
كـنا علـى وشـك تبـنى طـفل عنـده ٥ سـنين… لكـن فجـأة زوجـين أغنـياء دخلـوا المنـافسة والطـفل هـو اللـي كـان لازم يخـتار بنفـسه…
بصوا… أنا ما بخلفش.
أنا وجوزي حاولنا كتير، سنين طويلة، وكل مرة كنا بنتمسك بالأمل… لحد ما في الآخر جالي التشخيص اللي كسرني تمامًا.
الدكتور قالها ببساطة قاسية: “مفيش أمل.”
أنا طول عمري بحلم ببيت مليان أطفال… صوت ضحك… جري… فوضى حلوة… بس فجأة كل ده اختفى.
وأكتر حاجة كانت مرعباني… إن جوزي يسيبني.
كنت حاسة إني حرماه من حلمه.
بس هو ما عملش كده.
وقف جنبي… ماسبنيش لحظة…
بالعكس، هو اللي قال:
“طب ما نتبنى؟”
أول ما دخلنا دار الرعاية في القاهرة… حياتي اتغيرت.
كان في أطفال كتير… كل واحد فيهم بيحاول يلفت الانتباه… بس أنا ما شوفتش غير طفل واحد.
ولد صغير… عنده ٥ سنين… واقف لوحده في ركن هادي.
اسمه يوسف.
أول ما عيني جت في عينه… حسيت بحاجة غريبة.
مش شفقة…
مش تعاطف…
إحساس كده… إني عرفاه.
كأن قلبي قال لي من غير تفكير:
“ده ابني.”
بعدها بدأت رحلة طويلة…
ورق… إجراءات… مقابلات… تقييمات…
شهور كاملة.
بس كل خطوة كانت بتقربنا منه أكتر.
كنا بنزوره… نلعب معاه… نضحك… نحكي…
ومع الوقت، يوسف بدأ يفتح قلبه لينا.
كان بيستنانا.
وكان أول مرة يناديني فيها “ماما”… كانت لحظة عمري ما هنساها.
وأخيرًا… قربنا جدًا.
فاضل خطوة واحدة بس… ونخده معانا البيت.
كنا خلاص بنحلم أوضته هتبقى عاملة إزاي… هدومه… مدرسته…
حياتنا بدأت تتشكل حواليه.
لكن فجأة…
كل حاجة وقفت.
الأخصائية الاجتماعية نادتنا وقالت:
“في أسرة تانية قدمت على يوسف.”
كانت أسرة غنية جدًا.
عندهم فلوس… نفوذ… إمكانيات…
كل حاجة ممكن طفل يحلم بيها.
الأخصائية قالت إننا الاتنين مناسبين.
مفيش حد أحسن من حد.
لكن القرار النهائي…
هيكون ليوسف نفسه.
كل أسرة ليها أسبوع تقضيه معاه.
وفي الآخر…
هو اللي هيختار.
أسبوع واحد…
بيننا وبين إننا نكسب ابننا…
أو نخسره للأبد.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـدأسبوع.
سبع أيام بس… وكان ممكن يحددوا باقي عمرنا كله.
أنا وجوزي “شريف” رجعنا البيت يومها وإحنا ساكتين.
مش قادرين حتى نبص لبعض.
الخوف كان مالي المكان.
لأول مرة من شهور… حسيت إن يوسف ممكن يضيع مننا فعلًا.
وشعور إنك تخسر طفل لسه حتى ما أخدتوش حـ,ـضنك رسمي… كان بيمـ,ـوتني.
شريف حاول يهديني طول الطريق. — “الفلوس مش كل حاجة.”
بس الحقيقة؟
كنت خايفة إنها تبقى كل حاجة فعلًا.
الأسرة التانية كانت عايشة في فيلا ضخمة في التجمع… عندهم شركات… عربيات… سفر… مدارس إنترناشونال…
وإحنا؟
شقة متوسطة في مدينة نصر… شريف موظف عادي… وأنا مدرسة.
كنا نقدر نحب يوسف… بس هل الحب يكفي؟
السؤال ده كان بياكلني.
—
اليوم الأول من الأسبوع كان دورهم.
الأخصائية الاجتماعية قالت إنهم أخدوا يوسف نادي أطفال وملاهي ومطاعم.
ولما سمعته بيحكي عن اليوم… قلبي وجعني.
كان متحمس.
بيتكلم عن الألعاب والهدية الكبيرة اللي جابوهاله… وعجلة جديدة… وغرفة كلها ألعاب إلكترونية.
كنت قاعدة قدامه في الدار بابتسم بالعافية.
لكن جوايا؟ كنت بنهار.
لما خلص كلامه، بصلي وقال ببراءة: — “إنتِ زعلتي يا ماما؟”
أول مرة يقولها بعد خبر الأسرة الجديدة.
حاولت أضحك. — “لأ يا حبيبي.”
لكنه فضل يبصلي كأنه حاسس بالكذب.
يوسف رغم سنه الصغير… كان ذكي بطريقة توجع.
—
تاني يوم كان دورنا.
وأنا طول الليل قبله… ما نمتش.
فضلت أفكر: نوديه فين؟ نعمله إيه؟
إزاي ننافس ناس معاهم كل حاجة؟
صحيت الصبح متوترة جدًا، لكن شريف وقف قدامي وهو بيلبس وقال: — “إحنا مش هنشتريه.”
بصيتله.
قال بهدوء: — “إحنا هنحبه بس.”
الجملة بسيطة… لكنها هدت حاجة جوايا.
—
رحنا خدنا يوسف من الدار.
أول ما شافنا جري على شريف حضـ,ـنه بقوة.
اللحظة دي وحدها كانت كفاية تخليني أعيط.
