
ثم فجأة قال: — “إنت عمرك هتسامحني؟”
بصيت قدامي وما رديتش فورًا.
هو كمل بصوت مكسور: — “أنا كل يوم بشوف ماما وهي بتحاول تبقى قوية… وبفتكر إني السبب.”
تنهدت ببطء. — “السبب مش إن مراتك زقتها.”
لف ناحيتي بسرعة.
قلت وأنا ببصله أخيرًا: — “السبب إنك سكت.”
وشه اتشد كأني ضربته.
كملت بهدوء: — “الست لما تتجوز راجل… بتبقى متطمنة إن ضهرها متسند عليه.”
سكت شوية.
ثم قلت: — “وأمك يومها اكتشفت إن ضهرها وقع.”
عينيه دمعت فورًا.
مسح وشه بسرعة وقال: — “أنا كنت خايف الفرح يبوظ.”
ضحكت بسخرية موجوعة. — “والفرح اللي يتبني على ذل أم… يستاهل يكمل؟”
ماعرفش يرد.
قعد ساكت يعيط بصمت، وأنا لأول مرة من يوم الفرح حسيت إن ابني بدأ يفهم فعلًا.
—
بعدها بكام يوم…
أمينة كانت واقفة ترتب الدولاب، وفجأة سمعتها بتتوجع.
جريت عليها لقيتها ماسكة ركبتها ووشها أبيض.
قعدتها بسرعة. — “مالك؟”
ابتسمت كعادتها وهي بتكدب: — “شد عضل بس.”
لكن لما لمسِت ركبتها… حسيت الورم.
أخدتها للدكتور غصب عنها.
وهناك… عرفنا الحقيقة.
الغضروف اتقطع من الوقعة يوم الفرح… وكانت مستحملة الألم كل الوقت ده وساكتة.
بصيت لها بذهول. — “وماقولتيش ليه؟!”
قالت بهدوء: — “قولت هتخف.”
لكن الدكتور قال إن لازم عملية.
وقتها… كريم كان واقف جنب الباب.
وشه فقد لونه.
أمه اتأذت فعلًا… مش مجرد إحراج وعدى.
في العربية وهو راجع معانا، ما نطقش بكلمة.
لكن أول ما دخل البيت… دخل أوضته وقفل على نفسه.
وبعد شوية… سمعته بيعيط.
أول مرة أسمع ابني بيعيط من وهو طفل صغير.
—
يوم العملية…
أمينة كانت خايفة رغم إنها بتحاول تبان قوية.
مسكت إيدي قبل ما تدخل وقالت: — “خليك جنب كريم.”
استغربت.
— “في الوقت ده؟”
ابتسمت بتعب. — “هو موجوع أكتر ما بيبين.”
بصيت لابني.
كان واقف بعيد… ضهره للحائط… وشه شاحب.
ولأول مرة… حسيت إنه فعلًا ندمان.
العملية طولت أكتر من المتوقع.
وكل دقيقة كانت تقيلة.
كريم كان ماشي رايح جاي قدام أوضة العمليات بشكل جنني.
ثم وقف فجأة قدامي وقال: — “بابا… لو كان الزمن رجع كنت هكسر إيدها قبل ما تلمس ماما.”
بصيتله طويل.
وشوفت فيه الغضب اللي كنت مستنيه من يوم الفرح.
لكن بعد فوات الأوان.
قلت بهدوء: — “الرجولة مش إنك تضـ,ـرب…
الرجولة إنك ماتسمحش بالإهانة من أول لحظة.”
نزل عينه للأرض.
ثم همس: — “أنا اتعلمت.”
—
العملية نجحت الحمد لله.
لكن أمينة احتاجت علاج طبيعي وشهور راحة.
وكريم؟
كان هو أول واحد يصحى الصبح يساعدها تمشي.
يشيلها… يوديها الجلسات… يطبخلها بنفسه ساعات.
وفي مرة، كنت واقف من بعيد وهو بيلبسها الشراب الطبي لركبتها بهدوء.
وأمينة بتبصله بعين مليانة حب.
وقتها فهمت حاجة.
إن الأم… قلبها أوسع من أي خذلان.
—
بعد حوالي ٤ شهور…
في يوم الجمعة، كنا قاعدين بنتغدى كلنا سوا.
البيت رجع فيه صوت وضحك تاني.
وفجأة، جرس الباب رن.
كريم قام يفتح.
وبعد ثواني… رجع وشه متوتر.
ورا منه كانت ياسمين.
أمينة اتجمدت.
أما أنا… فحسيت الدـ,ـم سخن في عروقي فورًا.
ياسمين شكلها كان متغير جدًا.
لا مكياج… لا ثقة… ولا النظرة المتكبرة القديمة.
وقفت عند الباب وقالت بصوت واطي: — “ممكن أدخل؟”
كنت هرفض فورًا…
لكن أمينة قالت بهدوء: — “سيبوها.”
دخلت ببطء وهي باصة للأرض.
ثم فجأة… عيطت.
مش دموع تمثيل.
انهيار حقيقي.
قالت وهي بتبص لأمينة:
— “أنا عمري ما شوفت أم زيك… وكنت غيرانة منك.”
الصالة سكتت.
كملت وهي بتشهق: — “أمي رمتني وأنا صغيرة… واتربيت بين ناس طول عمرهم بيقولولي إن الطيبة ضعف.”
بصتلها ببرود. — “وده يديكي حق تكسري غيرك؟”
هزت راسها بسرعة وهي بتعيط. — “لأ… وأنا بستاهل أي كره.”
ثم بصت لأمينة مباشرة. — “بس أنا جاية أطلب السماح.”
أمينة سكتت ثواني طويلة.
كلنا مستنيين ردها.
ثم قالت بهدوء: — “إنتِ أذيتيني جدًا يا ياسمين.”
ياسمين نزلت عينيها.
أمينة كملت: — “بس أنا مش هعيش شايلة كره.”
ثم قالت الجملة اللي خلتني أبصلها بإعجاب من جديد: — “أنا سامحتك… لكن ده مايعنيش إنك ترجعي حياتنا تاني.”
ياسمين انهارت أكتر.
أما كريم…
فكان باصص لأمه كأنه بيشوفها لأول مرة.
ولأول مرة من يوم الفرح… ابتسمت وأنا ببص لمراتي.
لأن الست اللي وقعت في الطين يومها…
طلعت أنضف من كل اللي كانوا واقفين حواليها.
