
مدّت ميار إيدها بحيرة ناحية نص اللاونج، ناحية المسرح الخفي اللي كان لسه من دقايق مغير فهمها للحياة كلها.
شدّ فكه.
قال ببرود:
“هتنسَي اللي شفتيه.”
ردت فورًا:
“قطعًا لأ.”
حاجة غريبة لمعت في عينيه.
مش غضب.
حاجة أعقد.
ميار عدّلت وقفتها، مسحت تحت عينها من أثر الضحك، وظبطت هدومها. كانت لابسة بنطلون زيتوني واسع، قميص أبيض مكوي بأكمام مرفوعة، كارديجان طويل بلون بني فاتح، بوت جملي، وسلاسل دهب رفيعة على رقبتها. بصت له بثبات واحدة ماكانتش من دقايق واقفة تضحك لحد ما نفسها اتقطع على أقوى راجل في المبنى.
قالت:
“أستاذ أدهم، أحب أقول لحضرتك، وبكل مهنية واحترام، إن حركة رجلك أحسن من سبعين في المية من الرجالة اللي كبرت وسطهم في إسكندرية… وإحنا مش بندّي المجاملة دي بالساهل.”
سكت.
زودت:
“ودي مش مجاملة شفقة. دي ملاحظة واقعية.”
هو بص لها.
وهي بصت له.
قال:
“إنتِ دخلتي لاونج الإدارة من غير تصريح.”
ردت:
“استعرت ماكينة القهوة.”
“عملتي كده قبل كده.”
ماكانش سؤال.
وهي ماعاملتوش كسؤال.
قالت ببساطة:
“كل يوم شغل بقالى تلات أسابيع. من سبعة ونص لسبعة وخمسة وأربعين. بنضف ورايا. مابـ,ـزعجش حد.
ماكينة القهوة في الدور التامن والتلاتين جـ,ـريمة ضد الروح المعنوية، وأنا أرفض أكون ضحية.”
كرر ببطء:
“بترفضي تكوني ضحية؟”
قالت:
“للقهوة الوحشـ,ـة… آه.”
“دي مخالفة دخول.”
“دي مشـ,ـكلة تنظيم مواعيد.”
ضيّق عينيه.
ابتسمت.
وقالت:
“مش هتكلم عن اللي شوفته النهارده… بشرط.”
الجو اتغير.
ودي كانت النظرة اللي هتعرف بعدين إنها بتيجي قبل ما أدهم الكيلاني يدمّر أي حد في التفاوض.
قال:
“عندك شرط؟”
“آه.”
“في شركتي؟”
“آه.”
“وفي دور دخلتيه من غير تصـ,ـريح؟”
“أفضل أقول دخلته بشكل غير رسمي.”
“ميار.”
“أدهم.”
أول ما اسمه طلع من بُقها، حصل تغيّر صغير جدًا في ملامحه.
هي لاحظت.
وهو لاحظ إنها لاحظت.
لكنها كملت عادي.
“عايزة دخول صباحي ثابت لماكينة القهوة. من سبعة ونص لتمانية وربع. همشي قبل أي مدير تنفيذي يوصل. ومش هقول لحد على اللي شوفته. سرك هيدفـ,ـن معايا.”
الصمت طال لدرجة إنها سمعت صوت كلاكس من الشارع، تلاتة وأربعين دور تحتهم.
قال:
“إنتِ بتفاوضيني… بالابتـ,ـزاز.”
ردت:
“لأ. بفاوضك بمبدأ الإحراج المتبادل المؤكد.”
لثانية خطيرة، افتكرت إنه ممكن يضحك.
لكنه ماضحكش.
بس كان فيه حاجة قريبة جدًا من الضحك حصلت ومكملتش.
قال أخيرًا:
“من سبعة ونص لتمانية وربع. ولا دقيقة زيادة.”
ابتسمت ميار بجد. ابتسامة دافية تغيّر شكل الأوضة.
“سعيدة بالتعامل معاك.”
وبعدها مشت ناحية ماكينة القهوة، لأنها ماطلعتش تلاتة وأربعين دور على الفاضي.
أدهم فضل يبص لها وهي بتتحرك حوالين الماكينة بثقة واحدة عاملة كده كتير. حطت البن، ضـ,ـغطته، شغلت الماكينة، واستنت باستمتاع هادي وهي بتطلع البخار.
كان بيبص لها كأنها متغير غريب دخل معادلة كان فاكر إنه مسيطر عليها بقاله سنين.
وبعدين، بشكل غير متوقع، مسك جاكيته، قعد على الترابيزة الطويلة، وفتح موبايله.
ميار أخدت الإسبريسو ووقفت عند الشباك.
القاهرة كانت بتلمع تحتها.
هو ما اتكلمش.
وهي ما اتكلمتش.
وكان ده أريح صمت عاشته من يوم ما نقلت القاهرة.
يوم الأربعاء بعد الضهر، الشركة كلها عرفت إن ميار جمال اتكلمت مباشرة مع أدهم الكيلاني… وخرجت عايشة.
يارا همست لها وقت الغدا، وعينيها واسعة فوق علبة أكل جايباها من البيت:
“هو كلمك؟”
قالت ميار وهي بتاخد لقمة من أكلها:
“كام كلمة.”
“بمزاجه؟”
“تقريبًا.”
“عن إيه؟”
“مواعيد.”
يارا ضيقت عينيها.
“مواعيد؟”
“تنظيم.”
“ميار.”
“نعم؟”

