Advertisements
Advertisements
منوعات

ادهم وميار كامله حكايات اسما

Advertisements

“اشتريه.”
فاشترته.
بعد عشرين دقيقة، لقته ماسك أسطوانة قديمة، غلافها متآكل من الأطراف، وصباعه بيتحرك مرة فوق العنوان.
قالت:
“عندك مشغل أسطوانات؟”
“لأ.”
“عايز واحد؟”
سكت أطول.
“مش عملي غالبًا.”
“مش ده اللي سألته.”
بص للأسطوانة.
“آه.”
قالت:
“اشتريها.”
اشتراها.
قضوا أربع ساعات في الزمالك.
أكلوا من عربية صغيرة، اتناقشوا بأدب عن أنهي كافيه شكله أقل ادعاء، وقفوا يسمعوا عازف شارع حول الرصيف لقاعة موسيقى، ومشوا جنب جداريات ألوانها كانت كفاية تكسف الشتاء.
عند الناصية اللي طريقهم اتقسم فيها، قال أدهم:

“كان مقبولًا.”
ضحكت ميار:
“مديح عالي من الرجل نفسه.”
قال:
“أنا لا أمدح بلا استحقاق.”
“إذن هقبله.”
مشيت وهي شايلة الجاكيت على دراعها.
في نص الشارع، سمعته ينادي:
“الجاكيت جميل جدًا يا ميار.”
ما التفتتش.
لكنها ابتسمت ابتسامة واسعة لدرجة إن شخص غريب معدي ابتسم هو كمان.
مع يناير، المكتب بدأ يطلع نظريات.
مش عن اللاونج.
السر ده فضل مقفول.
لكن عن ميار جمال، البنت اللي جاية من إسكندرية، اللي بطريقة ما بقت الشخص الوحيد في المبنى القادر يخلي أدهم الكيلاني يتصرف كإنسان تقريبًا.

دانيال لاحظ أكتر من الكل.
لاحظ إن جدول أدهم بقى فيه فراغات غامضة يوم السبت. لاحظ إن رئيسه اللي كان بيرد على الإيميلات الساعة 11 ونص مساء الأحد، بعت مرة رد بيقول:
“سأتعامل مع الأمر يوم الاثنين. أنا مشغول.”
مشغول.
دانيال قعد يبص للكلمة عشرين ثانية.
وبعدين حفظها في دماغه بغريزة راجل عاش أربع سنين كمساعد أدهم الكيلاني.
ولاحظ كمان الطريقة اللي أدهم بيبص بيها لميار وهي بتتكلم في الاجتماعات.
مش كموظفة.
مش كمشـ,ـكلة.
لكن كباب ماكانش يعرف إنه موجود.

الكلام عن الرقص حصل في صباح قاسٍ من يناير، السما صافية وحادة كأنها تقدر تقطع زجاج.
ميار كانت واقفة عند الشباك بقهوة الإسبريسو.
وأدهم قاعد على الترابيزة يراجع تقرير.
سألته:
“بقالك قد إيه؟”
ما احتاجش تسأله تقصد إيه.
قال:
“اتناشر سنة.”
لفت من الشباك.
“بترقص بقالك اتناشر سنة ومحدش يعرف؟”
“عيلتي هتعتبره إهانة.”
“عيلتك غلطانة.”
عينه قابلت عينها.
سألته:
“أنهي ستايل؟”
“أكتر من نوع. معاصر الأول. بعدين عناصر هيب هوب. حركات قدم.

شوية ستايلات شارع.”
“بتتمرن فين؟”
“عندي مساحة في البيت.”
هزت راسها ببطء.
“عمرك قدمت عرض؟”
“لأ.”
“نفسك؟”
الصمت اللي جه بعدها كان أطول صمت اتشاركوه.
وبعدين قال بهدوء:
“آه.”
الكلمة نزلت بينهم.
مش درامية.
مش عالية.
لكن حية.
وأضاف:
“نفسي من وأنا عندي اتنين وعشرين سنة.”
ميار حطت القهوة.
كان شكله راجل سلّمها حاجة هشة ومتوقع إنها تكـ,ـسرها.
ماكسرتهاش.
قالت:
“أدهم.”
كانت أول مرة تستخدم اسمه من غير سخرية، من غير تحدي، ومن غير تختبئ ورا هزار.

