
لو ينفـع أبـدل ابنـي ده بواحـد تـاني كنت عملتها من غير تفكير أصل محدش هيلاحظ أصلاً…ان عند ابن اسمه كريم..وضحك…كان عندي 14 سنة لما سمعت الجملة دي….في جراج جنب ملعب في 6 أكتوبر…
وأنا واقف ورا العربية… بسمع أبويا بيقول كده وهو بيتفرج على ماتش لاخويا.
أخويا الكبير يوسف… كان عنده 16 سنة… نجم فريق الكورة… الكابتن… وفخر العيلة كلها…في البيت كانوا حافظين أهدافه… بطولاته… كل حاجة عنه.
أما أنا؟كانوا عارفين إني موجود… وخلاص…أنا كنت بلعب باسكت في المدرسة…بس أبويا، عمره ما جه شافني…كل مرة عذر: زحمة… شغل… صداع… العربية عطلت…لكن مع يوسف؟ عمره ما اتأخر.
اليوم ده… نسيت موبايلي في العربية…فنزلت أجيبه في نص الماتش.
وأنا بقرب… سمعت صوت أبويا…فوقفت ورا شنطة العربية من غير ما أحس.
كان واقف مع راجل تاني… بيشتكي من ابنه…بيقول إنه كسلان… ومفيش عنده طموح…أبويا ضحك.
—طب بدله معايا —قالها— بس طبعًا مش يوسف…خده كريم…وسكت لحظة… وبعدين كمل:
—الواد ده رمادي أوي… لو اختفى ممكن ما تحسش أصلاً.
وبعدين ضحك تاني وقال:
—ساعات بشوف يوسف في الملعب وأفكر… تخيل لو عندي اتنين زيه بدل واحد والتاني بيشغل مكان؟ ده كان هيبقى نعمة.
حسّيت صدري بيتقفل.ما عيطتش…ما صرختش…
فضلت واقف مكاني…بسمع أبويا وهو بيحول وجودي لنكتة.
بعد الماتش…رجعنا العربية.يوسف كان بيتكلم عن الجون اللي جابه…
وأبويا بيسمعله بفخر…بصلي وقال:
—إنت كويس؟قلت:—آه.
ودي كانت آخر مرة رديت عليه كـ ابن…من اليوم ده…
اديته اللي هو عايزه بالظبط…ابن… مش باين.
بطلت أطلب منه ييجي ماتشاتي…
بطلت أحكيله عن المدرسة… عن صحابي… عن أي حاجة…لو قال: “عملت إيه؟”
أقول: “تمام”…لو حاول يهزر…أبتسم له زي ما بابتسم لأي جار.
في الأول… ما خدش باله…كان مشغول بيوسف…بس مع الوقت…
بدأ يخبط على باب أوضتي…يعزمني نخرج… يسأل عن التمرين.
كنت برد…
باحترام…بس من غير أي إحساس…أمي قالت إني بقيت بارد…
ويوسف لاحظ…في مرة سألني:
—هو بابا عملك حاجة؟
قلت:لا… أنا بس بقيت زي ما هو طلب..عدت أربع سنين…
وفي حفلة تخرج يوسف…أبويا وقف قدام العيلة كلها…قال إنه فخور بولاده الاتنين…وبصلي… وقال:
—كريم… عارف إني ماكنتش دايمًا الأب اللي تستحقه… بس عايزك تعرف إنك فخري برضه…رفعت الكوباية… وبصيت له…
وقلت: شكرًا… يا أستاذ عماد.
الصمت نزل على المكان كله.
أمي وشها اصفرّ…يوسف فتح عينه بصدمة…وأبويا… وقف كأنه اتخنق.
وأنا…كل اللي كان في دماغي وقتها…إني مش مصدق اللي هيحصل بعد كده.
يتبع…
تفتكروا تصرف الابن دا صح…؟؟ولا مراهق دماغه سيقاه…؟
@أبرز المعجبين
يتبع…
وأنا واقف قدامه، ماسك الكوباية، وبقوله:
“شكرًا… يا أستاذ عماد.”
الكلمة نزلت في المكان زي حجر تقيل في مية راكدة.
ولا صوت… ولا نفس.
حتى صوت المزيكا اللي كان شغال في الخلفية، حسّيته فجأة بقى بعيد… كأنه مش تبع اللحظة دي.
