
قالت “الكلام ده كان ينفع من سبع شهور… قبل ما أتعلم أنام وأنا بعيط… قبل ما أروح للدكتور لوحدي… قبل ما أشتري هدوم البيبي لوحدي… قبل ما أقرر إن ابني هيكبر من غير ما يشوف أمه مكسورة”… إيهاب نزل عينه على بطنها… ولأول مرة ماكانش بيبص بصدمة ولا شك… كان بيبص بخوف حقيقي… خوف من إنه يكون ضيع عمر ابنه قبل ما يبدأ… قال بصوت مبحوح “هو ابني؟”… آية سكتت… والغضب القديم حاول يطلع تاني… كان نفسها تقول لأ… تحرمه من اليقين… تخليه يحس بعُشر الحيرة اللي عاشتها… لكنها بصت لجوه نفسها… وسألت: هل الانتقام هيخليني أهدى؟ ولا هيخليني أشبه وجعه؟
رفعت رأسها وقالت “أيوه… ابنك… بس الأبوة مش نسب وبس… الأبوة حضور… أمان… احترام… وإنت لحد اللحظة دي ما أثبتش إنك تستحق تبقى أب ليه”… دموعه لمعت لأول مرة… آية عمرها ما شافته كده… إيهاب ربيع اللي كان بيعتبر الدموع ضعف… واقف في ممر مستشفى وعينه مكسورة… قال “اديني فرصة”… قالت “الفرصة مش ليا… الفرصة ليه… وهو لسه ما اتولدش… وأنا مش هسمح إن أول درس ياخده في الدنيا إن أمه اتسامحت مع الإهانة علشان أبوه ندم”… الكلام خلّص الحوار… ومشت… في صباح اليوم التاني… حالة هنا اتحسنت… الصداع قل… والدكتور كتب خروج مع تعليمات متابعة… إيهاب جه ياخدها…
كان هادي بطريقة غريبة… بدلته لسه مكركبة… عينه حمراء من السهر… وهنا كانت ماسكة دبدوب صغير جابته لها ممرضة… آية دخلت تديهم التعليمات النهائية… “راحة يومين… ممنوع شاشة كتير… لو في قيء أو دوخة شديدة أو نوم غير طبيعي ترجعوا فورًا”… هنا قالت “هشوفك تاني يا دكتورة؟” آية ابتسمت “يارب تبقي كويسة وماتحتاجيش تيجي طوارئ تاني”… هنا بصت لبطنها وقالت “لما النونو ييجي… ممكن تقوليلي؟” آية اتفاجئت… وبصت لإيهاب من غير قصد… هو كان واقف ساكت… هنا كملت ببراءة “أنا بحب البيبيهات… وممكن أجيبله هدية”… آية حست بقلبها يلين غصب عنها… مش عشان إيهاب… عشان الطفلة دي…
اللي مالهاش ذنب في أخطاء الكبار… قالت لها “لما ييجي بالسلامة… هبقى أفتكرك”… هنا ابتسمت لأول مرة… ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية… بعد خروجهم… آية دخلت أوضة الكشف وقفلت الباب… قعدت على الكرسي وحطت إيدها على بطنها… ابنها اتحرك… حركة خفيفة… كأنه بيرد عليها… همست “ماتخافش… أنا هحميك”… بس دموعها نزلت… لأنها رغم قوتها… كانت تعبانة… قوية بس تعبانة… وفي الجهة التانية… إيهاب وصل البيت مع هنا… البيت الكبير اللي كان دايمًا فاكره دليل نجاحه… بانله لأول مرة واسع زيادة… بارد زيادة… هنا نامت بعد الدوا… وهو قعد جنب سريرها… بص على وشها الصغير… وافتكر سؤالها “إنت ضربت الدكتورة؟”…
