
قلت: “في حاجة واحدة عايزة أعرفها… موضوع الخلفه… كان حقيقي؟”… سكت تاني… بس المرة دي سارة هي اللي ردت… وقالت وهي بتبصلي في عيني: “هو اللي عنده المشكلة… مش إنتي”… حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت للأبد… مش بس خـ,ـيانة… ده كان سر… سر كان مخليني أعيش سنين في جلد ذات… أروح لدكاترة… أعمل تحاليل… أعيط في صلاتي… وهو ساكت… ساكت وسايبني أتحطم لوحدي… رجعت خطوة لورا… حطيت إيدي على الحيطة عشان ما أقعش… وقلت بهدوء مرعـ,ـب: “أنا هطلق”… أحمد رفع عينه بسرعة وقال: “مريم استني… الموضوع مش كده”… قلت: “الموضوع أسوأ من كده بكتير”… بصيت لسارة وقلت:
“خدي اللي إنتي عايزاه… بس افتكري… اللي خان مرة… هيخون ألف”… وشوفت في عينها لحظة خوف… صغيرة… بس كانت كفاية… دخلت أوضتي… لمّيت شنطتي وأنا سامعة صوتهم بيتخانقوا برا… كان بيزعق فيها… وهي بترد… نفس الناس اللي كانوا بيضحكوا عليا من شوية… بقوا دلوقتي بيكـ,ـسروا في بعض… خرجت من الشقة وأنا حاسة إني بسيب ورايا جثة مش حياة… نزلت السلم وأنا مش حاسة برجلي… وصلت عند باب العمارة… ووقفت… ماكنتش عارفة أروح فين… بس كنت عارفة إني مش هرجع تاني… روحت عند أمي… أول ما فتحتلي الباب وبصت في وشي… ما سألتش… حـ,ـضنتني بس… وأنا لأول مرة انهرت… عيطت بصوت عالي…
كأني بطلع وجع سبع سنين دفعة واحدة… بعدها بأيام… بدأت الحقيقة تطلع أكتر… أحمد حاول يرجعني… بعت رسايل… اتصل… حتى جه عند أمي… بس أنا كنت خلاص… انتهيت… اكتشفت كمان إن سارة كانت السبب إنه مايعالجش نفسه… كانت بتقوله إن المشكلة فيا… عشان تفضل أنا في الصورة وهي في الخفاء… لعبة قذرة… وأنا كنت الضحية المثالية… بعد شهرين… الطـ,ـلاق تم… بهدوء غريب… كأننا بننهي عقد شغل مش جواز… بس المفاجأة ماكانتشي هنا… بعد الطـ,ـلاق بشهر… جالي اتصال من رقم غريب… رديت… كانت سارة… صوتها كان مهزوز… قالت: “أنا محتاجة أتكلم معاكي”… سكت شوية وبعدين قالت: “أحمد سابني”… ضحكت… نفس الضحكة القديمة…
بس المرة دي من غير وجع… قلت: “طبيعي”… قالت وهي شبه بتعيط: “هو طلع بيخوني”… سكتت… يمكن كانت مستنية تعاطف… بس أنا ماكانش عندي أي حاجة أديها… قلت: “زي ما عمل فيا”… وقفلنا… بعدها بأيام… عرفت إنه فعلاً دخل في علاقة جديدة… بسرعة… بنفس الطريقة… نفس الكذب… نفس الخـ,ـيانة… وكأن ده طبعه مش غلطة… أما أنا… فبدأت أرجع لنفسي… واحدة واحدة… رجعت شغلي… اهتميت بصحتي… رحت لدكتور جديد… مش عشان الخلفه… لكن عشان أطمن على نفسي… وهناك… عرفت الحقيقة كاملة… أنا كنت سليمة… مافيش فيا أي مشكلة… فضلت قاعدة في العيادة بعد ما الدكتور قال الجملة دي…
أضحك وأعيط في نفس الوقت… سبع سنين وأنا شايلة ذنب مش ذنبي… بس يمكن دي كانت البداية… بداية إني أعيش لنفسي… مش لحد بيكـ,ـذب عليا… بعد سنة… كنت أقوى… أهدى… وأصدق مع نفسي… وفي يوم عادي… وأنا قاعدة في كافيه… قابلت حد… ماكانش فيلم… ولا حب من أول نظرة… كان مجرد راجل بسيط… محترم… اتكلمنا عادي… من غير تمثيل… من غير كذب… ومع الوقت… بقي في حاجة حقيقية… حاجة نظيفة… وبعد فترة… لما حكيت له كل حاجة… ماحسيتش بأي حكم… ولا شفقة… بس احترام… وده كان كفاية… يمكن ربنا ماكتبليش أكون أم وقتها… بس كتبلي أتعلم درس عمري ما أنساه…
إن الخـ,ـيانة مش بس في القلب… الخـ,ـيانة الحقيقية لما حد يسرق منك ثقتك في نفسك… بس أنا رجعتها… ورجعت أقوى… ويمكن لأول مرة… بقيت أنا كفاية لنفسي.
