Advertisements
Advertisements
منوعات

مقيده حكـايـات أسمـا ×3

Advertisements

الفصل الثالث: الحقيقة التي دفنتها الأم بقيت ريم تحدق في الورقة الصغيرة وكأن الكلم,,ات المكتوبة عليها تتحرك أمام عينيها. “لو كنتِ عايزة تعرفي ليه اتخطفتي… اسألي أمك.” كانت الجملة قصيرة. لكنها أصابت قلبها كالرصاصة. لأن هناك مشكلة واحدة. أمها م,,اتت منذ خمس سنوات. رفع سليم رأسه من الورقة. ثم نظر إليها. لاحظ الشحوب الذي غطى وجهها. والارتعاشة التي بدأت في أصابعها. اقترب منها فورًا. وقال: “ريم؟” لم ترد. كرر بصوت أكثر هدوءًا: “ريم.” رفعت عينيها إليه أخيرًا.

وهمست: “أمي م,,اتت.” ساد الصمت. ثم جلس سليم أمامها. وقال: “احكيلي.” أغمضت ريم عينيها للحظة. وكأنها تحاول العودة سنوات إلى الوراء. إلى بيتها القديم. إلى طفولتها. إلى أمها. إلى الأسرار التي لم تفهمها يومًا. — كانت والدتها، نادية عبدالسلام، امرأة هادئة بصورة غريبة. لم تكن تتحدث كثيرًا عن الماضي. كلما سألتها ريم عن سنوات شبابها كانت تبتسم فقط. ثم تغير الموضوع. وكلما سألت عن والدها. كانت الإجابة نفسها دائمًا. “أبوك م,,ات وإنتِ صغيرة.” فقط. لا تفاصيل.

لا صور. لا قصص. لا ذكريات. في البداية لم تهتم ريم. لكن كلما كبرت بدأت تلاحظ أشياء غريبة. مثل الصندوق الخشبي القديم الذي كانت أمها تخفيه داخل خزانتها. مثل الصور التي كانت تختفي كلما حاولت رؤيتها. مثل الرسائل التي كانت تح,,رقها فور وصولها. ومثل ذلك الاسم. الاسم الذي سمعته مرة واحدة فقط. حين كانت في الثانية عشرة. استيقظت ليلاً على صوت بكاء أمها. خرجت من غرفتها. ورأتها تمسك صورة قديمة. وتهمس باسم رجل. اسم لم تنسه ريم أبدًا.

حسن. — عاد سليم إلى الحاضر. وتجمد مكانه. “حسن؟” أومأت ريم ببطء. “أيوه.” شعر سليم أن قلبه توقف للحظة. والده. مرة أخرى. دائمًا يعود الأمر إليه. قالت ريم: “افتكرت وقتها إنه مجرد حد من الماضي.” “لكن دلوقتي…” توقفت. ثم أكملت بصوت مرتعش: “أنا مش متأكدة من أي حاجة.” — بعد ساعة واحدة… كان موسى يقود السيارة نحو حي مصر الجديدة القديم. الحي الذي عاشت فيه نادية عبدالسلام معظم حياتها. جلس سليم بجوار ريم. بينما كان الصمت يسيطر على السيارة.

لم يكن أي منهما يعرف ما الذي سيجده هناك. لكن شيئًا داخلهما كان يخبرهما أن كل الإجابات موجودة في ذلك البيت. أو ما تبقى منه. — وصلوا عند الظهيرة. كان المنزل صغيرًا. قديمًا. مكونًا من طابقين. ويبدو أنه لم يُفتح منذ سنوات. أخرجت ريم المفتاح القديم الذي احتفظت به بعد وف,,اة والدتها. فتحت الباب. فانبعثت رائحة الغبار والذكريات. دخلت ببطء. وشعور غريب يملأ ص,,درها. هنا تربت. هنا كانت أمها. هنا م,,اتت. بدأوا البحث. غرفة بعد أخرى.