أبويا ما ردش.
بس وشه اتغيّر… أول مرة أشوفه بالشكل ده.
مش غاضب… مش متعصب…
مصدوم.
كأنه اتض.رب في حاجة عمره ما كان متخيلها.
أمي قامت بسرعة، حاولت تلم الموقف:
“كريم بيهزر يا جماعة…
كريم اقعد بس.”
ما بصتلهاش حتى.
أنا كنت مركز معاه هو بس.
يوسف قرب مني، ووطى صوته:
“إيه اللي إنت بتعمله ده؟”
بصيت له بهدوء:
“بعمل اللي المفروض كنت أعمله من زمان.”
سابه ومشيت.
سيبت القاعة كلها… الناس… الأصوات… النظرات… وسيبته هو واقف في مكانه.
أول مرة أسيبه واقف لوحده.
أول مرة ما أجريش وراه.
وأنا نازل على السلم، كنت حاسس بحاجة غريبة…
مش انتصار…
ولا حزن…
حاجة في النص… زي فراغ كبير.
كأني فعلاً بقيت… مش موجود.
اللي حصل بعدها… ماكنش سريع.
مافيش مواجهة كبيرة… ولا خناقة درامية زي اللي الناس بتتخيلها.
العكس تمامًا.
الصمت هو اللي بدأ يكبر.
أبويا حاول يتكلم معايا تاني يوم.
خبط على باب أوضتي.
—”كريم… ممكن نتكلم شوية؟”
فتحت الباب… وقفت قدامه.
—”اتفضل.”
دخل… وبص حواليه كأنه أول مرة يشوف الأوضة.
يمكن فعلاً كانت أول مرة.
قعد على الكرسي… وأنا فضلت واقف.
—”إنت زعلان مني؟”
السؤال كان بسيط… بس متأخر سنين.
رديت بنفس الهدوء:
—”لا.”
اتلخبط.
—”طب اللي حصل امبارح؟”
—”ولا حاجة.”
—”مافيش ولا حاجة؟”
بصيت له:
—”أنا بس بقيت زي ما إنت كنت شايفني.”
سكت.
كان مستني أكتر… تبرير… عتاب… أي حاجة.
بس ما ادتوش حاجة.
لأن الحقيقة؟
أنا كنت خلصت.
الأيام عدت.
هو بقى يحاول… بطريقة غريبة.
يسألني عن التمرين.
يطلب مني نخرج.
حتى مرة جاب لي كوتشي جديد.
نفس الماركة اللي جابها ليوسف قبلها بشهر.
بس أنا ما لبستوش.
فضل في العلبة.
مش علشان أنا عنيد…
بس علشان الحاجة لما تيجي متأخر… ما بتبقاش ليها نفس المعنى.
يوسف كان أكتر واحد متلخبط.
هو عمره ما كان وحش معايا.
بس عمره برضه ما كان شايف.
في مرة دخل أوضتي من غير خبط.
—”إنت بتكره بابا؟”
قلت له:
—”لا.”
—”طب بتعمل فيه كده ليه؟”
ضحكت… ضحكة خفيفة كده من غير روح:
—”أنا ما بعملش فيه حاجة… أنا بس بطلت أعمل اللي كنت بعمله.”
سكت شوية… وبعدين قال:
—”أنا ماكنتش أعرف.”
بصيت له لأول مرة بجد:
—”ما حدش بيكون عارف… غير اللي بيحصل له.”
مرّت شهور…
وبعدين سنة…
وبعدين اتنين.
العلاقة بيني وبين أبويا بقت رسمية جدًا.
كلام قليل… نظرات متجنبة… محاولات منه… وردود باردة مني.
لحد اليوم اللي حصل فيه الحاجة اللي غيّرت كل حاجة.
كان ماتش مهم ليا.
بطولة على مستوى المدارس.
أول مرة أوصل للنهائي.
طبعًا… ما قلتش لحد.
متعودتش أقول.
بس الغريب؟
يوم الماتش… وأنا داخل الملعب…
شوفته.
واقف في المدرجات.
لوحده.
مش مع يوسف…
مش مع صحابه…
لوحده.
كان بيبص عليا.
مش بفخر…
ولا بإعجاب…
بتركيز.
زي ما كان بيبص ليوسف زمان.