ثبت مكانه تمامًا.
قالت:
“إنت واقف تلاتة وأربعين دور فوق القاهرة في مبنى عليه اسمك. بتوظف آلاف الناس. قراراتك بتحرك السوق قبل الغدا. ومع ذلك مخبي أفضل جزء فيك عشان عيلتك ممكن تتكسف؟”
شد فكه مرة.
قالت:
“إنت تستحق تقدم عرض.”
بص لتحت.
وبعدين فوق.
قال:
“إنتِ مباشرة جدًا.”
“أنا من إسكندرية. ده في الميه.”
وللمرة التانية، أدهم الكيلاني ضحك.
الجزء الثالث
العرض كان فكرة ميار.
وهي رفضت تتحمل مسؤولية الفوضى اللي حصلت بعدها.
مش مسؤوليتها إن الفيديو انتشر على السوشيال ميديا كأنه انفجار.

ولا مسؤوليتها إن صفحات الفن والبيزنس كتبت عناوين زي:
“رجل الأعمال الملياردير يخفي موهبة رقص مذهلة”
و“أبرد مدير تنفيذي في مصر يذيب الإنترنت”.
ولا مسؤوليتها عن التعبير اللي ظهر على وش نازلي الكيلاني، والدة أدهم، لما اكتشفت إن الجمهور مش محرج من ابنها… ده مفتون بيه.
ميار مش هتنسب كل ده لنفسها.
لكن البداية؟
آه.
دي كانت بتاعتها.
بدأت في فبراير، في لاونج الإدارة، في صباح ناعم رمادي.
أدهم كان موجود قبل ما توصل.
ده مش غريب.
لكن الغريب إنه كان بيتكلم بالفعل.
قال وهو بيبص في موبايله:

“في عرض فني.”
ميار صبت الإسبريسو.
استنت.
كمل:
“مستقل. رقص معاصر وستايلات شارع. آخر ويك إند في مارس.”
قالت:
“ودانيال اللي لقى العرض؟”
قال:
“نعم. من غير ما أطلب منه.”
“دانيال عبقري ولازم يتدفع له أكتر.”
“هو بيتدفع له كويس جدًا.”
“أقصد عاطفيًا.”
قعدت قصاده.
وده كمان كان بقى طبيعي.
ما بقاش هي عند الشباك وهو على الترابيزة. بقوا على نفس الترابيزة، كأنهم متساويين. وفي جغرافيا صباحاتهم الخاصة والغريبة… كانوا فعلًا كده.
قالت:
“احكيلي عن العرض.”
“مسرح متوسط في الزمالك. التقديم باختيار لجنة.

مش مسابقة بالضبط، لكن تصويت الجمهور بيختار أفضل أداء.”
“إنت هتقدم.”
“لسه ماقررتش.”
“إنت قررت قبل ما تحكيلي الساعة 7:42 صباح يوم ثلاث. بتفكر فيه من امبارح بالليل على الأقل.”
حط الموبايل.
سألته:
“إيه اللي موقفك؟”
قال:
“لو عملت ده، مش هيعدي بهدوء. أنا مش مجهول.”
قال كلمة مجهول كأنها كلمة كان عايزها طول عمره وما امتلكهاش.
قالت:
“لأ. أدهم الكيلاني بيقدم عرض رقص في الزمالك؟ ده عنوان.”
“عيلتي—”
قاطعته بهدوء:
“عيلتك كان لها أربعين سنة رأي في المفروض تعمل إيه بحياتك.

