
ابنـي عنـده 13 سـنة مـات وبـعد كـام أسـبوع مـن العـزا مُـدرسـته كلمتـني وقـالت: يا مدام، ابنك سايبلك جواب… لازم تيجي المدرسة حالًا!”
ابني اسمه يوسف… وخسرته في حاد-ثة مأساوية عند النيل.
جوزي كان واخده هو وكام صاحب له في رحلة زي اللي بيعملوها كل سنة… فسحة بسيطة، يوم يتفسحوا فيه بعيد عن ضغط الحياة.
بس اليوم ده… كان آخر يوم في عمره.
يوسف اتزحلق ووقع في الميه… والدنيا قلبت فجأة، هوا شديد وموج عالي، والتيار شده بسرعة قبل ما حد يلحقه.
فرق الإنقاذ دورت عليه في كل حتة… في الميه، وعلى الشط، وحتى في الأماكن القريبة…
بس… مالقوش أي أثر.
فضلوا يدوروا وقت طويل… من غير نتيجة.
وفي الآخر، قالوا إن التيار كان قوي جدًا… وإن فرص نجاته كانت شبه مستحيلة… واتسجل رسميًا إنه مات.
أنا… ماكنتش قادرة أستوعب.
دخلت المستشفى فترة، لأن حالتي كانت منهارة تمامًا.
جوزي هو اللي تولى كل حاجة… حتى العزا…
أنا ماكنتش قادرة أعمل أي حاجة.
حتى يوم الدفنة… كنت واقفة بالعافية… رجلي مش شايلاني.
جوايا كان فيه فراغ… فراغ مرعب… كأني فقدت نفسي مش بس ابني.
عدّت أسابيع… بالعافية بدأت آكل لقمتين في اليوم.
معظم وقتي كنت بقضيه في أوضة يوسف…
أبص على هدومه، لعبه، كتبه… وأحاول أصدق إنه مش موجود.
لحد امبارح…
مدام دلال، مُدرسة الرياضيات بتاعته — اللي كان بيحبها جدًا — كلمتني.
صوتها كان غريب… مهزوز.
قالتلي:
“مساء الخير… أنا مش عارفة أشرح إزاي… بس لقيت ظرف في درج مكتبي… من يوسف… مكتوب عليه اسمك… لازم تيجي حالًا.”
لبست بسرعة وطلعت على المدرسة.
أول ما دخلت… لقيتها وشها شاحب، وإيديها بتترعش.
مدّتلي الظرف وقالت:
“والله ما عارفة ده جه هنا إزاي… لقيته النهارده بس…”
دموعي نزلت وأنا باخده منها.
كان مكتوب عليه بخط يوسف:
“لماما”
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني بالعافية عرفت أفتحه.
جواه… كان جواب.
أول سطر فيه… خلاني مش قادرة أتنفس: ماما… أنا كنت عارف إن الجواب ده هيوصلك لو حصل لي حاجة… لازم تعرفي الحقيقة… الحقيقة عن بابا… وكل اللي كان بيحصل في السنين اللي فاتت…
اللهم اخرجنا من كل ضيق إلى أوسع طريق.. واهدِ نفوسنا لما يرضيك ووسّع علينا في أنفسنا وأحوالنا يا كريملايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
✉️ الرسالة اللي غيرت كل حاجة
مسكت الجواب بإيدي اللي كانت بتترعش كأنها مش بتاعتي… وفضلت واقفة قدام مدام دلال مش قادرة أفتح… مش قادرة أواجه أي حاجة ممكن تكون جواه… كأني حاسة إن الورقة دي ممكن تسرق مني آخر حاجة فاضلة من يوسف… ذكرياته اللي كنت متمسكة بيها بكل قوتي… بس في نفس الوقت كان فيه حاجة بتشدني… فضول مخلوط بخوف… رعب من الحقيقة اللي هو قال عليها
فتحت الجواب بالعافية… وعيوني بدأت تتحرك على السطور
“ماما… لو بتقري الجواب ده… يبقى أنا مشيت… أو حصل لي حاجة كبيرة…
أنا آسف إني كتبت كده بس كنت حاسس إن في حاجة غلط بتحصل حوالينا… وحاسس إني لازم أقولك… حتى لو ماقدرتش أقولك وأنا عايش”
حسيت نفسي مش قادرة آخد نفسي… قلبي بيدق بسرعة مرعبة… وكلامه بيخبط جوايا زي الطلقات
“ماما… أنا بحبك قوي… ومش عايزك تزعلي مني… بس أنا كنت بشوف حاجات… حاجات عن بابا… حاجات مش طبيعية”
إيدي شدت على الورقة… وبصيت حواليّا كأني خايفة حد يسمعني وأنا بقرأ… رغم إن المكان كان فاضي
“بابا مش زي ما إحنا فاكرين… هو بيخرج بالليل كتير… وبيقول إنه شغل… بس أنا شوفته كذا مرة وهو بيقابل ناس غريبة…
ناس شكلها يخوف… وسمعته بيتكلم في التليفون عن فلوس… وعن حاجة اسمها الشحنة”
وقفت… عيني وسعت… الشحنة؟!
