
“أنا مش بتحرك كده.”
“واضح طبعًا، لأني شكلي فزاعة متلبسة. ركز.” شاورَت عليه. “اللي بتعمله كويس. لكن اللي كنت هتعمله قبل ما توقف نفسك كان هيبقى مذهل. بطل توقف نفسك.”
“إنتِ أصلًا ما تعرفيش—”
“أرقص؟ أكيد لأ. عيلتي وزعت الإيقاع على كل الناس غيري. كانت مأساة واتقبلناها كلنا. بس ده مالوش عـ,ـلاقة باللي أنا شايفاه.”
بص لها.
قالت:
“عيدها.”
عادها.
المرة دي، لما اللحظة وصلت، ماعملش مونتاج لنفسه.
كمل الحركة.
الجزء كله اتغير.
اتفتح.
بقى شيء ضـ,ـرب صدر ميار زي الرعد.
ضمت شفايفها.
قالت بهدوء:
“أيوه.
كده.”
أدهم وقف بيتنفس بسرعة، بيبص لنفسه في المراية كأنه بيتعرف على شخص جديد.
قالت تاني:
“دي الحاجة.”
لف ناحيتها.
وشه كان مفتوح بالطريقة اللي بقت تشوفها في تلات أماكن بس: لاونج الصبح، مشاوير السبت، والأوضة دي.
الأماكن اللي مش لازم يبقى فيها اسم الكيلاني.
قال:
“مش عارف أعمل ده قدام الناس.”
قالت:
“أنت عارف.”
“أنا بعمله قدامك.”
“عارفة.” صوتها رق. “بس الرقص هو هو.”
قال:
“إنتِ مختلفة.”
الجملة ضـ,ـربت مكان تحت ضلوعها.
قعدت تاني، لأن الوقوف فجأة بقى خطر.
قالت:
“لازم تخلّي الناس تحس إنها بتشوف حاجة حقيقية. مش حاجة متدربة ومتدارة ومتوافق عليها. حاجة حقيقية. والطريقة الوحيدة تعمل كده إنك تبقى جوه الحركة فعلًا.”
مدت له كيس الشيبسي.
أخد واحدة.
أدهم الكيلاني، الملياردير والمدير التنفيذي، واقف حافي في أوضة تمرين بياكل شيبسي من كيسها.
ميار حبت المشهد ده أكتر مما كانت مستعدة تعترف.
قالت:
“بطل تؤدي الرقص. ارقص وخلاص.”
بص لها لحظة طويلة.
كان فيه شيء بيتجمع هناك من شهور.
نقطة نقطة.
ببطء يخليها تقنع نفسها إنها مش واخدة بالها.
لكن الوعاء كان امتلأ.
هو لف الأول.
عاد الجزء.
والمرة دي، ماوقفش نفسه ولا مرة.
قبل العرض بأسبوعين، أمه اتصلت.
ميار عرفت قبل ما يقول.
دخلت أوضة التمرين ولقته واقف عند الشباك بلبس الشغل، الجاكت لسه عليه، والكرافتة لسه مشدودة.
الصمت كان فيه طقس سيئ.
قالت:
“عيلتك عرفت.”
قال:
“أمي.”
“إزاي؟”
“هي تعرف كل الناس.”
“قالت إيه؟”
بص على المدينة.
“إنه غير مناسب. وإنه هيعمل ارتباك حوالين صورة الشركة. وإن راجل في منصبي ماينفعش يطلع يرقص في عرض عام. وإن فيه حاجات عيلة الكيلاني ببساطة ما بتعملهاش.”
ميار حطت شنطتها.
“وإنت قلت إيه؟”
“قلت لها إني هفكر في مخاوفها.”
“وهتفكر؟”
الصمت طال.
وهي سابته.
قال:
“لأ.”
دفء جرى فيها بسرعة لدرجة إنها اضطرت تبص بعيد.
“كويس.”
“هتصعّبها.”
“دي أمك. قضت أربعين سنة بتقرر لك المفروض تعوز إيه. طبيعي تصعّبها.”
لف ناحيتها.
ميار قربت ووقفت قدامه.
قالت:
“بس إنت راجل كبير بيدير شركة اسمه على مبناها. اللي هي شايفة إن المفروض تعوزه، واللي إنت عايزه فعلًا، مسموح لهم يكونوا حاجتين مختلفتين.”
بص لها طويلًا.
قال:
“إنتِ دايمًا بتقولي بالضبط اللي بتفكري فيه.”
“تقريبًا دايمًا.”
“وده واحد من الحاجات اللي أنا…”
وقف.
الأوضة سكتت.
ميار استنت.
ماكملش.
بدل كده قال بهدوء:
“شكرًا يا ميار.”
طريقة نطقه لاسمها عملت فيها حاجة.
وكانت بتعمل كده بقالها أسابيع.
هي حطت الإحساس في ملف اسمه: راقبي، لا تتصرفي.
الملف كان بيطفح.
قالت:
“غيّر هدومك. عندنا شغل.”
غيّر هدومه.
واشتغلوا.
وهي ما فتحتش الملف.
لسه.