وقتها… حسّيت بحاجة في صدري اتحركت.
مش رجوع…
بس حاجة اتفكت شوية.
لعبت أحسن ماتش في حياتي.
مش علشانه.
بس علشان نفسي.
وأول ما خلص… وكسبنا…
ما جريتش عليه.
بس هو اللي جالي.
وقف قدامي… متردد.
وقال بصوت واطي:
—”أنا كنت غلط.”
أول مرة يقولها.
بصيت له…
وطولت شوية قبل ما أرد.
—”عارف.”
الكلمة خرجت بسيطة…
بس كانت تقيلة.
قوي.
فضل واقف… مستني.
يمكن مستني أرجع زي الأول.
بس الحقيقة؟
أنا ما رجعتش.
أنا بس… وقفت بعيد أقل شوية.
لحد النهارده…
هو بيحاول.
وأنا… بتعامل.
فيه احترام… فيه كلام… فيه وجود.
بس مش فيه نفس اللي كان زمان.
لأن في حاجات…
لما بتتكسر…
حتى لو اتصلحت…
بتفضل باين فيها الشرخ.
وأنا واقف قدامه بعد الماتش…
افتكرت الجملة.
“لو اختفى… ممكن ما تحسش.”
وبصيت له…
وقلت لنفسي:
أنا ما اختفيتش.
أنا بس…
بطلت أظهر للي ما كانش شايفني.
دلوقتي بقى السؤال ليك أنت 👇
هل كريم غلط؟
ولا ده أقصى رد ممكن يوصله حد اتكسر بالشكل ده؟
الأيام بعدها ما رجعتش طبيعية فجأة… مفيش حاجة في حياتي كانت بترجع بسهولة… بس كان في تغيير بسيط… هادي…
زي صوت باب بيتفتح على مهله بعد ما كان مقفول سنين.
أبويا بقى ييجي التمرين.
مش كل مرة… بس بقى ييجي.
أول مرة شوفته واقف بعيد، إيده في جيبه، بيتفرج من غير ما يقرب… ما بصتش له.
مش تجاهل… بس أنا ماكنتش مستعد أديه الإحساس ده بسهولة.
المرة التانية… سلّم عليا بعد التمرين.
—”لعبت كويس.”
قلت:
—”شكرًا.”
وسكتنا.
بس الفرق؟
المرة دي… هو اللي فضّل واقف.
مش مستني رد أكبر…
بس مش ماشي برضه.
كأنه بيقول: “أنا موجود… حتى لو إنت مش جاهز.”
مرة ورا مرة…
بقى فيه كلام بسيط.
عن التمرين… عن الدراسة… عن حاجات عادية.
بس في حاجة كانت لسه واقفة بينا… زي حيطه شفافة.
لحد اليوم اللي كسّرها فعلاً.
كان يوم عادي جدًا.
رجعت من التمرين متأخر… لقيت النور في الصالة مفتوح.
دخلت… لقيته قاعد لوحده.
مش بيتفرج على حاجة…
مش ماسك الموبايل…
قاعد ساكت.
أول ما شافني، قال:
—”كريم… ممكن تقعد شوية؟”
وقفت لحظة… وبعدين قعدت قصاده.
لأول مرة… مش واقف… مش على الباب…
قاعد.
ده لوحده كان فرق.
سكت شوية…
وبعدين قال:
—”أنا فاكر اليوم ده.”
ما احتاجش يشرح.
أنا فهمت.
الجراج… العربية… الكلام.
كل حاجة رجعت في ثانية.
قلبي دق… بس وشي فضل هادي.
—”أنا كنت بهزر.”
بصيت له… وما رديتش.
هو نفسه فهم إن الجملة دي ضعيفة.
هز راسه بسرعة وقال:
—”لا… مش بهزر… أنا كنت بهرب… وكنت غلط.”
صوته اتغير.
أول مرة أحس فيه بثقل.
—”أنا كنت شايف يوسف حاجة كبيرة… وكنت فاكر إن ده معناه إني أدي له كل حاجة… ونسيت إن عندي ابن تاني محتاجني بنفس الطريقة.”
سكت… وبعدين كمل:
—”وأصعب حاجة…
إني ماكنتش واخد بالي إني بجرحك بالشكل ده.”
الكلام كان بيتقال ببطء…
مش محفوظ…
