Advertisements
Advertisements
منوعات

ادهم وميار كامله حكايات اسما

Advertisements

“فيه ناس شغالة هنا بقالها أربع سنين وماخدتش منه نظرة عين بإرادته. الراجل ده مابيعملش كلام صغير، ولا كلام متوسط، ده بالعافية بيعمل الكلام الضروري.”
قالت ميار:
“يمكن طاقتي كويسة.”
“طاقتك فوضوية.”
“الاتنين ينفع يجتمعوا.”
اللي ميار ماقالتوش، إن تاني يوم الصبح الساعة 7:38، لما دخلت لاونج الإدارة، لقت ماكينة القهوة شغالة، وكوباية نضيفة محطوطة جنبها، وطبق صغير فيه أكياس سكر قريب من الماكينة.
وقفت لحظة طويلة.
وبعدين ابتسمت لنفسها.
الساعة 7:51 دخل أدهم.
هو ماشرحش الكوباية.
وهي ماشكرتهوش عليها.

قعد على الترابيزة يراجع ملفات على موبايله، وهي وقفت عند الشباك تشرب الإسبريسو.
المدينة كانت بتتحرك تحتهم.
وفي اللحظة دي بدأ شيء.
صغير.
من غير إعلان.
من غير احتفال.
بالطريقة اللي أخـ,ـطر الحاجات بتبدأ بيها.
الجزء الثاني
أول مرة ميار تحدّت مدير كبير قدام أدهم الكيلاني، نص اللي في الطرقة كانوا شكلهم مستعدين يطلبوا الإسعاف.
حصلت يوم جمعة بعد اجتماع شراكات كان ناجح جدًا. من النوع اللي يخلي ميار تخرج وهي حاسة إن السقف اللي فوقها اترفع بهدوء من غير ما حد ياخد باله.

لفت من جنب قاعات الاجتماعات التنفيذية، وكانت هتخبط في أدهم.
كان واقف مع تلات رجالة كبار ببدل غامقة، وكلهم عليهم توتر ناس كانوا بيتخانقوا من شوية وبيمثلوا إن مفيش حاجة حصلت.
قال أدهم:
“آنسة ميار.”
ردت:
“أستاذ أدهم.”
اتحركت على جنب.
واحد منهم، لؤي البارودي، بص لها بالنظرة اللي هي عارفاها كويس. نظرة الناس اللي فاكرين إن المبنى فيه حدود غير مرئية، وإن حد زيها عداها بالغلط.
قال بابتسامة مش لطيفة:
“قسم الشراكات في الدور التامن والتلاتين.”
ردت ميار بنفس الهدوء:
“فعلاً. اجتماعي خلص ولسه راجعة.”
قال:
“كويس.

أستاذ أدهم بيحافظ على نظام صارم جدًا. مهم كل واحد يعرف مكانه.”
ميار ابتسمت.
بس ابتسامتها كان فيها سنان.
أدهم، اللي كان بدأ يلف ويمشي، وقف.
قالت ميار:
“كل واحد يعرف مكانه. مفهوم. أنا مألوف عندي جدًا.”
وش لؤي اتشنج.
بصت لأدهم وقالت:
“هل دي رسالة رسمية من حضرتك يا أستاذ أدهم؟ ولا الأستاذ بيجتهد من نفسه؟”
التلاتة اللي واقفين بقوا تماثيل.
لؤي وشه احمر.
“أفندم؟”
قالت ميار بهدوء:
“عايزة أرد عن طريق التسلسل الإداري الصح. لو أستاذ أدهم بيبلغني إني كـ,ـسرت حدود شغل، هتقبل الملاحظة.

لكن لو حضرتك بتلمّح إن مكاني أقل من مكانك لمجرد إن مكتبي خمس أدوار تحت، فأنا هعتبر الجملة دي ما اتقالتش.”
الطرقة سكتت.
أدهم بص لها لحظة طويلة.
وبعدين لف راسه سنة.
قال من غير ما يبص للؤي:
“أستاذ لؤي، إحنا متأخرين.”
ومشي.
والمديرين مشيوا وراه.
لؤي مشي آخر واحد، ووشه مشدود من الإهانة.
ميار طلعت نفسها، عدلت الكارديجان، ورجعت الدور التامن والتلاتين.
صباح الاثنين، لاونج الإدارة كان مختلف.
مش أبرد.
أحدّ.
أدهم كان هناك قبل ما توصل.
عملت قهوتها في صمت.
وبعدين قال:

“كنتِ مباشرة مع لؤي.”
قالت:
“كان قليل الذوق.”
“معظم الناس بتتجنب تكون مباشرة معاه.”
ردت وهي بتبص له من فوق كتفها:
“معظم الناس خـ,ـايفة منك بالتبعية. أنا مش خايفة منك، فالمعادلة مختلفة.”
رفع عينه.
“ليه مش خايفة؟”
ابتسمت في كوبايتها.
“لأني شوفت حركة رجلك يا أستاذ أدهم. صعب جدًا أخاف من راجل بعد كده.”
الصوت اللي طلع منه كان شبه لا شيء.
نَفَس.
شرخ صغير خارج عن السيطرة في الجليد.
في راجل تاني، كان هيبقى بداية ضحكة.
ميار خزّنته بعناية.
كان هيبقى فيه أكتر.