السؤال كان بيتردد في دماغه كأنه حكم… قام ومسك موبايله… فتح صور قديمة كان مخبيها… صورة لآية وهي بتضحك في مطعم صغير بعيد عن الناس… صورة لإيدها ماسكة كوب قهوة… رسالة قديمة منها بتقول “أنا مش عايزة منك فلوس ولا اسم… أنا عايزة أحس إنك شايفني”… كان زمان يقرأها ويتضايق… دلوقتي قراها وحس إنه كان أعمى… مش بس ماشفهاش… ده داس عليها وهي بتحاول تقرب… في اليوم اللي بعده… آية كانت في المستشفى… حاولت تتصرف طبيعي… بس الخبر انتشر بين بعض العاملين إن رجل أعمال مشهور اعتدى على دكتورة في الطوارئ… الإدارة طلبت منها تعمل محضر داخلي… هي وافقت…
مش علشان تنتقم… علشان تحط حد… في آخر اليوم… وهي خارجة… لقت إيهاب واقف بعيد عن بوابة المستشفى… مش داخل… مش مستعرض… واقف وبس… أول ما شافها قرب بخطوات محسوبة… كأنه خايف وجوده نفسه يضايقها… قال “مش جاي أضغط عليك… ولا أجادل… أنا جاي أقولك إني سلمت نفسي للإدارة… واعترفت باللي عملته… ومستعد لأي إجراء”… آية اتفاجئت رغم إنها ما أظهرتش… قال “وعملت كمان حاجة… بدأت جلسات مع معالج نفسي… مش علشانك تسامحيني… علشان بنتي… وعلشان… ابني… مايشوفوش النسخة دي مني تاني”… آية فضلت ساكتة… الكلام كان مختلف… مش وعود حب… مش “هرجعلك الدنيا”… كان اعتراف بفعل… بخطوات…
وده أخطر من الكلام الجميل… قالت “كويس”… كلمة واحدة… لكنه استقبلها كأنها باب صغير اتفتح للضوء… قال “ممكن أتابع الحمل من بعيد؟… أعرف إنك كويسة؟ من غير ما أزعجك”… قالت “هفكر”… ومشيت… وهفكر دي بالنسبة له كانت أكتر مما يستحق… الأيام اللي بعدها… إيهاب ما اختفاش… لكنه كمان ما اقتحمش حياتها… بعت رسالة واحدة قصيرة كل أسبوع: “أتمنى تكونوا بخير… أنا موجود لأي شيء تحتاجيه… من غير ضغط”… آية ماكانت تردش غالبًا… أحيانًا تكتب “بخير”… وأحيانًا تسيب الرسالة مقروءة… وهو كان يتقبل… لأن دي كانت أول مرة يتعلم إن وجوده مش حق مكتسب… وإن الثقة مش بترجع بضغط ولا استعجال…
هنا بدأت تسأل عنه كتير… عن الدكتورة آية… عن النونو… وإيهاب كان يجاوب بحذر… لحد ما في يوم قالت له “بابا… لما تخلف الدكتورة النونو… هو هيبقى أخويا؟”… السؤال خلى قلبه يتلخبط… قعد جنبها وقال “أيوه… هو أخوكي”… هنا ابتسمت “طب ليه مش عايش معانا؟”… إيهاب سكت… وبعدين قال بصراحة تناسب سنها “علشان بابا غلط غلطة كبيرة… وجرح الدكتورة آية… وهي دلوقتي محتاجة تحس بالأمان”… هنا بصت له وقالت “إنت اعتذرت؟”… قال “أيوه”… قالت “بس الاعتذار مش كفاية… صح؟” ضحك بحزن… “صح يا هنا”… البنت الصغيرة اللي خافت منه في المستشفى بقت مرايته اليومية… وبعد شهر… آية كانت في متابعة حمل…