مرت الشهور بهدوء غريب… هدوء كنت في الأول بخاف منه كأنه قبل عاصفة جديدة، لكن مع الوقت اكتشفت إنه مش هدوء فراغ… ده هدوء راحة، راحة أنا عمري ما جربتها وأنا مع أحمد، كنت دايمًا مشدودة من جوايا حتى وأنا بضحك، حتى وأنا بقول إني مبسوطة، كان في صوت صغير جوايا بيقول إن في حاجة غـ,ـلط…
دلوقتي الصوت ده سكت، أو يمكن أنا اللي بقيت أقوى منه، بقيت بصحى الصبح من غير إحساس التقصير اللي كان ملازمني، من غير السؤال اللي كان بيقتلني كل يوم: “هو أنا السبب؟”… بقيت أفتح عيني وأنا عارفة إني مش غـ,ـلطانة، وإن اللي حصل كان قسوة ناس تانية مش عيب فيا، وده فرق كل حاجة، بقيت أمشي في الشارع وراسي مرفوعة، حتى لو جوايا لسه جروح، بس على الأقل مش مكسورة، الشغل بقى ملجأي، مش هروب…
لا، كان إعادة بناء، كل مشروع بنجحه، كل خطوة بعملها لوحدي، كانت بتردلي حتة من نفسي، والناس حواليّا بدأوا يشوفوا التغيير، مريم اللي كانت ساكتة، بتعدي، بتسكت عشان ما تزعلش حد، اختفت… وظهرت واحدة تانية، بتقول لأ، بتختار نفسها، ومش بتخـ,ـاف تخـ,ـسر حد علشان تكسب راحتها، وحتى أمي… أمي اللي كانت دايمًا خايفة عليا، بقيت تبصلي بنظرة فخر، مرة قالتلي: “أنا أول مرة أحس إنك واقفة على رجلك بجد”… الكلمة دي فضلت ترن في ودني أيام، لأني فهمت إن القوة مش إنك تستحمل، القوة إنك تمشي لما كل حاجة تقولك استني، وفي وسط كل ده، كان في هو…
كريم، وجوده ماكانش صاخب، ماخدش مساحة غصب عني، بالعكس… كان دايمًا بيسيبلي المساحة، يمكن ده اللي خلاني أرتاح، مافيش ضـ,ـغط، مافيش تمثيل، مافيش وعود كبيرة… بس في أفعال صغيرة، ثابتة، مرة سألني وأنا متوترة في الشغل: “أكلتي؟”… سؤال بسيط، بس حسيت إنه شايفني، بجد شايفني، مش شايف دوري، ولا شكلي، ولا أنا المفروض أكون إيه… شايفني أنا، ومع الوقت، بقيت أحكي له أكتر، عن خوفي، عن اللي حصل، عن اللحظات اللي لسه بتوجعني، وكنت مستنية في أي لحظة يمل… أو يحكم… أو حتى يتغير، لكن ده ماحصلش، كان بيسمع… بس، وده كان كفاية يخلي قلبي يهدى، لحد اليوم اللي قاللي فيه:
“إنتي مش محتاجة تثبتي لحد حاجة… إنتي كفاية كده”… الجملة دي كـ,ـسرت فيا حاجة قديمة… حاجة كانت دايمًا بتجبرني أعمل أكتر، أكون أكتر، أرضي الكل، يمكن لأول مرة حسيت إني مش محتاجة أكون مثالية علشان أتحب، وده كان غريب… ومخيف شوية، لأن الراحة ساعات بتخوف أكتر من الوجع اللي اتعودنا عليه، وفي يوم… رجعت سارة تظهر تاني، بس المرة دي مش بمكالمة، لا… شفتها صدفة، كنت خارجة من شغلي، لقيتها واقفة قدام المبنى، شكلها مختلف… مش بنفس الثقة، ولا بنفس اللمعة، عيونها فيها تعب واضح، لما شافتني اترددت، كأنها مش عارفة تقرب ولا تمشي، وأنا وقفت…
