
الصفعة نزلت على وش آية… بس الوجع الحقيقي ماكانش في جلدها… الوجع كان في الإهانة… في اللحظة اللي افتكرت فيها كل مرة سامحته فيها… كل مرة صدقت إنه مش قاسي… هو بس خايف… كل مرة بررت بروده وانسحابه وسكوته… وفجأة لقت نفسها واقفة في ممر مستشفى قدام راجل كان يومًا أقرب الناس ليها… وراجل دلوقتي مد إيده عليها وهي حامل… آية ما صرختش… ما ردتش الصفعة… ما عملتش مشهد… بس عينيها اتغيرت… اتغيرت بطريقة خلت إيهاب نفسه يرجع خطوة لورا… كأنه شاف قدامه واحدة ماتت في ثانية واتولدت مكانها واحدة تانية… أقوى… أبرد… وأبعد منه بسنين… حطت إيدها على خدها ببطء…
وبعدين بصتله وقالت بصوت هادي يخوف أكتر من أي صريخ: دي آخر مرة تمد إيدك عليا يا إيهاب… وآخر مرة تقف قدامي كأن ليك حق فيا… هو كان لسه بيتنفس بغضب… صدره طالع نازل… عينه حمرا… بس لما سمع الجملة حس بحاجة وقفت في حلقه… حاول يتكلم… قال “إنتي استفزتيني”… ابتسمت آية ابتسامة موجوعة وقالت “طبعًا… دايمًا في سبب… دايمًا أنا اللي غلطانة… حتى لما تسيبني وأنا حامل… حتى لما تختفي… حتى لما تيجي تسألني كأني مدينة لك بإجابة… حتى لما تضربني… برضه أنا استفزتك”… الكلمة الأخيرة كسرت حاجة جواه… بس قبل ما يرد… صوت صغير جه من آخر الممر “بابا؟”
الاتنين بصوا… هنا كانت واقفة على باب أوضة الملاحظة… لابسة روب المستشفى الصغير… وشها أصفر من التعب… وعينيها مليانة رعب… كانت شافت كل حاجة… إيهاب اتجمد… كل الغضب اللي كان ماليه اتبخر في لحظة… اتحول لخزي… لخوف… لشيء هو مايعرفش يتعامل معاه… آية اتحركت فورًا ناحيتها… نزلت على ركبتها بصعوبة بسبب حملها… وقالت بحنان “إنتي قومتي ليه يا حبيبتي؟ لازم تفضلي في السرير”… هنا كانت بتبص لأبوها مش لآية… وقالت بصوت مكسور “بابا… إنت ضربت الدكتورة؟” السؤال كان بريء… بس كان أقسى من أي حكم… إيهاب فتح بقه ومقدرش يرد… قرب خطوة وقال “هنا… حبيبتي… أنا…” لكنها رجعت خطوة ورا آية…
الحركة الصغيرة دي ذبحته… بنته اختارت تختبي ورا الست اللي هو أهانها من دقايق… آية حست بجسم الطفلة بيرتعش… مسكت إيدها وقالت “تعالي نرجع الأوضة… إنتي محتاجة راحة”… هنا همست “هو هيزعق تاني؟”… آية بصت لإيهاب لحظة… وبعدين قالت بهدوء “لا… محدش هيزعق هنا”… وكانت الرسالة واضحة… المستشفى مكان أمان… مش مكان غضب رجالة مكسورين بيطلعوا وجعهم على غيرهم… دخلت هنا الأوضة وقعدتها على السرير… نادت الممرضة… طلبت منها تفضل معاها… وبعدين خرجت… إيهاب كان واقف في نفس مكانه… شكله مش شبه رجل أعمال ولا أب قوي… كان شبه واحد شاف نفسه في مراية لأول مرة وماتحملش المنظر…
قال بصوت واطي “آية… أنا…” رفعت إيدها توقفه “مفيش كلام بينا دلوقتي… بنتك هتبات للملاحظة… هتمضي على الورق… وهتلتزم بالهدوء… ولو حصل أي تجاوز تاني هبلغ الأمن… وبعدها الشرطة”… رفع عينه ليها بصدمة… “شرطة؟” قالت “آه… شرطة… أنا دكتورة في شغلي… مش ملكك القديم… ولا غلطتك اللي تقدر تدوس عليها وقت ما تحب”… الكلمات كانت باردة… بس تحتها كان في بحر نار… إيهاب قرب خطوة وقال “أنا اتجننت لما قولتي مش ابني”… عينيها لمعت… “وأنا اتجننت لما عرفت إني حامل وأنا لوحدي… اتجننت وأنا بسمع دقات قلبه لأول مرة ومفيش حد جنبي…