خرجت من العيادة بتقرير في إيدها… لقت إيهاب واقف بعيد… كانت هي اللي قالت له ميعاد المتابعة برسالة من كلمتين: “لو عايز تطمئن”… جه… بس فضل برا… ماطلبش يدخل… ماحاولش يفرض نفسه… لما خرجت قال “كل حاجة كويسة؟”… آية مدت له صورة السونار… من غير كلام… إيهاب مسكها بإيد بتترعش… الصورة كانت مش واضحة لأي حد… خطوط وظلال… لكنها بالنسبة له كانت كون كامل… ابنه… ابنه اللي كان قريب يضيع حقه فيه بسبب جبنه وغضبه… دمعة نزلت منه على الصورة… مسحها بسرعة… آية شافته… ومرة تانية قلبها وجعها… بس الوجع المرادي ماكانش ضعف…
كان حزن على اللي كان ممكن يكون لو هو كان رجلًا من البداية… قال “شكله إيه؟”… قالت غصب عنها “الدكتورة بتقول مناخيره كبيرة”… ضحك ضحكة صغيرة وسط الدموع “أكيد مني”… رفعت حاجبها وقالت “مش ميزة يعني”… ابتسم… ولأول مرة الضحكة ماوجعتهاش… كانت بعيدة… حذرة… لكنها إنسانية… بعد كده بدأ يحضر بعض المواعيد… دايمًا بإذنها… دايمًا على بعد خطوة… يدفع مصاريف المستشفى من غير ما يذكرها… ولما عرفت آية رفضت في الأول… قال لها “ده حقه… مش جميل مني”… الجملة خلتها تسكت… لأنه لأول مرة يفرق بين المسؤولية والمنّ… قرب ميعاد الولادة… وآية كانت أقوى من الأول بس خوفها زاد…
كل ما الليل يطول… تفتكر أم ماتت وهي بتولد… وأب اختفى… وعلاقات بتتكسر عند أول امتحان… وفي ليلة مطر قوية… جالها ألم مفاجئ… حاولت تقوم… الألم شد عليها… اتصلت بمريم صاحبتها… الخط مشغول… حاولت تطلب تاكسي… المطر موقف الدنيا… إيدها راحت للموبايل وهي مترددة… اسم إيهاب كان قدامها… ضغطت اتصال… رد من أول رنة… “آية؟” قالت بصوت متقطع “الولادة… تقريبًا بدأت”… ما سألش أسئلة كتير… قال “أنا جاي”… خلال وقت قصير كان تحت بيتها… مش عارف إزاي وصل وسط المطر… طلع يساعدها… أول ما شافها متألمة وشها أصفر… عينه اتمليت رعب… بس المرادي ما اتعصبش… ما صرخش… ما خلاش خوفه يوجعها…
قال بهدوء “أنا معاكي… خطوة خطوة”… سندها لحد العربية… طول الطريق كان بيكلمها بصوت ثابت… “تنفسي… بصيلي… إحنا قربنا”… آية وسط الألم كانت مستغربة… الراجل ده كان ممكن يبقى كده من الأول… كان ممكن يكون سند… مش جرح… وصلوا المستشفى… دخلت غرفة الولادة… ولما الممرضة سألت “الأب يدخل؟” آية سكتت… بصت له… إيهاب كان واقف بعيد… عينه بتستأذن مش بتطالب… قالت بصوت مرهق “يدخل”… دخل… وقف جنبها… ماسك إيدها بحذر… كأن إيدها شيء مقدس مش مسموح له يكسره تاني… الألم كان شديد… وهي كانت بتصرخ… وهو يقول “إنتي قوية… إنتي أقوى حد شفته في حياتي”… في لحظة ضعفت…
دموعها نزلت وقالت “أنا خايفة”… إيهاب قرب وقال “أنا عارف… بس أنا هنا… ومش همشي”… الجملة دي كانت بسيطة… بس آية كانت محتاجاها من سبع شهور… محتاجاها يوم اختبار الحمل… يوم أول سونار… يوم أول حركة… ومع ذلك… في اللحظة دي… وصلت متأخرة… لكنها وصلت… وبعد ساعات طويلة… صرخة صغيرة ملأت الغرفة… صرخة ابنهم… آية انهارت من البكاء… وإيهاب وقف مذهول… الممرضة حطت الطفل على صدر أمه… آية ضمته وهي بتترعش…