دولاب بعد دولاب. لكن لم يجدوا شيئًا. حتى وصلوا إلى غرفة النوم. هناك توقفت ريم فجأة. كانت تحدق في المرآة القديمة المثبتة بالحائط. ثم اقتربت منها. وقالت: “أمي كانت دايمًا تمنعني ألمس المراية دي.” نظر إليها سليم. ثم اقترب. مرر يده على الإطار الخشبي. فسمع صوتًا مختلفًا. صوت فراغ خلف الحائط. تبادل النظرات مع موسى. ثم بدأ يفحص الإطار. وبعد دقائق… تحرك جزء صغير من الخشب. وانفتح تجويف سري داخل الجدار. شهقت ريم. بينما أخرج سليم صندوقًا معدنيًا صغيرًا.

كان مغلقًا بمفتاح. لكن المفتاح كان مثبتًا بشريط لاصق أسفل الصندوق. فتحه ببطء. وفي الداخل… وجدوا عشرات الصور. ورسائل قديمة. ووثائق. وفوق الجميع… صورة واحدة. صورة جعلت الدم يتجمد في عروقهم. كانت صورة لحسن الحديدي. شابًا في الثلاثينات. يقف مبتسمًا. وبجواره امرأة شابة. نادية. والدة ريم. — جلست ريم على الأرض. غير قادرة على الكلام. بينما أخذ سليم الصور واحدة تلو الأخرى. كل صورة كانت تؤكد الشيء نفسه. علاقة حب طويلة. رحلات. هدايا. خطابات. ذكريات.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الرسالة الأخيرة. فتحها سليم. وبدأ يقرأ. ثم توقف. وشحب وجهه. قالت ريم بسرعة: “في إيه؟” ناولها الرسالة. فأخذتها بيد مرتعشة. وبدأت القراءة. “نادية… لو وصلك الخطاب ده يبقى أنا فشلت. أبويا عرف الحقيقة. وعرف إنك حامل. وهددني. قال لو اتجوزتك هيحرمني من كل حاجة. لكن ده مش اللي خوفني. اللي خوفني إنه قال إنه هيأذيكي. أنا مضطر أختفي. ولو حصل ليا حاجة… خلي بالك من بنتنا.” توقفت ريم عن القراءة.

ولم تعد ترى الكلم,,ات. شعرت بالدموع تنساب على وجهها. ثم همست: “بنتنا؟” رفع سليم رأسه ببطء. وكان وجهه شاحبًا كالأموات. لأنه فهم الحقيقة في نفس اللحظة. الحقيقة التي قلبت العالم كله. إذا كانت الرسالة صحيحة… فهذا يعني شيئًا واحدًا. شيئًا مستحيلاً. شيئًا لم يكن أي منهما مستعدًا لسماعه. قالت ريم بصوت مكسور: “حسن الحديدي…” “يبقى أبويا؟” لم يجب أحد. لأن الصمت نفسه كان الجواب. — في نفس الوقت… داخل قصر الحديدي. كان حسن يجلس في مكتبه.

يشرب القهوة بهدوء. عندما دخل أحد رجاله. وقال: “لقو الصندوق.” أغلق حسن عينيه للحظة. ثم ابتسم. ابتسامة غريبة. وقال: “كنت عارف إن اليوم ده هييجي.” سأله الرجل: “نعمل إيه؟” فتح حسن درج مكتبه. وأخرج صورة قديمة. صورة لطفلة صغيرة. كانت ريم. عمرها لا يتجاوز العامين. ظل ينظر إليها لثوانٍ. ثم قال: “المرحلة الأخيرة بدأت.” “هاتوا الملف.” سأل الرجل: “أي ملف؟” رفع حسن عينيه. وقال الجملة التي ستغير كل شيء: “ملف تبديل الأطفال.” — في تلك اللحظة…

شعر سليم وكأن الأرض انهارت تحت قدميه. ملف ماذا؟ لم يكن يعرف. لكن شيئًا داخله أخبره أن الحقيقة أسوأ بكثير مما تخيل. وأن ريم ليست فقط ابنة حسن الحديدي. بل ربما تكون الوريثة الوحيدة لسر دفن منذ أكثر من ثلاثين عامًا. سر -,,- الناس من أجله. وسُجنت بسببه. واختُطفت من أجله. وربما… ستُ-,,- بسببه أيضًا. يتبع في الفصل الرابع والأخير: “ملف تبديل الأطفال”… حيث تنكشف أكبر أسرار عائلة الحديدي، وتواجه ريم والدها الحقيقي لأول مرة، وتظهر الحقيقة وراء اختطافها والسنوات التي سُرقت من حياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!