دي ليلة واحدة.”
بص لها.
وهي بصت له.
قالت:
“قدّم.”
“أسوأ احتمال؟”
“مايتقبلوش طلبك ونمثل إن الكلام ده كله كان عن القهوة.”
“أفضل احتمال؟”
“تقف قدام ناس جاية تقدّر الفن، وتعمل الحاجة اللي نفسك تعملها من وأنت عندك اتنين وعشرين سنة.” مالت لقدام. “مش نفسك تعرف إحساسها؟”
الضوء الرمادي لمس وشه.
قال:
“آه.”
“يبقى قدّم.”
وقدم.
واتقبل بعد تلات أسابيع.
بعت لها إيميل القبول من غير أي تعليق.
كانت وسط مراجعة ميزانية، وقعدت تبص للشاشة تلاتين ثانية قبل ما ترد:
قلتلك.

بعد دقيقتين كتب:
أنتِ تقولين لي أشياء كثيرة.
ردت:
وأطلع صح كل مرة.
قال:
هذا شبه مـ,ـزعج.
كتبت:
شبه؟
رد:
تمامًا.
كتبت:
ومع ذلك… ها نحن هنا.
بعد صمت صغير، رد:
ومع ذلك… ها نحن هنا.
التحضير كان بالليل.
مش كل ليلة. أدهم لسه بيدير مجموعة شركات. جدوله كان إنجاز معماري ماسكه دانيال حمدي بعبقريته الهادية وجداول إكسيل مرعـ,ـبة. لكن تلات ليالي في الأسبوع، وأحيانًا أربعة، ميار كانت تركب وتروح بيته في التجمع، في عمارة من النوع اللي الريسبشن بتاعها شيك لدرجة تخليك تشك أخلاقيًا.

البواب عرف اسمها من تالت زيارة.
غرفة تمرين أدهم كانت في الدور التاني من الشقة. أرضية مناسبة للرقص. مرايات على حيطتين. نظام صوت يخلي الباص يتحس في الجسم. وأضواء القاهرة ورا الشبابيك الواسعة.
في الأوضة دي، أدهم كان مختلف.
لأ.
مش مختلف.
مكشوف.
ميار فهمت فورًا هو ليه خبّى ده.
مش لأنه كويس.
هو كان أبعد من كويس.
كان بيتحرك بدقة تقنية، آه، لكن تحت الدقة كان فيه إحساس. إحساس حقيقي. النوع اللي عمره ما سمح له يدخل قاعات الاجتماعات.

النوع اللي بيطلع من كتافه، من إيديه، من هبوط وزنه المفاجئ، من جدال رجله الحاد مع الأرض.
ده ماكانش ترفيه.
ده كان اعتراف.
وفهمت وقتها إن الرقص كان الحاجة الوحيدة في حياته اللي ماكانت تخص حد غيره.
هي ماكانتش راقصة.
ولا مصممة رقصات.
لكنها كانت بتلاحظ.
وكانت بتقول الحقيقة.
وطلع إن ده بالضبط اللي محتاجه.
قالت له ليلة وهي قاعدة على الأرض قدام المراية، لابسة سويت بانتس رمادي وسويت شيرت قديم، وشعرها سايب على كتفها وكيس شيبسي جنبها:
“الجزء التالت… إنت بتمسك نفسك.”
وقف وبص لها في المراية.

“لأ.”
“آه.”
“أنا حافظ الحركة.”
“جسمك حافظ الحركة. خـ,ـوفك بيمنتجها.”
ضيّق عينيه.
قامت، مشت لنص الأوضة، وحاولت تقلد الحركة اللي هو كل مرة بيقصّرها.
بشكل سيئ.
سيئ جدًا.
وشه عمل حاجة رائعة.
حاول ما يتفاعلش.
وفشل بالتدريج.
قالت وهي بترمي دراعها بحماس كارثي:
“إنت بتعمل كده… وبعدين أول ما الحركة تبقى على وشك تتحول للحاجة الصح، ترجع لورا.”
قال:

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!