ليلة العرض، ميار لبست الجاكيت الجلد البني فوق فستان أسود طويل، بوت بكعب عريض، سلاسل دهب، وشعرها سايب وفيه دبوسين دهب صغيرين.
كان شكلها واحدة رايحة حاجة مهمة.
لأنها كانت فعلًا مهمة.
أدهم كان سألها بحذر عادي لو هتحضر.
قالت:
“هقعد قدام وأحرجك.”
قال:
“أنا مش محتاج مشجع.”
“حظك وحش.”
ماقالش حاجة.
لكن حاجة فيه ارتاحت.
وكان ده رد كفاية.
المكان كان مسرحًا صغيرًا متجددًا في الزمالك، حميم ودافي، فيه طوب مكشوف وإضاءة ناعمة وطاقة ناس جاية فعلًا عشان الفن.
ميار اختارت الصف التالت.
الصف الأول كان ضغط.
الصف التالت كان حضور.
العرض استمر ساعتين قبل فقرته. شافت كل حاجة. ثنائي رقص معاصر بيتحركوا كالمياه. شاعر جعل الصمت مقدس. فرقة رقص شارع تقنيتهم كانت صادمة لدرجة إن الجمهور ضحك من الانبهار.
ثم صعد المقدم للميكروفون.
“الفقرة القادمة… أدهم الكيلاني.”
المكان اتغير.
همهمة عدت بين الجمهور.
الكل يعرف الاسم.
الكل يعرف الشركة.
الكل يعرف الوش من المجلات والقنوات الاقتصادية وعناوين الصفقات الكبيرة.
وبعدين أدهم طلع على المسرح.
لابس أسود كله.
بنطلون مضبوط. تيشيرت أسود بكم طويل وخامة مميزة.
كوتشي أسود اشتراه من مصمم مستقل في وسط البلد لأنه، حسب كلامه، “عملي”.
شعره كان خارج قليلًا عن كماله المعتاد.
وده خلاه يبدو حاضرًا.
إنسانًا.
الهمهمة زادت.
وقف في نص المسرح.
ثابت.
ميار عرفت الثبات ده.
شافته أسابيع.
اللحظة اللي قبل ما يلاقي الإذن.
بطل تؤدي الرقص.
ارقص وخلاص.
الموسيقى بدأت.
لمدة أربع دقائق وسبعتاشر ثانية، أدهم الكيلاني بطل يكون عنوانًا، ثروة، ابنًا، مديرًا تنفيذيًا، اسمًا على مبنى.
بقى راجل.
رقص بدقة، نعم. حركات القدم كانت مدمرة، والسيطرة واضحة.
لكن الإحساس اللي تحت ده هو اللي فتح الأوضة. القطعة عدّت على التقييد، الغـ,ـضب، الحـ,ـزن، الفرح، ثم شيء يشبه التحرر. الجزء التالت، اللي كان كل مرة بيقصقصه، وصل كأنه باب اتفتح بركلة من جوه.
ميار حطت إيدها على فمها.
الجمهور كان ساكت.
مش لأنه محتار.
لأنه مخطوف.
عند الدقيقة التانية، شافت اللحظة اللي بطل فيها يدير الأداء ودخل فيه تمامًا.
عينيها اتمليت دمـ,ـوع.
وما مسحتهاش.
عند أربع دقائق وسبعتاشر ثانية، الموسيقى خلصت.
أدهم وقف.
ثبات تاني.
وبعدين المكان انفجر.
مش تصفيق مجاملة.
ضجة.
الناس وقفت قبل ما حتى تقرر. فرقة الرقص صرخوا من الجنب. الثنائي المعاصر صفقوا بإيديهم فوق راسهم. ست في الصف الأول كانت بتعيط علنًا.
ميار كانت واقفة كمان، بتصفق لحد ما كفوفها وجعتها.
أدهم بص للجمهور.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شافته يستقبل حاجة.
ما صدّهاش.
ما حللهاش.
ما سيطرش عليها.
استقبلها.
عينه لقت ميار في الصف التالت.
كانت بتبتسم وسط الـ,ـدموع.
بص لها، وعدّى على وشه شيء ماكانش المفروض الغرباء يشوفوه.
راحة.
دهشة.
حنان مفتوح لدرجة إنه كاد يبعثرها.
جائزة أفضل أداء ماكانتش فيها منافسة.
لما أدهم استلم القطعة الخزفية الصغيرة، المصنوعة يدويًا والبسيطة والجميلة، وقف عند الميكروفون لحظة.
ثم قال:
“أنا كنت عايز أعمل ده من زمان. شكرًا إنكم سمحتوا لي.”
بس كده.
وكان كفاية.
الإنترنت لقى الفيديو قبل ما يخرج من المكان.
قبل نص الليل، كان في كل حتة.
الصبح، صفحات الفن والبيزنس اتكلمت عنه. صحفيين الاقتصاد حاولوا يبانوا مهنيين وفشلوا. التعليقات ظهرت بالعربي والإنجليزي والفرنساوي ولغات ميار ماعرفتهاش، وكلها بتقول نفس المعنى:
ماكانش عندي فكرة.
إزاي خبّى ده؟