كملت وأنا جسمي كله بيرتعش
“وفي مرة… صحيت بالليل… وسمعت صوت عالي في الصالة… بابا كان بيزعق… وكان فيه راجل تاني معاه… الراجل كان بيقوله إن الموضوع كبر وإن في حد لازم يتحاسب… وبابا قاله بالحرف… (لو حد قرب من العيلة أنا هخلص عليه بنفسي)”
الورقة وقعت من إيدي لحظة… بس التقطتها بسرعة كأنها حياة يوسف نفسه
مدام دلال كانت بتبصلي بقلق… بس أنا ماكنتش شايفاها… كنت غرقانة جوا الكلام
“أنا خفت يا ماما… بس ماقدرتش أقولك…
لأني كنت عارف إنك هتزعلي… ويمكن ما تصدقينيش… بس أنا بدأت أراقبه… آه أنا عارف إن ده غلط… بس كنت خايف علينا”
دموعي كانت بتنزل من غير صوت
“في مرة شوفته مخبي شنطة تحت السرير… فتحتها لما كان برا… لقيت فيها فلوس كتير قوي… وحاجات تانية… مش فاهمها… بس شكلها مش كويس”
حسيت بدوخة… وقلبي وقع في رجلي
“ماما… أنا حاسس إن بابا في حاجة كبيرة… حاجة ممكن تأذينا كلنا… وأنا خايف عليكي… وعلي نفسي كمان”
السطور كانت بتتهز قدامي
“اليوم اللي رايحين فيه الرحلة… أنا سمعت مكالمة…
بابا كان بيقول فيها إن كل حاجة هتخلص النهارده… وإن بعد الرحلة مش هيكون فيه مشاكل تاني”
نفسي اتقطع
“أنا مش فاهم يعني إيه… بس حاسس إن في حاجة هتحصل… لو أنا رجعت… هحكي لك كل حاجة… لو ما رجعتش… يبقى لازم تعرفي الحقيقة… وما تثقيش في بابا زي الأول”
وصلت لآخر سطر
“بحبك يا ماما… يوسف”
الورقة وقعت من إيدي تاني… بس المرة دي ماقدرتش أمسكها
رجلي خدتني ووقعت على الكرسي… جسمي كله ساقع… كأني خرجت من جسمي
مدام دلال قربت مني بسرعة وقالت: انتي كويسة؟
بس أنا ماكنتش سامعة…
صوت يوسف بس هو اللي مالي وداني
“ما تثقيش في بابا”
الجملة دي فضلت تتردد في دماغي… تاني… وتالت… وعاشر
رفعت عيني بصعوبة وبصيت لمدام دلال
قلت بصوت مبحوح: الجواب ده… كان فين؟
قالتلي: في درج مكتبي… أنا والله عمري ما شوفته قبل كده… بس يوسف كان بييجيلي أحيانًا يحل واجباته هنا… يمكن حطه وسابه
هزيت راسي ببطء… بس جوايا كان فيه إعصار
يوسف… كان عارف
يوسف… كان خايف
يوسف… مات… بعد الرحلة اللي قال عليها
رفعت الجواب تاني… وبصيت على الخط…
نفس الخط اللي كان بيكتب بيه “بحبك يا ماما” في كراسته
خرجت من المدرسة وأنا تايهة… مش شايفة الطريق… كل حاجة حواليّا بقت بعيدة
ركبت العربية… وسقت… وأنا مش حاسة بنفسي
كل حاجة بدأت تربط ببعضها
جوزي… اختفاؤه المفاجئ بعد الحادث
بروده الغريب
رفضه يتكلم في تفاصيل اللي حصل
جملته الوحيدة اللي قالها: “قضاء وقدر”
وصلت البيت… دخلت… لقيته قاعد في الصالة
أول ما شافني… قال: كنتي فين؟
صوته كان عادي… عادي بشكل مرعب
بصيتله… لأول مرة أحس إني مش عارفة الراجل ده
مسكت الجواب بإيدي… وقلتله بهدوء مخيف:
يوسف سابلي ده
وشه اتجمد… للحظة صغيرة… بس أنا لحظتها شفتها
الخوف
قال: إيه ده؟
مديتله الورقة
إيده اترددت قبل ما ياخدها… وبعدها فتحها
بدأ يقرأ
وكل سطر كان بيقراه… كان وشه بيتغير
اللون بيروح… عرق بدأ يظهر على جبينه
لحد ما وصل لآخر سطر
سكت
سكت سكوت تقيل
رفعت صوتي لأول مرة: إيه الكلام ده؟!
