
طلـب جـوزي مـني الطـلاق وأنـا لسـه فـي المسـتشفى بعـد حـ,ــادثة عـربية كـادت تقتـ,ـلـني وافقـت… بـس “الهـدية” اللـي سيـبتهاله بعـدها خـلت لـونه يتـسحب فـي ثانـية.
محمود كان قاعد كالعادة قدام البلايستيشن لما طلب مني أعمله أكلته المفضلة بالليل. كنت واقفة في المطبخ من بعد يوم شغل طويل، بعمل صينية مكرونة بالبشاميل بإيديا، ومستنية حتى كلمة حلوة منه.
بس أول ما داق الأكل… رمى الشوكة بعصبية وقال: إيه ده انتي تاني؟ انتي ناوية تبوظيلي الليلة؟ أنا كنت عايز بيتزا..
ما اتكلمتش لبست وخرجت بالعربية أجيبله الأكل اللي هو عايزه.
آخر حاجة فاكراها… نور عربية داخل في وشي…
وصوت حديد بيتكسر.
صحيت بعد 3 أيام في المستشفى… جسمي كله متكسر، دراعي الشمال متجبس، ورأسي ملفوفة بشاش لدرجة إني ماكنتش قادرة أبص كويس.
أول حاجة سألت عنها كانت: محمود فين؟
كنت متخيلة إنه هيبقى جنبي… ماسك إيدي… خايف عليا.
لكن بدل ده… دخل الأوضة ببرود غريب، ومعاه راجل لابس بدلة شيك وماسك ملف..المأذون
قرب محمود من السرير بسرعة، وحط قلم في إيدي
قال ببرود: انا جهزت كل حاجه فاضل الامضه والبصمه
بصيتله وأنا حاسة إني مش سامعة صح. إنت بتهزر… صح؟
هز كتفه بمنتهى اللامبالاة: بصي يا دينا…
أنا مش قد حوارات التمريض والمرض. أنا محتاج ست سليمة تعيش معايا طبيعي…قلبي اتقبض.
ولسه بيكمل: والشقة ملكي.. ما انا مقلتلكيش امضي علشان تتنازلي
ماكنتش حتى قادرة أتحرك علشان أزعق فيه… مضيت علي الورق ورما اليمين ومشي.. وانا نمت من تعبي
بعدها بكام يوم… عرفت إن اتجوز “رانيا” زميلته علي شقتي وحاجتي..الصدمة قتـ,ـــلت أي دموع جوايا.
وقتها بس فوقت من الصدمه..وبدات اخطط.
بعد شهرين، خرجت من المستشفى ورجعت البيت للمرة الأخيرة علشان آخد باقي حاجتي.
محمود كان قاعد على الكنبة بكل راحة، ورانيا جنبه لابسة الروب الحرير بتاعي وكأنها صاحبة المكان من سنين.
ابتسمت بهدوء وقلت: أنا مش زعلانة يا محمود… بالعكس. حتى سايبة لك هدية فوق قبل ما أمشي.
رفع حاجبه باهتمام:هدية؟
هزيت راسي:ايوا طبعا لازم قبل ما أقفل الصفحة دي.
رانيا قامت قبله تقريبًا من الفضول، وطلعوا الاتنين يجرو على أوضة النوم فوق…وأنا طلعت وراهم براحة… خطوة خطوة.
أول ما وصلوا… سمعت الصمت…الصمت اللي بييجي قبل الكارثة…وقفت عند باب الأوضة وبصيت عليهم.
الكرتونة كانت مفتوحة فوق السرير.
وشوشهم متتفسرش…إيد محمود بدأت تترعش وهو بيقلب في الورق…لا… لا… مستحيل…
رانيا بصتله بصدمة: إنت كنت مخبي ده عني؟!
جمد مكانه….لأن الهدية كانت….
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
@أبرز المعجبين
لأن الهدية كانت… ملف كامل.
تحاليل… تقارير… صور أشعة… وورق رسمي مختوم من أكبر مركز خصوبة في القاهرة.
كل حاجة بتأكد إن محمود… هو السبب الحقيقي إنه ماكانش بيخلف.
وإنه كان عارف بقاله أكتر من سنة كاملة.
رانيا كانت ماسكة الورق بإيد بتترعش وهي تقرأ السطور بسرعة، ووشها لونه بيتغير واحدة واحدة.
— “ضعف حاد… واحتمال الإنجاب شبه منعدم…”
بصتله بذهول حقيقي. — “إنت كنت بتقولي إن المشكلة فيها هي!”
محمود كان واقف كأنه اتشل.
عرقه بدأ يظهر على جبينه، وإيده بتقلب الورق بعنف كأنه بيدور على مخرج.
