Advertisements
Advertisements
منوعات

تبني طفل اسما السيد

Advertisements

بعد ما يوسف دخل حياتنا… البيت اتغير فعلًا.
حتى الحيطان حسيتها بقت أدفى.
بقى في صوت كرتون شغال الصبح… وعربيات لعبة تحت الكنبة… وألوان شمع مرمية على الترابيزة مهما رتبتها.
الحاجات اللي الناس بتشتكي منها… أنا كنت ببص لها وأبتسم.
لأنها معناها إن البيت بقى حي.
—
بس رغم كل السعادة… كان في حاجة جوا يوسف بتوجعني.
الخوف.
خوف صغير مستخبي جواه طول الوقت.
أوقات كنت أصحى بالليل ألاقيه واقف جنب سريرنا ساكت.
ولما أسأله: — “مالك يا حبيبي؟”
يرد وهو باصص للأرض: — “كنت بتأكد إنكم لسه هنا.”

الكلمة كانت بتكسرني كل مرة.
فأحـ,ـضنه وأرجعه ينام وسطنا.
—
في المدرسة كمان، الموضوع ماكانش سهل.
أول أسبوع رجع زعلان وساكت.
فضل طول الغدا ما بيتكلمش.
لحد ما شريف سأله: — “حد زعلك؟”
يوسف هز راسه بالنفي في الأول… ثم فجأة عيط.
قال بصوت متقطع: — “ولد قالي إنكم مش بابايا ومامتي الحقيقيين.”
قلبي اتقبض.
شريف قام فورًا وقعد جنبه على الأرض. — “وإنت قولتله إيه؟”
يوسف مسح دموعه وقال: — “قولتله إني عايش معاكم… بس معرفتش أرد.”
بصيت لشريف بخوف.
كنت دايمًا مرعوبة من اللحظة دي.

لحظة ما يوسف يبدأ يسأل: مين أهله الحقيقيين؟ وليه سابوه؟
لكن شريف كان أهدى مني.
مسك إيد يوسف وقال: — “في ناس بتجيب أطفال للدنيا… وفي ناس بتربيهم وتحبهم.”
يوسف كان سامع بتركيز.
شريف كمل: — “إحنا مختارناك بإيدينا يا يوسف… وعمرنا ما هنسيبك.”
يوسف حضـ,ـنه بقوة.
وأنا وقتها فهمت… إن الأبوة مش دـ,ـم.
الأبوة أمان.
—
بعد سنة تقريبًا…
كنا خلاص بقينا عيلة حقيقية بكل معنى الكلمة.
لحد ما في يوم… دار الرعاية اتصلت بينا.
أول ما شفت الرقم، قلبي دق بعنف.
رديت بسرعة. — “ألو؟”

الأخصائية الاجتماعية صوتها كان متردد. — “مدام ريم… محتاجين نتكلم بخصوص يوسف.”
حسيت الأرض بتهتز تحتي. — “في إيه؟”
سكتت ثانية.
ثم قالت: — “في واحدة جات تسأل عنه… وبتقول إنها أمه.”
الدنيا اسودت قدامي.
—
قعدنا أنا وشريف في مكتب الدار بعدها بساعة.
إيدي كانت متلجة.
كل الكوابيس اللي كنت بخاف منها رجعت مرة واحدة.
أخده مني.
هيرجعوه.
هفقده.
الأخصائية قالت بهدوء: — “هي ماعندهاش حق قانوني دلوقتي… لأنها اتنازلت عنه زمان.”
بلعت ريقي بسرعة. — “أمال جاية ليه؟”
الباب اتفتح وقتها.

ودخلت ست في أواخر التلاتينات.
وشها مرهق جدًا… وعينيها مليانة خوف.
أول ما شافتني… بدأت تعيط.
قالت بصوت مكسور: — “أنا عارفة إني ماليش حق… بس كنت عايزة أشوفه بس.”
جوايا كان في غضب مرعب.
الطفل اللي فضل سنين مستني حـ,ـضن؟ دلوقتي جاية؟
قلت بحدة: — “بعد إيه؟”
الست اتهزت من نبرتي.
ثم قالت وهي بتمسح دموعها: — “كنت ١٩ سنة… وأهلي جبروني أسيبه.”
سكتت لحظة.
ثم همست: — “وكل يوم بندم.”
شريف مسك إيدي بهدوء لأنه حس إني هانهار.
الست طلعت صورة قديمة من شنطتها.