اتجننت وأنا برجع من الشغل منهكة وبطني بتكبر وكل يوم بسأل نفسي هقول لابني إيه عن أبوه… اتجننت لما كل ليلة كنت بحط إيدي على بطني وأقوله ماتخافش… أنا موجودة… رغم إني أنا نفسي كنت خايفة… بس الفرق بيني وبينك إني ما أذيتش حد بوجعي”… سكت… الكلام دخل فيه زي السكاكين… لأول مرة يسمع حجم اللي عمله… هو كان فاكر إن الغياب مجرد قرار… إن السكوت مجرد انسحاب… إن الجملة اللي قالها زمان “مش قادر أديكي اللي إنتي عايزاه” كانت نهاية علاقة… لكنه ماحسبش حساب اللي بيحصل بعد الباب مايتقفل… ماحسبش حساب ست تقعد لوحدها قدام اختبار حمل موجب…
تبكي من الخوف والفرحة في نفس اللحظة… ماحسبش حساب طفل بيتكوّن في صمت… وكرامة بتلم نفسها من الأرض قطعة قطعة… آية سابته ومشيت… وهو فضل واقف… لحد ما ممرضة عدت وقالت له “حضرتك مطلوب توقع استمارة الملاحظة”… اتحرك كأنه آلة… مضى… قعد قدام غرفة هنا… كل شوية يبص للباب… وكل شوية عينه تروح لا إراديًا ناحية آخر الممر اللي اختفت فيه آية… بعد ساعة… هديت الطوارئ شوية… وجت آية تراجع حالة هنا… دخلت بهدوء… هنا كانت صاحبة حظ غريب… ارتجاج بسيط… خوف كبير… وقلب طفل بيحاول يفهم ليه الكبار اللي المفروض يحموا بيكسروا… آية كشفت عليها بلطف… سألتها عن الصداع والغثيان…
هنا كانت بتجاوب بصوت خافت… وبعدين قالت “دكتورة آية… بابا مش وحش… هو بس لما بيخاف بيتعصب”… الجملة وجعت آية أكتر من الصفعة… لأن دي نفس الجملة اللي كانت بتقولها لنفسها زمان… هو مش قاسي… هو بس متلخبط… هو مش بارد… هو بس خايف… هو مش بيجرح… هو بس مش بيعرف يعبر… وكأن الستات والأطفال دايمًا مطالبين يترجموا قسوة الرجالة لمعاني ألطف علشان يعرفوا يعيشوا… آية ابتسمت لها بحنان وقالت “الخوف مايديش لحد حق يوجع حد تاني يا هنا… اللي بيحبك لازم يتعلم يحميكي من خوفه مش يخوفك بيه”… هنا بصت لها كتير… كأن الجملة دخلت في مكان عميق جواها…
بره الأوضة… إيهاب سمع الكلام… كل حرف… وحس إن بنته مش الوحيدة اللي كانت محتاجة تسمعه… بعد ما آية خرجت… لقاها ماشية ناحية مكتب الأطباء… وقف وقال “آية… دقيقة واحدة بس”… ماوقفتش… قال بسرعة “أنا آسف”… المرة دي وقفت… ببطء… من غير ما تلتفت… قال تاني “أنا آسف… على اللي حصل… على كل حاجة”… التفتت له… كانت عينيها متعبة… “الأسف مش زرار يا إيهاب… تدوس عليه يرجع كل حاجة زي الأول”… قال “عارف”… قالت “لا… إنت مش عارف… لأنك لو عارف ماكنتش عملت كده من الأول”… سكت… وبعدين قال “كنت غبي… وجبان… يوم ما سبتك… كنت خايف… من الإحساس… من المسؤولية…
من إنك تشوفي حقيقتي… راجل عنده كل حاجة ومش عارف يحب من غير ما يحسبها مكسب وخسارة”… بصتله للحظة… وكان جزء قديم منها عايز يسمع الكلام ده من زمان… بس الجزء ده كان اتدفن… وهي اللي دفنته بإيديها علشان تعرف تكمل…