لكن مافيش.
كل حاجة كانت قدامه.
حتى الرسائل اللي كان باعتها للدكتور يرجوه مايبعتش النتائج على البيت.
أنا وقفت عند الباب بهدوء، وقلبي لأول مرة من شهور… هادي.
قلت بصوت ثابت: — “قولها يا محمود… قولها إنك خليتني ألف على دكاترة سنتين… وتحقنّي بإبر… وتخليني أصدق إن العيب مني.”
رانيا بصتلي بسرعة، والصدمة في عينيها كانت حقيقية.
كملت وأنا ببصله: — “قولها إني كنت بعيط كل ليلة وأنا فاكرة إني ناقصة… وإنك كنت ساكت.”
محمود أخيرًا نطق: — “دينا…
الموضوع مش كده…”
ضحكت ضحكة صغيرة باردة. — “أمال إيه؟”
سكت.
طبعًا سكت.
لأن مافيش كدبة تطلع من المصيبة دي.
رانيا بعدت عنه خطوة كأنها لأول مرة تشوفه بجد. — “إنت طلعت مريض وكداب كمان؟!”
مد إيده ناحيتها بسرعة. — “اسمعيني بس—”
زقته بعيد بعنف. — “إوعي تلمسني!”
الصوت كان عالي لدرجة إني حسيت جدران البيت نفسها بتتنفس.
وبعدين… رانيا بصتلي أنا.
ولأول مرة من يوم عرفتها… ماكانش في عينها شماتة.
كان في إحراج.
يمكن حتى خوف.
همست: — “إنتِ كنتي عارفة؟”
هزيت راسي ببطء.
— “عرفت قبل الحـ,ـادثة بأسبوع.”
الاتنين بصوا لي في نفس اللحظة.
قلت وأنا بقرب من السرير: — “كنت راجعة من الدكتور يومها… ومعايا التحاليل… وكنت مقررة أواجهه الليلة دي.”
بلعت ريقي وأنا بحاول أكمّل: — “بس بدل ما أتكلم… خرجت أجيبله بيتزا.”
الصمت وقع تقيل.
محمود بدأ يتوتر. — “دينا… أنا كنت هقولك…”
لفيت له بسرعة: — “إمتى؟ بعد ما تمـ,ـوتني نفسيًا أكتر؟ ولا بعد ما تتجوز غيري وتلبسها نفس الكذبة؟”
رانيا بصت له ببطء… والورق لسه في إيدها.
ثم سألت السؤال اللي قـ,ـتل آخر ذرة ثقة بينهم: — “يعني لو ماخلفتش معايا…
هتقولي العيب فيا أنا كمان؟”
محمود ماعرفش يرد.
وده كان الرد.
أنا ابتسمت بهدوء. — “أنا خلصت يا محمود… بس الظاهر إن دورك لسه بادئ.”
لفيت أمشي.
لكن قبل ما أنزل السلم… سمعت صوت حاجة بتتكسر بعنف.
رانيا كانت رامية البرواز اللي فيه صورتهم الجديدة على الحيطة.
وصوت صريخها مالي البيت: — “إنت نصاب!”
نزلت وأنا بعرج بخفة بسبب رجلي اللي لسه ماخفتش تمامًا، لكن لأول مرة… حاسة إني أخف.
—
الأسابيع اللي بعد كده كانت غريبة.
البيت اللي كنت فاكرة إني مستحيل أعيش من غيره… بقي مجرد ذكرى.
نقلت في شقة صغيرة مفروشة في مدينة نصر، فيها بلكونة ضيقة ونور شمس يدخل الصبح.
كل حاجة كانت بسيطة… بس هادية.
مفيش صوت بلايستيشن طول الليل.
مفيش حد يرمي أكلي في وشي.
مفيش خوف.
في الأول… كنت بصحى من النوم مخضوضة.
أفتكر الحادثة.
صوت الحديد.
ريحة المستشفى.
نظرة محمود وهو بيطلب مني أبصم على الطلاق وأنا مش قادرة حتى أرفع راسي.
لكن يوم ورا يوم… بدأت أفوق.
بدأت أفتكر أنا مين قبل ما أبقى “مرات محمود”.
رجعت شغلي بالتدريج.
والغريب… إن الناس كانت بتبصلي بإعجاب مش شفقة.
حتى الدكتور سامح، مدير القسم، وقف مرة بعد الشيفت وقال: — “إنتِ قوية بشكل مش طبيعي يا دينا.”
ابتسمت بسخرية خفيفة. لو يعرف إني كنت كل يوم أرجع أعيط في الحمام يمكن ماكانش قال كده.