ما ردش
قمت وقفت قدامه: يوسف بيقول إيه؟! بيقول إيه يا أحمد؟!
قال بصوت واطي: عيل صغير… بيتخيل
ضحكت… ضحكة مكسورة: بيتخيل؟! ابني مات يا أحمد! مات!
وده آخر كلام كتبه… وتقولي بيتخيل؟!
سكت تاني
قربت منه خطوة: الرحلة دي… حصل فيها إيه؟
قال بسرعة: قولتلك… حادث
صرخت: كدب!!
الصوت خرج مني بطريقة أنا نفسي اتفاجئت بيها
رجع لورا خطوة… وقال بعصبية: انتي بتقولي إيه؟!
قلت وأنا عيني في عينه: يوسف سمعك… سمعك وانت بتقول إن كل حاجة هتخلص في الرحلة
سكت
السكون المرة دي كان أخطر
قلت بهدوء مرعب: انت كنت ناوي إيه؟
بصلي… نظرة عمري ما شفتها منه
نظرة واحد اتكشف
قال: انتي مش فاهمة حاجة
قلت: فهمني
سكت شوية…
وبعدين قعد على الكرسي كأنه اتكسر
حط إيده على وشه
وقال بصوت مهزوز: أنا… كنت متورط
قلبي وقع
قال: شغل… مش كويس… دخلت فيه غصب عني
صرخت: غصب عنك؟!
قال: كان لازم… ديون… ضغط… ناس كبيرة
قعدت قدامه… مش قادرة أستوعب
قال: الشحنة اللي يوسف سمع عنها… كانت آخر حاجة… وبعدها كنت هطلع
قلت: ويوسف؟
سكت
سكت بطريقة خلت الدم يجمد في عروقي
قلت بصوت واطي: ويوسف يا أحمد؟
بصلي… وعينه فيها دموع لأول مرة
قال: ماكنتش أقصد
الدنيا لفت بيا
قلت: تقصد إيه؟
قال: هو شاف حاجة… يوم الرحلة
نفسي اتقطع
قال: كان فيه ناس معانا… مش صحاب عاديين… كانوا عايزين يسلموا حاجة
بصيتله بصدمة
قال: يوسف قرب… سمع… فهم إن في حاجة غلط
صوته بدأ ينهار
قال: خاف… وهدد إنه هيقولك
دموعي نزلت بحرقة
قلت: وبعدين؟
سكت… وبعدين قال جملة قتلتني
قال: حاولت أبعده… بس زقته… وهو اتزحلق
الصمت وقع تقيل
أنا ما سمعتش بعدها حاجة
بس جملة واحدة فضلت تتردد
“زقته”
ابني… ما ماتش حادث
ابني… اتقتل
بصيتله… وأنا مش شايفة غير دم
قمت…
ومشيت ناحية التليفون
قال وهو بيقوم بسرعة: هتعملي إيه؟
بصيتله ببرود عمري ما حسيت بيه
قلت: هكمل اللي يوسف بدأه
مسكت التليفون… وطلبت الشرطة
وإيدي ثابتة لأول مرة من يوم ما يوسف مات
لأن الحقيقة… مهما كانت قاسية
أرحم بكتير من الكدب
ويوسف… ابني
حتى وهو مشي
أنقذني
وأنقذ نفسه
من إنه يفضل مجرد “حادث”
لأ…
يوسف بقى حكاية
حكاية حق
وحكاية أم
قررت… ما تسكتش تاني
— حكـايات أسـمـا السيـد يتبع…