ركب العربية الصغيرة بتاعتنا وهو بيبص حواليه بحماس. — “هنروح الملاهي؟”
قلبي اتقبض.
واضح إنه قارن فورًا.
لكن شريف ابتسم وقال: — “لأ… عندي مكان أحلى.”
يوسف سكت مستغرب.
وأنا بصراحة كنت مستغربة أكتر.
شريف خدنا على كورنيش النيل القديم.
مكان بسيط جدًا.
جبنا ذرة مشوية… وركبنا مركب صغير… ويوسف فضل يضحك طول الوقت وهو بيرش المية بإيده.
بعدها قعدنا ناكل فول وطعمية في عربية قديمة على الرصيف.
يوسف بص للسندوتش وسأل: — “ده غدا؟”
ضحكت بخوف.
لكن شريف قال بفخر: — “أحسن غدا في مصر.”
يوسف ضحك.
وبعدين… أكل.
وبعدين طلب واحد كمان.
—
في آخر اليوم، وإحنا راجعين، يوسف نام في العربية.
رأسه كانت على رجلي.
بصيتله وأنا بمرر إيدي على شعره الناعم.
همست: — “أنا خايفة.”
شريف كان سايق بهدوء. — “وأنا كمان.”
بلعت ريقي. — “لو اختارهم؟”
سكت لحظة.
ثم قال: — “يبقى على الأقل عرف إنه كان متحب.”
عيني دمعت فورًا.
—
الأيام عدت أسرع مما كنت مستعدة.
كل يوم الأسرة الغنية كانت تبهر يوسف بحاجة جديدة.
مرة ياخدوه أكوابارك… مرة حفلة أطفال… مرة يشتروله هدوم وألعاب.
وأنا كنت كل ليلة أرجع البيت مرعوبة.
لحد ما في يوم…
دخلت دار الرعاية ولقيت يوسف قاعد لوحده.
وشه كان زعلان.
قعدت جنبه بسرعة. — “مالك يا حبيبي؟”
سكت شوية.
ثم قال: — “هما قالولي لو روحت معاهم هيبقى عندي أوضة أكبر من دي بكتير.”
قلبي وجعني.
ابتسمت بالعافية. — “ودي حاجة حلوة.”
لكنه بصلي فجأة وقال: — “بس هما دايمًا بيجيبوا مع ناس تانية.”
— “يعني إيه؟”
— “يعني بيكلموا في التليفونات كتير… وبيسيبوني مع المربية.”
سكت ثانية.
ثم سأل السؤال اللي كسرني: — “إنتِ لو خدتيني… هتسيبيني لوحدي؟”
حـ,ـضنته فورًا.
حـ,ـضنته بقوة كأني بخاف حد ياخده مني حالًا.
قلت وأنا دموعي بتنزل: — “أبدًا.”
إيده الصغيرة لفت حوالين رقبتي.
وفي اللحظة دي…
حسيت إنه ابني فعلًا.
—
آخر يوم جه.
اليوم اللي يوسف لازم يختار فيه.
دار الرعاية كانت هادية بشكل يخوف.
أنا إيدي كانت ساقعة جدًا.
وشريف رغم هدوءه الظاهر… كان بيضغط على إيدي بقوة.
الأسرة التانية وصلت.
الزوجة لابسة شيك جدًا… والزوج داخل بثقة… ومعاهم شنطة هدايا كبيرة.
كل الناس كانت بتبصلهم بإعجاب.
أما أنا؟
فكنت حاسة إني صغيرة أوي.
الأخصائية الاجتماعية نادت يوسف.
خرج وهو ماسك لعبته القديمة.
وقف في النص… وبص للأسرتين.
قلبي كان هيقف.
الأخصائية نزلت لمستواه وقالت بلطف: — “يوسف…
إنت تقدر تختار البيت اللي تحب تعيش فيه.”
الصمت بعدها كان قـ,ـاتل.
الزوجة الغنية فتحت إيديها بابتسامة: — “تعالى يا حبيبي.”
وأنا حتى ماقدرتش أتكلم.
خفت أضغط عليه.
يوسف بص لهم… ثم بص لينا.
ثواني طويلة جدًا عدت.
ثم فجأة…
مشى.
لكن مش ناحيتهم.
ناحيتنا إحنا.
جري على شريف الأول ومسِك إيده بقوة.
ثم بص للأخصائية وقال بصوت صغير: — “أنا عايز البيت اللي فيه حضـ,ـن.”
انفجرت في العياط.
شريف حـ,ـضنه فورًا وهو بيبكي هو كمان.
أما الزوجين التانيين…
فالزوجة نزلت عينيها بحرج.
والغريب؟
إنها ابتسمت بحزن وقالت: — “واضح إنه اختار صح.”
—
بعد ٦ شهور…
بيتنا بقى عامل زي ما كنت بحلم طول عمري.
مليان لعب مبعثرة… ضحك… وصوت رجلين صغيرة بتجري في كل حتة.
يوسف بقى ينام في النص بينا أوقات.
ويصحينا الفجر علشان “وحشه”.
وفي مرة كنت بعدل له البطانية وهو نايم… فهمس بنص نوم: — “ماما…”
وقفت أبصله وأنا قلبي بيرتعش.
الكلمة دي… بعد سنين الحرمان… كانت معجزة.
شريف حضـ,ـني من ضهري وهمس: — “شايفة؟”
لفيت له بعين مليانة دموع.
قال بابتسامة: — “الدكتور كان غلط.”
استغربت.
— “إزاي؟”
بص ناحية أوضة يوسف وقال: — “قال مفيش أمل يبقى عندنا طفل.”
سكت لحظة.
ثم ابتسم: — “بس الأمل كان مستنينا في دار رعاية… وعنده خمس سنين.”

