
أقفل، بس ما عملتش كده، يمكن فضول… يمكن بقايا حاجة جوايا لسه مش فاهمة، قالت بصوت فيه كسر: “هو تعبان… أوي… ومفيش حد جنبه”… سكتت تاني، كأنها مستنية مني أتحرك، أقول حاجة، أرفض، أقبل، أي رد، وأنا فضلت ساكتة، لحد ما قالت جملة واحدة كسرت التردد: “هو عايز يشوفك”… قفلت المكالمة بعدها من غير ما أدي وعد، فضلت قاعدة على السرير باصة قدامي، قلبي بيدق أسرع من الطبيعي، مش حب… ولا شوق… حاجة أغرب، حاجة بين الغـ,ـضب والشفقة، دخلت المطبخ شربت مية، بصيت لنفسي في المراية، وسألت السؤال اللي عمري ما كنت بعرف أجاوبه: “أنا عايزة إيه؟”…
ولأول مرة، الإجابة كانت واضحة: “راحة بالي”… لبست وخرجت، مش علشان هو… علشاني، علشان أقفل باب مفتوح من جوايا، وصلت المستشفى، نفس ريحة المطهرات اللي كنت بكرهها، نفس الإحساس بالبرود، سألت عليه، دخلت الأوضة… شفته نايم، ضعيف، ملامحه متغيرة، مش الراجل اللي كـ,ـسرني، ولا حتى النسخة اللي كنت بحبها، كان مجرد إنسان خسر كتير، فتح عينه لما حس بوجودي، أول ما شافني، دمـ,ـوعه نزلت… من غير كلام، همس بصوت مبحوح: “كنت عارف إنك هتيجي”… ما ردتش، قربت وقعدت على الكرسي، سكتنا شوية، وبعدين قال: “أنا ظلمتك”… الجملة اللي كنت مستنياهاسنين، لما سمعتها… ماحستش بأي انتصار، بالعكس…
حسيت إنها متأخرة أوي، قال وهو بيحاول يتكلم: “كنت جبان… خفت أواجه نفسي… وخليتك إنتي تدفعي التمن”… كنت سامعاه، بس مش بتأثر، كأن الكلام بيعدي من حواليا، قال: “أنا خسرت كل حاجة… سارة سابتني… واللي بعديها كمان… وكل مرة كنت فاكر إني بكسب… لحد ما لقيت نفسي لوحدي”… سكت، وبعدين بصلي وقال: “سامحيني”… الكلمة دي وقفت في الهوا بينا، زمان كنت مستنياها زي الغريق، دلوقتي… حسيتها خفيفة، مش تقيلة زي ما كنت متخيلة، أخدت نفس وقلت بهدوء: “أنا سامحتك من زمان”… عينه وسعت شوية، يمكن مستغرب، يمكن مستني أكتر، بس أنا كملت: “بس ده مايعنيش إني هرجع”…
سكت، ودمـ,ـوعه نزلت أكتر، قال: “أنا عارف”… وبص في السقف، كأنه خلاص استسلم، قعدت شوية من غير كلام، وبعدين قمت، قبل ما أمشي قال: “إنتي تستاهلي حياة أحسن”… وقفت لحظة، وقلت: “وأنا أخدتها”… وخرجت، المرة دي ماكانش في وجع، ولا ندم، ولا حتى حنين، كان في هدوء… هدوء حقيقي، رجعت البيت، لقيت كريم مستنيني، ما سألش أسئلة كتير، بس بص في عيني وعرف، قال بهدوء: “خلصتي؟”… ابتسمت وقلت: “آه… خلاص خلصت”… قعدنا جنب بعض، من غير كلام، بس كان في إحساس عميق بالأمان، وبعد أيام قليلة، وأنا في شغلي، جالي اتصال تاني… نفس الرقم، بس المرة دي الصوت كان أبرد:
“البقاء لله”… قفلت وأنا واقفة مكاني، مش مصدومة… بس حاسة بثقل بسيط، زي صفحة بتتقفل نهائي، روحت الجـ,ـنازة، وقفت بعيد، ماحدش ركز معايا، ولا أنا كنت عايزة، بصيت على الناس، على أمه، على حياته اللي انتهت، وفهمت حاجة أخيرة… إن بعض الناس بتيجي في حياتنا علشان تعلمنا درس، مش علشان تكمل معانا الطريق، مشيت قبل ما الحدث يخلص، وأنا ماشية حسيت بهوا خفيف بيعدي على وشي، كأن في حاجة اتشالت من على صدري، رجعت البيت، دخلت البلكونة، نفس المكان، نفس الكرسي، بس مريم اللي قاعدة دلوقتي مش هي اللي كانت هنا زمان، رفعت عيني للسماء وابتسمت، ومن غير ما أحس…
دمعة نزلت، مش حزن… ولا فرح… حاجة في النص، حاجة اسمها نهاية، نهاية حكاية كانت تقيلة… وبداية حياة خفيفة، حياة أنا اخترتها بإيدي، ومش ناوية أسيبها لأي حد تاني يكـ,ـسرها تاني.
تمت