مش علشانها، لكن علشان نفسي، كنت عايزة أعرف أنا بقيت إيه قدامها، قربت وقالت بصوت واطي: “مريم… أنا عارفة إني ماليش حق أكلمك”… سكتت شوية وبعدين كملت: “بس أنا خـ,ـسرت كل حاجة”… بصيت لها من غير أي إحساس تقريبًا، لا شفقة، ولا غضب… حاجة محايدة، يمكن دي كانت أكبر علامة إني شفيت، قالت وهي دموعها نازلة: “هو سابني… وكل اللي عملته رجعلي”… سكتت… مستنية مني رد، يمكن كلمة، يمكن عزاء، لكن أنا كنت خلصت، قلت لها بهدوء: “أنا سامحتك… بس مش هرجع أعرفك”… الكلمة طلعت بسهولة…
وده كان أغرب حاجة، لأني زمان كنت فاكرة إن التسامح معناه ضعف، لكن اكتشفت إنه قوة… قوة إنك تقفل باب من غير ما تفضل واقف عنده، سارة هزت راسها ومشيت، وأنا كملت طريقي، وما بصيتش ورايا، لأني المرة دي كنت ماشية لقدام بجد، بعدها بفترة… كريم طلب يقابل أمي، توترت… مش منه، من الفكرة نفسها، فكرة إني أبدأ تاني، بس لما شفته قاعد معاها، بيتكلم بهدوء، بيسمع، بيحترم، حسيت بحاجة جوايا بتطمن، مش حب كبير فجأة… لا، حاجة أعمق… ثقة، وبعدها بشهور… وقف قدامي وقال: “أنا عايز أكمّل حياتي معاكي… بس من غير ضغط… القرار ليكي”… سكت…
سابلي المساحة اللي طول عمري ماخدتهاش، وبصراحة… لأول مرة ماخفتش من الإجابة، ابتسمت وقلت: “نحاول”… مش “نعيش للأبد”، ولا “نكتب قصة حب مثالية”… بس نحاول، لأن المحاولة مع الشخص الصح… أمان، ومع الوقت… الحياة بدأت ترجع بسيطة، ضحكة من غير سبب، قعدة هادية، يوم عادي من غير دراما، وده كان أحلى حاجة، لأن السلام… هو الرفاهية الحقيقية، ويمكن أنا ماخلفتش لحد اللحظة دي… ويمكن ده يتغير… أو لا، بس لأول مرة… الموضوع ما بقاش مقياس ليا، ولا لقمتي، بقيت أنا كاملة بنفسي، مش مستنية حد يكمّلني، وفي ليلة هادية… وأنا قاعدة في البلكونة بشرب شاي، بصيت للسماء وافتكرت مريم القديمة…
اللي كانت بتعيط في نفس المكان، وابتسمت… وقلت لنفسي بهدوء: “إنتي عدّيتي… وعدّيتي بجد”… ويمكن ده كان أعظم انتصار في حياتي.
في ليلة من الليالي اللي بتبقى هادية زيادة عن اللزوم، لدرجة إنك تسمعي فيها صوت أفكارك بوضوح مزعج، صحيت على رنة موبايل مفاجئة، بصيت في الساعة لقيتها اتنين ونص بعد نص الليل، رقم غريب… لحظة تردد عدّت، بس رديت، صوت ست كبيره طالع مهزوز: “مدام مريم؟”… قلبي اتقبض من غير سبب واضح، قلت بهدوء: “أيوه”… سكتت لحظة وبعدين قالت: “أنا أم أحمد”… الاسم وقع عليا زي حجر اتحدف في مية ساكنة، عمل دوشة جوايا رغم إني كنت فاكرة إني نسيت، كنت ممكن