—
في ليلة شتوية، كنت قاعدة في البلكونة ببطانية وكوباية قهوة، لما موبايلي رن.
رقم محمود.
بصيت للشاشة طويل.
قلبي ما دقش.
وده فاجأني.
رديت بهدوء: — “خير؟”
صوته كان متوتر بطريقة عمري ما سمعتها منه. — “ممكن نتكلم؟”
— “إحنا بنتكلم أهو.”
سكت شوية… ثم قال: — “رانيا سابت البيت.”
غمضت عيني للحظة.
مش شماتة.
بس كأن الحياة بتقفل دوايرها.
قلت ببرود: — “معلومة مهمة فعلًا.”
— “دينا… أنا غلطت.”
ضحكت من غير صوت. الجملة اللي الستات بتستناها سنين… ولما بتيجي بيكون الوقت فات.
قال بسرعة: — “أنا كنت مرعوب… لما عملتي الحادثة حسيت إن حياتي انتهت… وأنا ضعفت.”
— “لأ يا محمود… إنت ظهرت على حقيقتك بس.”
سكت.
ثم قال بصوت مكسور: — “أنا وحيد.”
بصيت لنور الشارع تحت بيتي الصغير.
زمان… الجملة دي كانت ممكن تخليني أرجع أجري عليه.
دلوقتي؟
ولا حاجة.
قلت بهدوء:
— “وأنا كنت وحيدة وأنا متجوزاك.”
الصمت اللي جه بعد الجملة دي كان طويل.
وبعدين قفل.
من غير حتى سلام.
—
بعدها بشهر تقريبًا، كنت راجعة من الشغل، تعبانة وهدومي كلها ريحة مطهرات ومستشفى، لما لقيت عربية واقفة تحت البيت.
راجل كبير نزل منها أول ما شافني.
شيك… شعره أبيض… وعينه هادية.
— “مدام دينا؟”
توترت فورًا. — “أيوة.”
ابتسم باحترام ومد إيده بظرف. — “أنا المحامي الخاص بخالك الله يرحمه.”
اتجمدت.
خالي فؤاد كان مسافر الإمارات بقاله سنين… ومقطوع علاقتنا تقريبًا.
قلت بدهشة: — “خير؟”
الرجل قال بهدوء: — “للأسف توفى من شهر… وترك وصية باسمك.”
حسيت الدنيا لفت بيا.
طلع ورق من الشنطة وهو بيشرح: — “حضرتك الوريثة الوحيدة.”
ضحكت بعدم تصديق. — “أكيد في غلطة.”
لكنه هز راسه: — “مفيش غلطة… الشقة اللي في المعادي… وحساب البنك… وشركة الأدوات الطبية الصغيرة… كلها باسمك.”
فضلت باصة له كأني مش فاهمة عربي.
أنا؟
الست اللي خرجت من المستشفى مطلقة ومكسورة؟
بقي عندي بداية جديدة فجأة؟
—
بعد شهور…
كنت واقفة في نفس الشقة اللي محمود طردني منها معنويًا زمان.
لكن المرة دي… مش كضيفة.
كنت جاية آخد آخر حاجة ليا من المخزن.
البواب أول ما شافني اتوتر. — “مدام دينا… أستاذ محمود حالته صعبة أوي.”
رفعت حاجبي. — “مالي أنا؟”
قرب مني وهو بيوطي صوته: — “باع العربية… والشقة مرهونة… ومراته الجديدة سابته… وبيقولوا اتفصل من الشغل.”
وقفت ثواني ساكتة.
الغريب؟
مافرحتش.
بس حسيت بحاجة واحدة…
إن ربنا بيرجع لكل واحد اللي عمله.
طلعت فوق بهدوء.
الباب كان مفتوح.
ومحمود قاعد لوحده في الصالة الضلمة.
شكله أكبر بعشر سنين.
رفع عينه أول ما شافني.
ولثانية… شفت الندم الحقيقي.
قام بسرعة:
— “دينا… والله كنت لسه بفكر فيكي.”
بصيت حواليّا للشقة الفاضية. الهدوء فيها كان كئيب.
قلت بهدوء: — “أنا جيت آخد حاجتي الأخيرة.”
قرب خطوة. — “ماتروحيش… ممكن نبدأ من جديد.”
بصيتله طويل.
الراجل اللي زمان كنت ممكن أمـ,ـوت عشانه…
واقف دلوقتي بيتوسل فرصة.
لكن قلبي؟
كان هادي بشكل غريب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: — “أنا فعلًا بدأت من جديد يا محمود… بس من غيرك.”
وشه وقع.
أما أنا…
لفيت ومشيت.
والمرة دي… ما بصّتش ورايا.
تمت