صورة رضيع صغير ملفوف في بطانية زرقا.
— “دي آخر صورة ليه قبل ما أخده الدار.”
قلبي وجعني رغمًا عني.
لأن عينيها… كان فيهم نفس عينين يوسف.
—
رجعنا البيت يومها وإحنا ساكتين.
يوسف كان بيجري حوالينا مبسوط ومش فاهم حاجة.
فضلت أبصله طول الليل وأنا مرعوبة.
خايفة حد ياخده مني.
شريف لاحظ. — “ريم.”
بصيتله.
قال بهدوء: — “هو ابننا.”
همست بخوف: — “بس دي أمه.”
سكت لحظة.
ثم قال: — “الأم مش اللي تولد وبس.”
الكلمة ريحتني… لكن جزء جوايا فضل خائف.

—
بعد كام يوم، الأخصائية سألتنا إذا كنا نوافق إن الست تشوف يوسف مرة واحدة تحت إشرافهم.
أنا رفضت فورًا.
لكن شريف قال: — “لازم نفكر في يوسف.”
اتخانقنا لأول مرة بجد بسبب الموضوع.
أنا كنت مرعوبة.
مرعوبة يحبها.
مرعوبة يسيبني.
وفي الآخر… وافقنا.
—
اليوم ده كان أصعب يوم في حياتي.
يوسف كان قاعد بيرسم لما الست دخلت.
أول ما شافته… غطت بوقها بإيديها وانهارت.
يوسف بص لها باستغراب.
قال بهدوء: — “حضرتك مين؟”
الست ركعت قدامه وهي بترتعش. — “أنا…

أنا حد كان يعرفك من زمان.”
كان واضح إنها مش قادرة تقول الحقيقة.
يوسف فضل باصص لها شوية… ثم مد لها الرسمة بتاعته ببساطة. — “دي أنا وماما وبابا.”
الست خدت الرسمة وعيطت أكتر.
ثم سألت بخوف: — “إنت مبسوط معاهم؟”
يوسف ابتسم فورًا. — “أوي.”
سكتت.
والوجع كان واضح في وشها.
لكن بعدها حصلت الحاجة اللي عمري ما هنساها.
يوسف قرب منها فجأة.
ثم حـ,ـضنها.
حـ,ـضن صغير بريء.
وقال: — “إنتِ بتعيطي ليه؟”
الست انهارت تمامًا.
أما أنا؟
فكنت واقفة بعيط بصمت.

لأن الطفل اللي كنت خايفة أخسره… كان قلبه أكبر من خوفنا كلنا.
—
قبل ما تمشي، الست طلبت تتكلم معايا لوحدنا.
وقفنا في ممر الدار.
وقالت وهي بتمسح دموعها: — “أنا مش جاية أخده.”
بصيتلها بذهول.
ابتسمت بحزن. — “أنا شوفته بعيني… هو عنده بيت فعلًا.”
سكتت لحظة.
ثم قالت الجملة اللي عمري ما هنساها: — “أنا ولدته… بس إنتِ أمه.”
وقتها… حـ,ـضنتها.
رغم كل خوفي.
لأن لأول مرة… فهمت إنها موجوعة زينا.
يمكن أكتر.
—
بعد سنين…
يوسف بقى عنده ١٢ سنة.
طويل… مشاغب…

وصوته مالي البيت.
وفي عيد الأم في المدرسة، رجع يجري عليا وهو شايل ورقة مطوية.
فتحها قدامي.
كان كاتب: “أمي الحقيقية هي اللي اختارتني كل يوم.”
ماقدرتش أتكلم.
حـ,ـضنته بس.
أما شريف… فكان واقف بعيد بيبتسم وعينه مليانة دموع.
وفي اللحظة دي… بعد كل التعب والخوف والانتظار…
فهمت إن العيلة… مش لازم تبدأ بولادة.
أوقات… بتبدأ باختيار.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!