صريح…
حتى لو مع نفسي بس”… دموعي نزلت أول ما سمعت صوته… كأنه رجع للحظة… “أنا ماكنتش بس مريض… أنا كنت خايف… مش من المو.ت… لكن من إني أسيبك لوحدك… وكنت عايز أسيبلك حاجة تعيش معاكي… حاجة تفتكري بيها إنك تقدري تكملي… بس الحقيقة اللي ماقولتهاش… إن في وقت… فكرت أسيبك بدري… قبل المرض… قبل كل ده… كنت تايه… حاسس إني مش كفاية ليكي… وإنك تستاهلي أكتر… بس كل مرة كنت بقرب من القرار… كنت ببصلك… وأرجع… علشان الحقيقة الوحيدة اللي كنت متأكد منها… إني بحبك… حب عمره ما اتغير”… مسحت دموعي بسرعة… المفاجأة خبطتني… هو كمان كان بيخاف؟
هو كمان كان بيشك؟ “المرض بس خلاني أشوف الحقيقة أسرع… خلاني أتمسك بيكي أكتر… وأفهم إن الحياة مش مثالية… بس كانت كاملة بيكي… ولو في حاجة ندمان عليها… فهي إني ماقولتش الكلام ده قبل كده… ماقولتش قد إيه كنتي سبب إني أفضل… سبب إني أكون أحسن”… صوتُه بدأ يهدى… كأنه بيتعب… “لو وصلتي هنا… يبقى أنا سبتلك كل حاجة أقدر أسيبها… مش فلوس… ولا ممتلكات… لكن ذكريات… وحقيقة… وإنك قوية… أقوى مما انتي فاكرة… عيشي… وكملي… حتى لو من غيري… لأن أنا جزء منك… ومش هيروح”… التسجيل وقف… فجأة… والصمت رجع… بس الصمت المرة دي كان مليان صوته… قعدت مكاني…
مش قادرة أقوم… كل حاجة اتلخبطت جوايا… الحزن… الحب… المفاجأة… الفهم… بس وسط ده كله… في حاجة واضحة… هو عمره ما سابني… ولا حتى وهو بيمو.ت… فضلت في المكان لحد ما الفجر طلع… النور دخل من الشباك… ونوّر الصور… وشفت نفسي فيهم… في كل مرحلة… ضحكتي… عيني… حياتي… اللي كان شايفها دايمًا أجمل مما أنا شايفاها… قومت أخيرًا… مسكت المفتاح… وبصيت حواليّا نظرة أخيرة… وبصوت واطي قلت: “شكرًا… على كل حاجة”… خرجت وقفلت الباب… بس المرة دي ماحسيتش إني بسيبه… حسيت إني واخداه معايا… رجعت العربية… الطريق كان أهدى… وأنا جوايا لأول مرة… في سلام صغير… مش كامل… بس كفاية أبدأ…
وصلت البيت… فتحت الشباك… ودخل الهوا… ابتسمت… وبصيت للكرسي اللي ناحية الشارع… الكرسي اللي كان بيقعد عليه… وقعدت فيه أنا… بهدوء… من غير خوف… وبصيت للحياة وهي ماشية قدامي… وقلت لنفسي… “أنا جاهزة… أكمل.
تمت