أول ضحكة حقيقية حصلت بعد تلات أسابيع، أثناء عرضها لتوقعات الربع التالت.
قسم الشراكات كان مطلوب منه يعرض قدام أكتر من إدارة، وده لوحده كان مسبب توتر للجميع. وبعدين ظهر أدهم الكيلاني على رأس ترابيزة الاجتماعات، فتحول التوتر لعاصفة.
كان لابس بدلة رمادي غامق، قميص أبيض، ووشه مافيهوش أي تعبير. مساعده، دانيال حمدي، كان قاعد على بعد كرسيين بهدوء متأهب كأنه راجل قضى سنين بيقرأ الصمت بالرادار.
كل واحد قدم عرضه بترتيب تصاعدي من الرعب.
وبعدين وقفت ميار.
كانت لابسة بنطلون أسود واسع، بلوزة حرير زمردي، بليزر أسود بأزرار دهب، حذاء أسود مدبب، وإكسسوارات دهب ناعمة.

شعرها كان مرفوع بتسريحة هندسية قضت فيها اتنين وعشرين دقيقة وما ندمتش ولا ثانية.
فتحت أول سلايد.
العنوان كان:
توقعات الربع الثالث… أو كيف تركت الكيلاني جروب المال على الترابيزة وأنا وجدته
الأوضة سكتت.
عين أدهم اتحركت من السلايد ليها.
قالت:
“عارفة. عنوان جريء. وأنا متمسكة بيه.”
وبعدين قدمت خمسة وأربعين دقيقة من أدق وأقسى وأغنى تحليل استراتيجي القسم شافه من سنين.
حددت تلات فرص شراكة متجاهلة. شرحت إزاي اتفوتوا من غير ما تهاجم أشخاص، لكنها ركزت على خلل في العمليات. عملت نماذج للعائد المتوقع بطريقتين مختلفتين. توقعت الاعتراضات قبل ما تتقال.

وختمت بمصفوفة أولويات كانت، بصراحة، استعراضية شوية.
بس كانت تستحق الاستعراض.
عند الدقيقة التلاتين، مدير كبير فتح اللابتوب وبدأ يكتب ملاحظات.
عند الدقيقة التمانية وتلاتين، أدهم مال لقدام نص بوصة.
دانيال شاف الحركة وكان هيوقع القلم من إيده.
لما ميار خلصت، الصمت ماكانش خوف.
كان إعادة حساب.
قالت:
“أسئلة؟”
مدير رفع إيده:
“الجدول الزمني للشراكة التالتة واضح إنه طموح زيادة.”
قالت ميار:
“فعلاً. وده سبب إنه لسه قابل للتحقيق.”
فتحت سلايد ملحق محضراه تحديدًا للاعتراض ده، وفككته بهدوء.
أدهم ما اتحركش.

لما الاجتماع خلص والناس بدأت تلم حاجتها، صوته قطع الهمهمة.
“سلايد سبعة.”
الكل وقف.
ميار رفعت عينيها.
قال:
“تحليل الفجوة. إنتِ قارنته بفترة إعادة الهيكلة في 2019.”
قالت:
“أيوه.”
“ليه مش 2021؟”
“لأن 2021 كانت سنة استثنائية بسبب ظروف السوق. استخدامها كمعيار كان هيصغر الفجوة بشكل غير حقيقي. أنا كنت عايزة دقة، مش راحة.”
حاجة عدّت على وشه.
مش ابتسامة.
الحاجة اللي قبلها.
قال:
“عنوان العرض بتاعك.”
قالت:
“مغرور؟”
“دقيق.”
مالت راسها:
“الاتنين ممكن يكونوا صح.”
وهنا حصلت.

طرف بقه اتحرك.
وبعدين عينه نزلت لآخر سلايد سبعة.
ميار كانت ناسية الفوتر.
كان مكتوب بخط رمادي صغير جدًا، تقريبًا غير مرئي إلا لو حد ركز:
نعم، وجدت ماكينة القهوة الإيطالي. لا، لا أشعر بأي ندم.
أدهم ضغط شفايفه على بعض.
كتفه اتحرك مرة.
وبعدين ضحكة هربت منه.
واطية.
حقيقية.
غير مصرح بها.
قاعة الاجتماعات كلها استقبلتها كأنها زلزال صغير.
حجمها صغير.
لكن أثرها ضخم.
أدهم رجع لتماسكه في ثانيتين.
الباقيين احتاجوا وقت أطول.
ميار قفلت اللابتوب بهدوء مهني وقالت:

“شكرًا على وقت حضرتك يا أستاذ أدهم.”
وقف، زرّر جاكيته، وخرج.
دانيال وهو خارج عدّى جنب ميار وبص لها بنظرة فيها رواية كاملة.
بعد كده، لاونج الصبح بقى حاجة محدش فيهم سماها.
في الأول، كانوا بيتشاركوا الصمت.
بعدها جُمل.
بعدها أحاديث.
مش دايمًا. ومش بالإجبار. أدهم ماكانش بيسأل أسئلة فارغة. كل سؤال منه كان له وزن، كأنه بيعتبر الكلام مادة نادرة مايحبش يهدرها.
سألها عن إسكندرية في صباح رمادي من نوفمبر.

حكت له عن البحر في الشتاء، عن شوارع سيدي بشر، عن سندوتشات الكبدة اللي بتتاكل واقف بعد نص الليل، عن صوت الترام، عن جمال مدينة عنيدة وحزينة وفيها كبرياء غريب.
قال:
“وحشاك.”
قالت:
“كل يوم. بس المفروض أكون هنا دلوقتي.”
“عرفتي إزاي؟”
بصت على القاهرة من الشباك.
“لأني لسه ماحبتش أمشي.”
ماقالش حاجة.
لكن الصمت مع أدهم كان اتغير.
ما بقاش فاضي.
بقى مفروش.
حتة حتة. كرسي كرسي. لمبة لمبة. لحد ما في صباح من الصبحيات بصت حواليها وحست إنه مكان تعرفه.

اللي ميار عرفته عن أدهم الكيلاني خلال الشهور اللي بعدها كان الآتي:
هو ماكانش بارد.
كان مسيطر على نفسه.
وفي فرق.
كبر في عيلة الحب فيها بييجي متنكر في شكل توقعات، والرضا ما يوصلش غير بعد الإنجاز. جده بنى الشركة. أبوه وسعها. وأدهم ورث مش بس الإمبراطورية، لكنه ورث عبء إنه ما يكسفش اسم العيلة أبدًا.
اتعلم بدري وبقسوة إن أي رغبة شخصية لازم تبرر نفسها قدام اسم العيلة.
الموسيقى ماكانتش بتبرر نفسها.
والرقص بالتأكيد لا.
كان نفسه يدرس تأليف موسيقي في الجامعة.
أبوه دخله إدارة أعمال.

كان بيحب أفلام الأكشن الأمريكية الرديئة من التسعينات، اللي فيها انفجارات مستحيلة وجمل مافيش إنسان طبيعي يقولها. وكان بيعرف يطبخ، بجد. مش استعراض. كان فاهم الحرارة، الدهون، الحموضة، الوقت. علم نفسه في العشرينات وهو بيسافر لوحده، واكتشف إن الأكل اللي يتعمل بانتباه واحد من الحاجات الصادقة القليلة اللي الفلوس ماتقدرش تقلدها.
ماكانش قال الحاجات دي لحد.
وميـار ما انتزعتهاش منه.
كانت بتطلع واحدة واحدة. من إشارة لفيلم. من مرة عمل لها قهوة وضبط النسبة بالمللي. من تعليق عن السـ,ـكينة والتقطيع. من التوقف الصغير المندهش بعد ما يقول حاجة ماكانش ناوي يقولها.
قالت له مرة:

“إنت بتحب الطبخ.”
قال:
“أنا أعرف أطبخ.”
“مش ده اللي قلته.”
بص في قهوته.
وهي ابتسمت في قهوتها.
أول مرة يشوفوا بعض بره الشغل ماكانتش متخطط لها.
على الأقل، ميار ماكانتش مصدقة إنها متخطط لها.
كان يوم سبت في ديسمبر، البرد فيه يخلي الناس تمشي أسرع. كانت في سوق قديم في الزمالك، ماسكة جاكيت جلد بني وبتفحصه بتركيز جراح.
وفجأة وقف حد جنبها.
رفعت عينها.
أدهم الكيلاني واقف هناك، بجينز غامق، بلوفر أسود بسيط، بالطو رمادي طويل، وكوتشي أبيض.
من غير كرافتة.
من غير درع المدير التنفيذي.

مجرد راجل في سوق، باين عليه الذنب قليلًا لأنه موجود خارج التوقعات.
قالت:
“أستاذ أدهم.”
قال:
“آنسة ميار.”
“بتعمل إيه في الزمالك يوم السبت؟”
سكت لحظة.
“بتمشى.”
“لحد سوق قديم؟”
“في اتجاه واحد.”
درسته بعينيها.
حافظ على وش محايد.
بشكل سيئ.
قالت:
“تحب تتفرج؟ أنا بقالي ساعة هنا ولقيت تلات حاجات تستحق الحكم عليها.”
حاجة ارتاحت جواه.
بص على الجاكيت وقال:
“جربيه.”
جربته.
طلع كأنه مستنيها.
واسع بالمقاس الصح. ناعم من سنين حياة حد تاني.

جلد بني غني يخليها حاسة إنها لازم تبقى واقفة جنب جهاز موسيقى قديم سنة 1978.
أدهم بص له بتقييم جاد.
قال:
“كويس.”
“اللون لايق؟”

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!